نادراً ما تعكس تحذيرات السفر طبيعة المخاطر الأمنية فقط، بل قد ترتبط أيضًا بحسابات الدول تجاه مواطنيها في الخارج. وفي حالة مصر، يرى تقرير «عرب ويكلي» أن الإبقاء عليها، بما في ذلك شبه جزيرة سيناء، عند أعلى مستوى لتحذيرات السفر الإسرائيلية يرتبط بصورة أكبر بإدارة إسرائيل للمخاطر التي قد يواجهها مواطنوها، وليس بالضرورة بتغير رسمي في علاقاتها مع القاهرة.


وفي تقرير نشره «عرب ويكلي»، أبقى مجلس الأمن القومي الإسرائيلي مصر، بما فيها شبه جزيرة سيناء، عند المستوى الرابع، وهو أعلى مستويات التحذير، ضمن تقييم أمني محدث صدر الأحد، محذرًا من استمرار محاولات استهداف الإسرائيليين واليهود خارج إسرائيل. ويأتي القرار في ظل تصاعد التوترات الإقليمية والمخاوف الإسرائيلية من استهداف جماعات مسلحة للإسرائيليين واليهود في الخارج.

 


مصر في صدارة التحذيرات الإسرائيلية


أدرج مجلس الأمن القومي الإسرائيلي مصر إلى جانب الأردن وقطر والصومال ضمن المستوى الرابع، وحث الإسرائيليين على تجنب السفر إلى هذه الدول ومغادرتها إذا كانوا موجودين فيها بالفعل.


وتأتي هذه التحذيرات في ظل تزايد المخاوف داخل إسرائيل من محاولات جماعات مسلحة استهداف مواطنيها واليهود خارج البلاد، فيما أشار المجلس إلى إيران وجماعات مرتبطة بها باعتبارها من أبرز مصادر هذه التهديدات.


ولم يتضح ما إذا كان التحذير الأخير يعكس تهديدات محددة ووشيكة، أم أنه يأتي أيضًا في سياق سياسي أوسع يتعلق بعلاقات إسرائيل مع القاهرة. فقد عارضت مصر بقوة أي خطط لتهجير الفلسطينيين من قطاع غزة قسرًا، كما حافظت على موقف حذر من الصراع الإسرائيلي الإيراني، بدلًا من الاصطفاف الكامل مع النهج الإسرائيلي تجاه طهران.


ولا توجد مؤشرات معلنة تربط تحذير السفر مباشرة بهذه المواقف المصرية. لكن توقيته يأتي بينما لا تزال التوترات الإقليمية مرتفعة، ما قد يجعله بمثابة تذكير بالتداعيات الأمنية المرتبطة بوجود المواطنين الإسرائيليين خارج بلادهم.


ولا يقتصر التحذير على مصر، إذ وصف مجلس الأمن القومي الإسرائيلي ارتفاعًا أوسع في دوافع التنظيمات المسلحة لاستهداف الإسرائيليين واليهود في الخارج، واضعًا التهديد ضمن مشهد أمني إقليمي ودولي أشمل.


وتكتسب الخطوة حساسية خاصة بالنسبة إلى مصر، التي كانت أول دولة عربية توقع معاهدة سلام مع إسرائيل، ولا تزال تحافظ على قنوات أمنية وسياسية مع جارتها. كما تمثل شبه جزيرة سيناء بوابة برية وسياحية رئيسية للإسرائيليين المتجهين إلى مصر.


وظلت وجهات سياحية في سيناء، مثل شرم الشيخ وطابا، تستقطب السياح الإسرائيليين منذ سنوات طويلة، فيما وفرت المعابر الحدودية بين البلدين طرقًا مهمة لحركة المسافرين، خصوصًا خلال فترات الأزمات الإقليمية.


وسبق أن أبقت إسرائيل على تحذيرات سفر مرتفعة لمصر وسيناء. وكانت توجيهات سابقة لمجلس الأمن القومي تحث الإسرائيليين الذين يستخدمون مصر طريقًا للعودة إلى إسرائيل على عدم البقاء داخل البلاد، والتوجه مباشرة إلى المعبر الحدودي. كما دعت المسافرين إلى إخفاء الرموز التي قد تكشف هويتهم الإسرائيلية أو اليهودية، وتجنب نشر معلومات عن تحركاتهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي.


وبالتالي، يعكس التقييم الأخير استمرار الإجراءات الاحترازية الإسرائيلية المشددة تجاه مصر، وليس بالضرورة ظهور تهديد جديد داخل الأراضي المصرية.

 


تحذيرات السفر تضغط على السياحة


يُعد قطاع السياحة أكثر القطاعات تعرضًا للتأثير المباشر من تحذيرات السفر. وحتى عندما لا يتهم تحذير السفر الدولة المضيفة بالعجز عن توفير الأمن، ولا يشير إلى هجوم محدد مخطط له، فإن وضع وجهة سياحية عند المستوى الرابع قد يؤثر في قرارات المسافرين وشركات السياحة ونظرة الجمهور الإسرائيلي إلى تلك الوجهة.


وتزداد حساسية المسألة بالنسبة إلى مصر بسبب قرب سيناء من إسرائيل وسهولة الوصول إليها برًا، فضلًا عن اعتماد عدد من المناطق السياحية بدرجة كبيرة على الزوار الإقليميين والدوليين.


لكن ينبغي التمييز بين تقييم السفر الإسرائيلي والوضع الأمني الذي تقيمه السلطات المصرية وحكومات الدول الأخرى. فلا يثبت قرار مجلس الأمن القومي الإسرائيلي، في حد ذاته، أن مصر تواجه تهديدًا إرهابيًا جديدًا أو أن السلطات المصرية عاجزة عن حماية السياح.


وتوضح تقييمات السفر الصادرة عن دول أخرى هذا الفارق. فعلى سبيل المثال، تقدم بريطانيا إرشادات سفر متفاوتة لمناطق مختلفة في مصر، بينما تقع معظم الوجهات السياحية الرئيسية خارج أعلى مستويات التحذير البريطانية، مع فرض قيود أكثر تشددًا على مناطق محددة، بينها الحدود المصرية الليبية وأجزاء من سيناء.


وتنبع الدلالة الأوسع للتحذير الإسرائيلي من سياقه الأمني والإقليمي. فقد نظرت إسرائيل على مدار سنوات إلى إيران وحلفائها باعتبارهم قادرين على نقل المواجهة إلى ما وراء ساحات القتال التقليدية. ومع تصاعد الصراع بين إسرائيل وإيران واتساع نطاق المواجهة الإقليمية، أصبح الإسرائيليون الموجودون في الخارج جزءًا متزايد الأهمية من المعادلة الأمنية.


ويساعد ذلك في تفسير امتداد التحذيرات إلى دول لا تشارك بصورة مباشرة في الصراع.


وتضم قائمة المستوى الرابع الحالية دولًا ترتبط بإسرائيل بعلاقات سياسية أو أمنية، مثل مصر والأردن، إلى جانب قطر والصومال. بينما تواجه دول مثل إيران ولبنان وسوريا واليمن والعراق قيودًا أشد، تشمل حظرًا قانونيًا على سفر المواطنين الإسرائيليين إليها.

 


أمن إسرائيل يتجاوز حدودها


يعكس النهج الأمني الناشئ تصورًا لم تعد معه الجغرافيا الأمنية لإسرائيل تتوقف عند حدودها. ومع تزايد قدرة الجماعات المعادية، وفق التقديرات الإسرائيلية، على استهداف الإسرائيليين في الخارج، أصبحت حركة السفر والسياحة والتنقل خارج إسرائيل جزءًا من حسابات الأمن القومي الأوسع.


ومع ذلك، لا يشير التحذير تلقائيًا إلى تدهور العلاقات الحكومية المصرية الإسرائيلية. فلا تزال العلاقات الرسمية قائمة، فيما تواصل السفارة الإسرائيلية في القاهرة التأكيد على التعاون بين الجانبين في عدد من المجالات.


كما تدفع المصالح الأمنية المشتركة بين القاهرة وتل أبيب، ولا سيما ما يتعلق بسيناء والحدود وقطاع غزة، الحكومتين إلى الحفاظ على قنوات الاتصال خلال فترات التوتر الإقليمي الحاد.


لكن التطور الأخير يسلط الضوء على فجوة بين العلاقات الرسمية وحركة الأفراد. فقد تستمر القنوات الأمنية والدبلوماسية بين الحكومتين في العمل، في الوقت الذي تصبح فيه حركة السفر بين البلدين أكثر تقييدًا بسبب المخاوف الأمنية.


وينعكس ذلك على السياحة، إلى جانب العلاقات الاجتماعية والاقتصادية، إذ يمكن للتحذيرات المتكررة أن تقلص حركة الأشخاص حتى مع بقاء الاتفاقات السياسية الرسمية دون تغيير.


ويطرح نهج إسرائيل في إصدار تحذيرات السفر سؤالًا أوسع حول ما إذا كان الصراع الحالي يدفعها إلى التعامل مع وجود مواطنيها في الخارج باعتباره امتدادًا مباشرًا لجبهتها الأمنية.


وفي الماضي، ارتبطت تحذيرات السفر غالبًا بالدول أو المناطق المعروفة بالحروب أو الإرهاب. أما النهج الحالي فيوسع نطاق التحذيرات ليشمل دولًا مستقرة نسبيًا بسبب احتمال تعرض الإسرائيليين أو اليهود للاستهداف فيها.


ويدفع ذلك إسرائيل إلى تطوير إجراءات إضافية، تشمل مراقبة تحركات مواطنيها، وتعزيز إرشادات السفر، والتنسيق مع حكومات الدول المضيفة، وربما فرض قيود على بعض أشكال السفر المنظم.


أما الدول المعنية، فتواجه تحديًا مختلفًا، إذ قد تجد نفسها مدرجة على أعلى قوائم التحذير الإسرائيلية من دون أن تتهم مباشرة بالتقصير في حماية الزوار الإسرائيليين.


وفي حالة مصر، يبدو التحذير مرتبطًا بصورة أكبر بإدارة إسرائيل للمخاطر التي تواجه مواطنيها، وليس بتغيير رسمي في علاقاتها مع القاهرة.


ولا تزال مصر دولة إقليمية محورية وشريكًا مهمًا في القضايا المتعلقة بغزة والحدود والأمن الإقليمي، في حين يضيف الصراع المستمر بُعدًا أمنيًا جديدًا إلى العلاقة بين البلدين.

 

https://thearabweekly.com/egypt-remains-israels-highest-travel-warning-level