تتزايد المؤشرات على اتساع وتعقيد الحرب الدائرة حول إيران، في ظل تباين الروايات الأمريكية والإسرائيلية بشأن طبيعة العمليات العسكرية وأهدافها، بالتزامن مع خلافات حول مستقبل الضغط الاقتصادي على طهران ودور الصين في محاصرة الاقتصاد الإيراني.
وفي أحدث تطورات المشهد، كشفت تقارير إعلامية عن توجيهات داخل وزارة الدفاع الأمريكية تقضي بالتوقف عن استخدام اسم «عملية الغضب الملحمي» عند الإشارة إلى العمليات العسكرية ضد إيران، في وقت تتواصل فيه الضربات والعمليات الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط.
وتزامن ذلك مع تصريحات لنائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس، تحدث فيها عن مساعٍ أمريكية لتوسيع نطاق الضغط الاقتصادي على طهران، مدعياً أن الصين مستعدة للتعاون في هذا المسار، وهو ما يتناقض مع مواقف صينية معلنة ترفض العقوبات والضغوط باعتبارها طريقاً لحل الأزمة.
وفي إسرائيل، ذهب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى أبعد من ذلك، معلناً أن إسقاط النظام الإيراني بات «في المتناول»، بينما توعد وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس برد واسع على أي هجوم إيراني محتمل، بما يشمل البنى التحتية العسكرية والمدنية وقطاع الطاقة.
توجيهات أمريكية لإخفاء اسم العملية
بحسب ما أوردته شبكة «سي بي إس نيوز»، حصلت الشبكة على رسالة بريد إلكتروني صادرة عن القوات الجوية الأمريكية في 7 أغسطس، تضمنت توجيهات من المكتب المركزي للشؤون العامة التابع لوزير الدفاع بيت هيجسيث، بإشراف المتحدث باسم وزارة الدفاع شون بارنل.
وطلبت التوجيهات من كبار القادة وضباط الشؤون الإعلامية عدم استخدام اسم «عملية الغضب الملحمي» عند الحديث عن العمليات العسكرية الجارية، واستبداله بتوصيف عام هو «العمليات الخارجية في منطقة مسؤولية القيادة المركزية الأمريكية».
كما تضمنت التعليمات ضرورة الحصول على موافقة مسبقة من القيادة المركزية الأمريكية «سنتكوم» قبل نشر أي معلومات تتعلق بالصراع، في خطوة أثارت تساؤلات بشأن الطريقة التي تدير بها وزارة الدفاع الأمريكية المعلومات المرتبطة بالحرب وتوثق العمليات العسكرية.
وتزداد حساسية هذه التعليمات في ظل استمرار العمليات الأمريكية في المنطقة، إذ إن تغيير المصطلحات الرسمية المستخدمة في وصف الحرب لا يتعلق فقط بالجوانب الإعلامية، وإنما يمكن أن تكون له انعكاسات على السجلات العسكرية وحسابات الخسائر والعمليات التي تُنسب إلى كل حملة عسكرية.
تناقضات حول نهاية «الغضب الملحمي»
تقول الرواية الرسمية الأمريكية إن «عملية الغضب الملحمي» انتهت في 5 مايو الماضي، بالتزامن مع تصريحات لوزير الخارجية ماركو روبيو أفاد فيها بانتهاء تلك المرحلة والانتقال إلى ما عُرف باسم «مشروع الحرية».
لكن إعلان نهاية العملية يتعارض، وفق التقارير، مع التطورات الميدانية التي شهدتها المنطقة خلال الأشهر التالية، بما في ذلك جولات من القصف وتبادل النيران، وصولاً إلى إخطار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الكونجرس في 7 يوليو باستئناف العمل العسكري.
ويطرح هذا التباين سؤالاً بشأن التاريخ الفعلي لانتهاء العملية، وما إذا كان تغيير الاسم يعكس انتهاء حملة عسكرية بالفعل أم إعادة تصنيف للعمليات الجارية تحت مسمى آخر.
وتزداد المسألة تعقيداً مع استمرار بعض السجلات التابعة للبنتاجون في إدراج عمليات وخسائر بشرية تحت اسم «الغضب الملحمي»، رغم الإعلان رسمياً عن انتهاء العملية قبل ذلك بمدة.
تعديل بيانات قتلى الجيش الأمريكي
أثارت السجلات الرقمية الخاصة بالخسائر العسكرية الأمريكية مزيداً من التساؤلات، بعدما أظهرت بيانات أن أربعة عسكريين أمريكيين قتلوا خلال يوليو في الشرق الأوسط، جرى في البداية تصنيفهم باعتبارهم من ضحايا «عملية الغضب الملحمي».
وارتبطت الحالات، وفق المعلومات الواردة، بهجوم صاروخي إيراني على قاعدة جوية في الأردن في 18 يوليو، إضافة إلى انفجار طائرة مسيرة في العراق في اليوم التالي.
وبعد فترة قصيرة، نُقلت أسماء العسكريين الأربعة إلى فئة جديدة تحمل اسم «العمليات الخارجية»، الأمر الذي أدى تلقائياً إلى انخفاض عدد القتلى المنسوبين إلى «الغضب الملحمي» من 18 إلى 14 قتيلاً.
وبررت وزارة الدفاع الأمريكية التغيير بأنه نتج عن «خلل مؤقت في البيانات»، إلا أن إعادة تصنيف الخسائر بعد الإعلان عن انتهاء العملية فتحت الباب أمام تساؤلات حول آليات تسجيل الضحايا العسكريين ومدى ثبات التصنيفات الرسمية.
وتكتسب هذه التصنيفات أهمية تتجاوز الجانب الإحصائي، إذ ترتبط سجلات العمليات والخسائر بقضايا تتعلق بالرقابة على أداء القوات المسلحة، ومتابعة الكونجرس للحروب الخارجية، فضلاً عن بعض الاستحقاقات العسكرية المرتبطة بالخدمة والعمليات القتالية.
الصين ترفض الانضمام لضغط واشنطن
في موازاة الجدل بشأن طبيعة العمليات العسكرية، تتجه واشنطن إلى توسيع المعركة اقتصادياً ضد إيران، مع التركيز على صادرات النفط باعتبارها أحد أهم مصادر الإيرادات التي تساعد طهران على مواجهة العقوبات.
وقال نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس إن الصين أبدت استعدادها للتعاون مع الولايات المتحدة في جهود عزل إيران اقتصادياً، معتبراً أن موقف بكين يمثل عاملاً مهماً في نجاح استراتيجية الضغط الأمريكية.
لكن الموقف الصيني المعلن لا يبدو منسجماً مع رواية فانس. فقد أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية لين جيان في وقت سابق أن العقوبات والضغط لن يساعدا في حل القضية، داعياً إلى معالجة الأزمة بالوسائل السياسية والدبلوماسية.
وكان وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت قد دعا الصين في أغسطس إلى الانضمام إلى الحملة الأمريكية ضد إيران، في ظل إدراك واشنطن للدور المحوري الذي تلعبه بكين في سوق الطاقة الإيرانية.
وتعد الصين أكبر مشترٍ للنفط الإيراني، وهو ما يجعل تعاونها مع العقوبات الأمريكية، أو استمرارها في شراء النفط الإيراني، عاملاً حاسماً في قدرة واشنطن على التأثير في موارد طهران المالية.
وبالتالي، فإن الخلاف بين التصريحات الأمريكية والموقف الصيني يضع علامة استفهام حول مدى قدرة الولايات المتحدة على تشكيل جبهة اقتصادية دولية موحدة ضد إيران.
هرمز يتحول إلى ورقة تفاوض
وفي تطور آخر مرتبط بالحرب، تحدث فانس عن عودة حركة النفط والغاز عبر مضيق هرمز إلى مستويات تقترب من تلك التي كانت قائمة قبل اندلاع النزاع.
وقال نائب الرئيس الأمريكي إن حركة الطاقة عبر المضيق كانت قد تراجعت بصورة حادة في بداية الحرب بسبب التهديدات الإيرانية، قبل أن تعود حالياً إلى مستويات «تقريباً» مماثلة لما كانت عليه قبل اندلاع النزاع في فبراير.
لكن فانس ربط إمكانية إجراء مفاوضات مع إيران بوقف الهجمات على السفن التجارية في المضيق، قائلاً إن طهران مطالبة بالتوقف عن استهداف حركة الملاحة قبل الدخول في محادثات.
ويمثل مضيق هرمز ورقة ضغط رئيسية في الصراع، نظراً لأهميته بالنسبة لتدفقات النفط والغاز العالمية، وبالتالي فإن أي اضطراب واسع في حركة الملاحة من شأنه أن ينعكس سريعاً على أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي.
وفي السياق نفسه، قالت واشنطن إنها تحقق في ضربة قالت إيران إنها استهدفت حفل زفاف في جنوب البلاد وأسفرت عن مقتل أربعة أشخاص، فيما شكك فانس في الرواية الإيرانية، منتقداً ما وصفه بعدم موثوقية وسائل الإعلام الرسمية في طهران.
نتنياهو: إسقاط النظام الإيراني قريب
على الجانب الإسرائيلي، يعكس خطاب الحكومة طموحات أكثر اتساعاً من مجرد احتواء القدرات العسكرية الإيرانية.
وقال رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إن إسقاط الجمهورية الإسلامية أصبح «في المتناول»، معتبراً أن النظام الإيراني بات أضعف من أي وقت مضى نتيجة الحرب والضغوط المفروضة عليه.
وأكد نتنياهو أن إسقاط النظام الإيراني يمثل «المهمة المركزية» التي لا تزال أمام إسرائيل، مضيفاً أن تحقيق هذا الهدف بات قريباً وليس مستحيلاً.
وجاءت تصريحاته خلال فعالية بمناسبة رأس السنة العبرية، بحضور وزير الأمن يسرائيل كاتس ورئيس الأركان إيال زامير وأعضاء هيئة الأركان في مقر وزارة الحرب الإسرائيلية في تل أبيب.
كما تحدث نتنياهو عن العمليات الإسرائيلية في جنوب لبنان، مشيراً إلى السيطرة على تلة علي الطاهر، التي وصفها بأنها موقع استراتيجي كان يمثل تهديداً للمستوطنات الشمالية الإسرائيلية.
تل أبيب تستعد لهجوم إيراني محتمل
وفي السياق نفسه، وجه وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس تهديداً مباشراً إلى إيران، متوعداً برد قوي في حال تعرض إسرائيل لهجوم جديد.
وقال كاتس إن إسرائيل ستستهدف، في حال اندلاع مواجهة جديدة، البنى التحتية العسكرية والمدنية في إيران، بما فيها منشآت الطاقة، مستخدماً لغة شديدة التصعيد في وصف الرد الإسرائيلي المحتمل.
وبرر الوزير الإسرائيلي هذا الموقف بوجود مؤشرات، بحسب قوله، على أن الضغوط الاقتصادية المتزايدة والمخاوف من حدوث اضطرابات داخلية أو انهيار النظام قد تدفع طهران إلى اتخاذ خطوات وصفها بـ«المتهورة».
وكان كاتس قد أعلن قبل ذلك أن إسرائيل تستعد لاحتمال شن إيران هجوماً خلال فترة الأعياد اليهودية، مؤكداً أن الأجهزة العسكرية والأمنية تتابع التطورات بصورة مستمرة.
وأشار إلى أن إسرائيل لا تريد أن تتعرض لمفاجأة، وأن الجيش الإسرائيلي، بما في ذلك سلاح الجو، مستعد لشن هجمات على إيران، مؤكداً أن تل أبيب سترد بقوة إذا تعرضت لهجوم.
وبينما تتحدث واشنطن عن إعادة تصنيف العمليات وضبط المصطلحات والسجلات العسكرية، وتعمل في الوقت نفسه على توسيع الضغط الاقتصادي عبر الحلفاء والخصوم، ترفع إسرائيل سقف أهدافها إلى حد الحديث عن إسقاط النظام الإيراني.
وفي المقابل، ترفض الصين الانخراط بصورة واضحة في استراتيجية العقوبات الأمريكية، بينما تظل الملاحة في مضيق هرمز واحدة من أبرز نقاط الضغط في المواجهة.

