دفع احتياج الحكومة للنقد الأجنبي مجلس الوزراء إلى استهداف سندات دولية بقيمة 3 مليارات دولار، ما يعيد تدوير الاقتراض ويرهن الموازنة بفوائد جديدة ومخاطر عملة ثقيلة وممتدة لسنوات مقبلة طويلة.
ويكشف القرار تناقضا بين خطاب خفض دين أجهزة الموازنة بقيمة 6٫5 مليار دولار خلال 3 سنوات، والعودة إلى الأسواق الدولية لاقتراض جديد قد يلتهم جزءا ملموسا من ذلك الانخفاض المعلن.
ديون تسدد بديون
فالحكومة لا تعرض الإصدار باعتباره تمويلا لمشروعات إنتاجية محددة تدر عملة أجنبية، بل تضعه ضمن خطة عامة لتنويع الأدوات، بما يثير سؤالا جوهريا حول وجهة الحصيلة وقدرتها على توليد عائد.
وبحسب بيان مجلس الوزراء، نفذت وزارة المالية خلال العام السابق 4 إصدارات دولية بقيمة 4 مليارات دولار، بآجال تراوحت بين عامين و6 أعوام، ما يضغط جدول الاستحقاقات في مدى زمني قصير.
وبالتالي، فإن إضافة 3 مليارات دولار لا تمثل مجرد تنويع محايد للتمويل، وإنما التزاما جديدا بالفوائد والأقساط، يزاحم الإنفاق العام ويستنزف إيرادات الدولة الدولارية عند حلول موعد السداد المقبل فعليا.
كما أن الاستناد إلى طلب المستثمرين لا يثبت سلامة القرار للاقتصاد، فالمستثمر يطارد العائد المرتفع والضمانات القوية، بينما تتحمل الخزانة والمواطنون كلفة الفائدة وتقلبات الصرف وأعباء إعادة التمويل لاحقا كاملة.
وفي هذا السياق، يرى خبير الموازنات عبد النبي عبد المطلب أن ارتفاع كلفة الاقتراض يحد من توجيه الموارد إلى القطاعات الاجتماعية والخدمية، ويجعل الموازنة العامة رهينة للدين وفوائده المتصاعدة مباشرة.
ومن ثم، فإن إصدار السندات دون إعلان سعر الفائدة المتوقع وجدول السداد والاستخدام التفصيلي للحصيلة يحجب العناصر الحاسمة لتقييم الصفقة، ويحول الحديث عن ثقة المستثمرين إلى دعاية تفتقر للاختبار العام.
فضلا عن ذلك، تتحمل الأجيال المقبلة التزاما لم تشارك في اختياره، بينما تظل الرقابة المجتمعية محدودة على الاقتراض الخارجي، رغم تأثيره المباشر في الضرائب والدعم والأسعار وقدرة الدولة على تمويل الخدمات.
عملة مضغوطة وموازنة مكبلة
غير أن الخطر الأكبر يظهر عند تراجع الجنيه، لأن خدمة السندات مقومة بعملات أجنبية، وكل انخفاض للعملة المحلية يرفع المقابل بالجنيه ويضاعف العبء الذي تتحمله الموازنة دون زيادة مماثلة بالإيرادات.
كذلك، لا تكفي الإشارة إلى انخفاض التأمين ضد مخاطر السداد لإثبات تحسن هيكلي، فهذا المؤشر يتغير مع ظروف الأسواق العالمية وتدفقات الأموال، ولا يقيس وحده قدرة الاقتصاد الإنتاجية على السداد.
وفوق ذلك، قد يؤدي الاعتماد المتكرر على السندات إلى تكريس دائرة اقتراض تستخدم فيها حصيلة إصدار جديد لمواجهة استحقاقات قديمة، بدلا من بناء صادرات مستقرة تقلص فجوة العملة الأجنبية المزمنة.
أما السندات قصيرة ومتوسطة الأجل، فتزيد حساسية الدولة لتوقيتات السوق، إذ قد تضطر إلى إعادة التمويل خلال اضطراب عالمي أو ارتفاع للفائدة، فتقبل شروطا أشد قسوة لتجنب التعثر أو استنزاف الاحتياطيات.
وفي المقابل، يطالب الخبير الاقتصادي هاني توفيق الحكومة منذ سنوات بكشف جداول ومواعيد ومصادر سداد القروض، محذرا من ثقل الفوائد وتكدس الاستحقاقات، وهي أسئلة لا يجيب عنها البيان الحالي تماما.
لذلك، لا ينبغي قراءة طلب المستثمرين باعتباره تصويتا على متانة الاقتصاد، لأن جاذبية السندات قد تعكس علاوة مخاطر سخية وضمانات ائتمانية، لا ثقة طويلة الأجل في الإنتاج الحقيقي والتصدير المستدام.
وبالمثل، فإن سندات الباندا المدعومة بضمانات ائتمانية قد توسع قاعدة التمويل، لكنها لا تلغي الدين، بل تنقل الالتزام إلى عملة وسوق مختلفتين وتضيف ترتيبات قانونية ومالية تحتاج شفافية كاملة مسبقا.
وعليه، يصبح تنويع العملات سلاحا ذا حدين، فقد يخفض الاعتماد على الدولار مؤقتا، لكنه يوسع تعرض الخزانة لتحركات أسعار الصرف المتبادلة، خصوصا عندما لا تقابل الالتزامات إيرادات فعلية بالعملات ذاتها.
شفافية غائبة وإنتاج ضعيف
إلى جانب ذلك، يخلو البيان من تحديد مشروعات بعينها ستتلقى التمويل، ومن تقدير العائد الدولاري المتوقع، بما يمنع مقارنة كلفة السندات بالمنفعة الاقتصادية ويترك الباب مفتوحا لسد فجوات جارية مزمنة.
وبناء على ذلك، فإن معيار نجاح الإصدار ليس جمع 3 مليارات دولار أو زيادة طلب المكتتبين، بل قدرة استخدام الأموال على رفع الإنتاج والصادرات بما يفوق كلفة الفائدة ويحمي موعد السداد.
في الوقت نفسه، يظل الاحتفاء بخفض دين الموازنة ناقصا ما لم تنشر الحكومة إجمالي الدين الخارجي لكل أجهزة الدولة، وتفاصيل الاستحقاقات والضمانات، حتى لا تخفي المؤشرات الجزئية التزامات خارج الحساب المعلن.
ومن ناحية أخرى، يعتبر الخبير الاقتصادي مدحت نافع أن الدين نتيجة لمشكلة أعمق، ويربط العلاج بالشفافية وزيادة الإنتاج والصناعة والتصدير، لا بمجرد تبديل أدوات الاقتراض أو تمديد آجالها دون إصلاح.
لهذا، فإن الإصدار الجديد يعالج نقص التمويل ولا يعالج أسباب النقص، ومنها ضعف الموارد الدولارية واختلال الميزان التجاري، فيبقى الاقتصاد معرضا لصدمة جديدة كلما انحسرت التدفقات العالمية أو ارتفعت الفائدة.
ثم إن خدمة الدين تقتطع موارد كان يمكن توجيهها للصحة والتعليم والحماية الاجتماعية، ومع تضخم الفوائد يصبح المواطن ممولا غير مباشر للصفقة عبر الضرائب والرسوم وخفض الإنفاق وتآكل القوة الشرائية.
وأخيرا، يتطلب تفادي الخطر نشر شروط الإصدار قبل تنفيذه، ووضع سقف معلن للاقتراض، وربط أي دين جديد بمشروع منتج للعملة الأجنبية، وإخضاع الضمانات والمخاطر لرقابة برلمانية ومحاسبية مستقلة ودائمة وفعالة.
وإلا، ستظل سندات بقيمة 3 مليارات دولار حلقة جديدة في إدارة الأزمة بالدين، تؤجل ضغط السيولة إلى موعد لاحق، لكنها تترك الاقتصاد أضعف والموازنة أكثر انكشافا والمواطن أمام أعباء إضافية.

