شهدت هولندا عملية أمنية واسعة على خلفية هجوم مسلح استهدف منزل الهولندي «جان جي جونيور» في أوفرأسلت، بعدما كشفت التحقيقات عن تحركات منظمة لمجموعات إجرامية دولية جرى جمع أفرادها في مستودعات ومخابئ وفنادق، قبل نقلهم إلى موقع العملية.

 

وأسفر الهجوم عن مقتل حارس أمن وإصابة شرطيين بجروح خطيرة، فيما تمكنت السلطات من توقيف 35 مشتبهًا بهم حتى الآن، وسط استمرار التحقيقات لتحديد هوية بقية المشاركين وكشف تفاصيل الشبكة التي تقف وراء العملية.

 

وتشير المعلومات التي أوردتها صحيفة «بارول» الهولندية إلى أن بعض المشاركين في الهجوم لم يكونوا على دراية كاملة بطبيعة المهمة التي جرى إعدادهم لتنفيذها، وأن عددًا منهم أبدى ترددًا بعدما أدرك خطورة العملية وما قد تترتب عليها من عواقب.

 

تجميع مسلحين قبل تنفيذ العملية


تكشف التحقيقات أن تجميع مجموعات إجرامية تضم أفرادًا من دول مختلفة داخل مواقع آمنة، مثل المستودعات والمخابئ والفنادق، يمثل أسلوبًا سبق استخدامه في عمليات إجرامية منظمة داخل هولندا وبلجيكا.

 

وبحسب ما نقلته صحيفة «بارول»، فإن هذه الطريقة تسمح للمجموعات الإجرامية بإخفاء تحركات المشاركين في العمليات، وتجميع العناصر المطلوبة في مكان واحد قبل نقلهم إلى الموقع المستهدف.

 

وسبق أن شهدت هولندا عمليات استخدمت فيها أساليب مشابهة، من بينها عملية سطو على شاحنة لنقل الأموال في شمال أمستردام عام 2021، عندما تجمع عدد كبير من المسلحين، من بينهم بلجيكيون وفرنسيون، داخل مستودعات قبل تنفيذ العملية.

 

وانتهت تلك العملية بمطاردة واسعة وإطلاق نار امتد إلى مناطق في بروك إن ووترلاند، ما أظهر حجم المخاطر المرتبطة باستخدام مجموعات إجرامية دولية لتنفيذ عمليات منظمة.

 

وفي واقعة أخرى تعود إلى عام 2020، وصل رجال من أصول مغربية وفرنسية إلى مخبأ بهدف المشاركة في عملية منظمة لتهريب المجرم الهولندي عمر لخرف من سجن زوتفن.

وتشير هذه الوقائع إلى أن الاستعانة بمجموعات إجرامية عابرة للحدود ليست ظاهرة جديدة، إلا أن التحقيق الحالي يكشف عن مستوى من التنظيم والتنسيق أثار اهتمام أجهزة الأمن الهولندية.

 

مقتل حارس الأمن أشعل الفوضى


بدأت العملية فجر الثلاثاء، عندما تقدمت مجموعة من المسلحين نحو الموقع المستهدف، قبل أن يُقتل حارس الأمن بيري ليندرز، البالغ من العمر 51 عامًا، إثر تعرضه لإطلاق نار.

 

وأدى مقتل حارس الأمن إلى حالة من الارتباك والذعر بين المهاجمين، بحسب مصادر مطلعة، إذ فر عدد منهم في اتجاهات مختلفة، وحاول بعضهم الاختباء أو الابتعاد عبر حقول الذرة والمناطق كثيفة الأشجار المحيطة بالموقع.

 

لكن حالة الفوضى لم تتوقف عند فرار المشاركين، إذ أطلق بعض المسلحين النار على عناصر الشرطة الذين وصلوا إلى المكان بعد الحادث.

 

وأصيب شرطيان بجروح خطيرة جراء إطلاق النار، فيما كانت حالة أحدهما حرجة في بداية الأمر، ما دفع السلطات إلى التعامل مع الواقعة باعتبارها عملية أمنية بالغة الخطورة.

 

وتحول موقع الهجوم في وقت لاحق إلى مسرح لتحقيقات موسعة، مع انتشار قوات الشرطة وتعقب المشتبه بهم الذين فروا من المكان، بالتزامن مع عمليات توقيف طالت عددًا من المشاركين المحتملين.

 

شحنة كوكايين وراء الهجوم


ترجح المعلومات المتاحة أن الدافع الرئيسي وراء الهجوم كان اختفاء كمية ضخمة من الكوكايين، إذ تشير المصادر إلى أن نحو طنين من المخدرات فُقدت، وسط اتهامات وجهت إلى «جان جي جونيور»، البالغ 28 عامًا، وأشخاص من محيطه الإجرامي.

 

وتتداول الأوساط الإجرامية أرقامًا مختلفة حول الكمية المفقودة، إلا أن المعلومات التي ظهرت في التحقيقات تشير إلى أن الشحنات كانت كبيرة، إذ تجاوزت كمية بعض الدفعات 700 كيلوغرام.

 

وبحسب هذه المعطيات، فإن إجمالي الكمية محل النزاع يقترب من ألفي كيلوغرام، وهو ما يفسر، وفق المصادر، لجوء الأطراف المتورطة إلى عملية مسلحة للبحث عن المخدرات ومحاسبة الأشخاص الذين يُعتقد أنهم يقفون وراء اختفائها.

 

فيديو يكشف تهديدات بالقتل


وزادت القضية تعقيدًا بعد انتشار تسجيل مصور يظهر أربعة رجال ملثمين، يحمل ثلاثة منهم أسلحة آلية ثقيلة، فيما ظهر الرجل الرابع وهو يقرأ بيانًا باللغة الإنجليزية من ورقة.

 

وأظهر التسجيل ثلاثة رجال يرتدون أقنعة للوجه ونظارات شمسية، بينما استخدم الرابع غطاءً مختلفًا لإخفاء ملامح وجهه.

 

وظهر بعض المسلحين وهم يحملون أسلحة آلية، بينها رشاشات وبندقية رشاشة قصيرة، في مشهد بدا أنه يهدف إلى توجيه رسالة تهديد مباشرة إلى «جان جي».

 

وخلال التسجيل، اتهم أحد الرجال «جان جي» بسرقة شحنتي كوكايين، مشيرًا إلى أن وزن إحداهما يبلغ 1283 كيلوغرامًا، بينما يصل وزن الثانية إلى 717 كيلوغرامًا.

 

ومنحه المتحدث مهلة 12 ساعة لإعادة المخدرات، قبل أن يوجه تهديدات بالقتل إليه وإلى الأشخاص المحيطين به.

 

ولم تقتصر التهديدات على «جان جي»، إذ شملت أصدقاءه وأفراد عائلته وأشخاصًا آخرين مرتبطين به، كما طالبه بالكشف عن أسماء من ساعدوه في سرقة المخدرات والأشخاص الذين يعملون معه.

 

وانتهى التهديد بعبارة مباشرة مفادها أنهم سيقتلونه إذا لم يستجب لمطالبهم، ما يعكس طبيعة الصراع الإجرامي الذي تقف وراءه مبالغ ضخمة مرتبطة بتجارة المخدرات.

 

صلات بمجرم هارب وشحنة مصادرة


وتشير مصادر مطلعة إلى أن الشحنات المفقودة كانت مملوكة، جزئيًا على الأقل، لمجموعة مرتبطة بالمجرم الهارب جوس لييديكيركرز، المعروف بلقب «بول جوس».

 

ويُعتقد أن «جان جي» عمل مع هذه المجموعة في السابق، الأمر الذي يضيف بعدًا جديدًا للنزاع، ويطرح تساؤلات حول طبيعة العلاقات بين الأطراف المتورطة ومصير الشحنات التي اختفت.

 

كما تربط مصادر عدة بين الهجوم وشحنة أخرى من الكوكايين تزن 812 كيلوغرامًا، صادرتها السلطات في 29 أغسطس عند الحدود الفرنسية الإسبانية.

 

وعُثر على الكمية داخل شاحنة مسجلة في هولندا، بينما تشير المعلومات إلى أن الشحنة كانت في طريقها من إفريقيا مرورًا بالبرتغال وصولًا إلى هولندا.

 

ويجري التحقيق في مدى ارتباط هذه الشحنة بالنزاع الذي سبق الهجوم في أوفرأسلت، وما إذا كانت عملية المصادرة قد لعبت دورًا في تصاعد الخلاف بين الشبكات الإجرامية المعنية.