كشفت حصيلة محاضر سرقة الكهرباء البالغة 11 مليار جنيه خلال السنة المالية 2025-2026 عن اتساع نزيف الشبكات، بعدما قفزت التحصيلات بنحو 50%، بينما بقي الفقد التجاري عند مستويات تقدر بنحو 43 مليار جنيه.
وتضع هذه الأرقام شركات التوزيع أمام مفارقة ثقيلة، إذ نجحت في زيادة الغرامات والتحصيلات، لكنها لم توقف الأسباب التي تنتج الفقد أصلاً، من سرقات مباشرة وتأخر التحصيل والعدادات المغلقة والاختلالات المزمنة في القياس والمتابعة.
نزيف يتجاوز المحاضر
في المقابل، استحوذ القطاع الصناعي على جزء كبير من المحاضر، بقيمة تقارب 5 مليارات جنيه، جرى تحصيل نحو 3.5 مليار منها، وهو ما يوضح أن استهداف الأحمال الكبيرة يحقق عائداً أسرع من مطاردة الاستهلاك المنزلي.
ويعني ذلك أن المشكلة لا تنحصر في سلوك أفراد، بل تمتد إلى منشآت كثيفة الاستهلاك يمكن لأي تلاعب محدود في عداداتها أو وصلاتها أن يحول كميات ضخمة من الطاقة إلى خسائر مالية تتراكم داخل الشركات.
ومن جانبه، قال الدكتور خالد الشافعي، رئيس مركز العاصمة للدراسات الاقتصادية، إن زيادة الحصيلة تعكس تداخلاً بين رفع كفاءة الضبط والضغوط الاقتصادية، معتبراً أن تغليظ الغرامات وتطور الرقابة ساهما في زيادة المبالغ المستردة.
كذلك ربط الشافعي ارتفاع المحاضر بتصاعد تكاليف الكهرباء على الأنشطة المختلفة، موضحاً أن بعض المخالفات قد تكون مدفوعة بمحاولات خفض تكاليف التشغيل، وهو تفسير لا يبرر السرقة لكنه يكشف جانباً من بيئة الأزمة.
وفي السياق ذاته، تقدر قيمة الفقد الفني والتجاري في شبكات التوزيع بنحو 55 مليار جنيه، منها حوالي 43 ملياراً للفقد التجاري، وهو ما يجعل حصيلة المحاضر أقل بكثير من إجمالي الأموال التي تتسرب من المنظومة.
ثم جاءت شركة جنوب القاهرة لتوزيع الكهرباء في صدارة الشركات الأعلى فقداً بنسبة تقارب 27% من الطاقة الموردة إليها، بما يكشف أن الأزمة ليست موزعة بالتساوي، وأن بعض الشبكات تحتاج تدقيقاً مختلفاً في الإدارة والرقابة.
وعلى هذا الأساس، تصبح زيادة أعداد المحاضر مؤشراً ناقصاً إذا لم تتزامن مع خفض فعلي لنسب الفقد، لأن معيار النجاح الحقيقي ليس حجم الغرامات، بل تقليص الطاقة غير المحاسبة ورفع كفاءة التحصيل والقياس.
بيد أن الاعتماد على الحملات وحدها قد يحول مكافحة الفقد إلى دورة تحصيل متكررة، تبدأ بالمخالفة وتنتهي بالغرامة، من دون معالجة الأسباب التي تسمح بالتلاعب أو تبقي مناطق واسعة خارج القياس المنتظم والدقيق.
التقنين يتحول إلى عبء
أما العداد الكودي، الذي أنشئ أساساً لقياس الاستهلاك في العقارات المخالفة وإنهاء نظام الممارسة، فقد تحول في حالات كثيرة إلى مسار مالي وإجرائي معقد، بدلاً من أن يكون مدخلاً سريعاً لحصر الاستهلاك وتقليل السرقات.
ويرى الدكتور محمد سليم، استشاري الطاقة والاستدامة ورئيس قطاع المراقبة المركزية للأداء بكهرباء مصر سابقاً، أن تحميل المواطنين بمقايسات وأعباء معقدة أفرغ العداد الكودي من وظيفته الأصلية وحوله عملياً إلى أداة عقابية.
وإلى جانب ذلك، شدد سليم على أن الأولوية كان ينبغي أن تكون لتركيب العداد أولاً وقياس الاستهلاك وتحصيل قيمة الطاقة، مع فصل مخالفة العقار نفسها عن علاقة المستهلك بالكهرباء وإحالتها إلى الجهات المختصة.
ومن ناحية أخرى، أدى تعقيد إجراءات ما بعد التصالح إلى تعطيل تحويل عدادات كودية إلى عدادات قانونية دائمة، حتى لبعض المواطنين الذين سددوا قيمة التصالح، بما أبقى الملف عالقاً بين جهات متعددة واختصاصات متداخلة.
وبحسب سليم، فإن معالجة هذا التعطيل تستلزم مصفوفة واضحة لتحديد المسؤوليات بين الحي وشركة التوزيع وجهاز المدينة والإدارة الهندسية، إلى جانب جدول زمني ملزم يقلص زمن الدورة ويمنع تبادل المسؤولية بين الجهات.
في غضون ذلك، يربط سليم أزمة العدادات بمشكلة أوسع داخل القطاع، إذ يرى أن إعادة الهيكلة منذ مطلع الألفية بقيت إدارية أكثر منها اقتصادية، بينما لم يكتمل الفصل الفعلي بين المالك والمنظم والمشغل والمستثمر.
ولأن هذا الفصل ظل منقوصاً، استمرت شركات توزيع كثيرة في أدوار تقليدية تركز على قراءة العدادات والتحصيل، بدلاً من التحول إلى مؤسسات أداء تحلل البيانات وتحدد بؤر الفقد وتربط مكافآت الإدارة بنتائج قابلة للقياس.
ومن ثم، تصبح أزمة العداد الكودي جزءاً من خلل مؤسسي أوسع، فكلما تعددت الجهات وتداخلت الاختصاصات، زادت كلفة التقنين على المواطن، وتراجعت قدرة الشركات على تحويل المستهلك غير المنتظم إلى مشترك يدفع استهلاكه بصورة مستقرة.
الرقابة قبل العقوبات
ومع ذلك، يقدم الدكتور حافظ سلماوي، الرئيس الأسبق لجهاز تنظيم مرفق الكهرباء، زاوية مغايرة، إذ يؤكد أن العداد الكودي صمم أصلاً بديلاً لنظام الممارسة التقديري، حتى يسجل الاستهلاك الفعلي دون منح العقار المخالف شرعية قانونية.
وعلى صعيد الفقد، يقدر سلماوي متوسط الخسائر في شبكات التوزيع بنحو 18%، مقابل نحو 3.8% في شبكات النقل، وهي فجوة تضع شركات التوزيع في قلب الأزمة وتجعل تحسين القياس والرقابة أولوية مباشرة.
وفي تقديره، لا تكفي العقوبات المشددة وحدها لمواجهة سرقة الكهرباء، لأن خفض الظاهرة يحتاج إلى إجراءات فنية ترفع احتمال اكتشاف التلاعب، وتغلق مسارات السرقة، وتحسن قدرة الشركات على متابعة الاستهلاك غير الطبيعي.
وبموازاة ذلك، يدعو سلماوي إلى التوسع في العدادات الذكية وتكثيف الرقابة وتطوير وسائل اكتشاف المخالفات، وهي أدوات تنقل المواجهة من ملاحقة السارق بعد الاستهلاك إلى كشف الخلل أثناء حدوثه وتقليل الطاقة غير المحاسبة.
ولهذا، فإن التوسع في العدادات المسبقة والذكية يمكن أن يقلل أخطاء القراءة والتقديرات المتراكمة، لكنه لن يحقق أثره الكامل إذا ظلت إجراءات التوصيل معقدة أو أصبحت كلفة الدخول إلى المنظومة القانونية مرتفعة على المستهلك.
فضلاً عن ذلك، تكشف تجربة العداد الكودي أن الأداة التقنية لا تكون عادلة بذاتها، لأن تصميمها قد يستهدف القياس الدقيق، بينما يمكن لسياسة التسعير أو البيروقراطية المصاحبة أن تحولها إلى عبء يعطل هدف التقنين.
وأخيراً، فإن خفض الفقد يتطلب معياراً أكثر صرامة من قيمة المحاضر، يقوم على مقارنة الطاقة الداخلة إلى كل منطقة بما تم تسجيله وبيعه فعلياً، ثم محاسبة الإدارات على الفروق لا على عدد الحملات المنفذة.
وفي المحصلة، فإن تحصيل 11 مليار جنيه من محاضر السرقة لا يساوي إصلاحاً هيكلياً، ما دام الفقد التجاري يقترب من 43 ملياراً، وما دام العداد الكودي نفسه قد يتحول من أداة تقنين إلى عبء يدفع بعض المواطنين بعيداً عن المنظومة.

