كشفت محاولة 5 زوارق حوثية الاقتراب من الجزر الخاضعة للقوات اليمنية في الساحل الغربي، فجر الخميس، عن انتقال المواجهة من اعتراض شحنات التهريب إلى اختبار مباشر لنقاط السيطرة القريبة من خطوط الملاحة الدولية في البحر الأحمر.
وجاءت المحاولة بعد ساعات من إعلان البحرية اليمنية ضبط سفينة تهريب محملة بمعدات تستخدم في تصنيع الطائرات المسيّرة، قالت إن مصدرها الحرس الثوري الإيراني ووجهتها مناطق الحوثيين، بما يعيد فتح ملف الإمداد العسكري عبر البحر.
شبكات الإمداد تتبدل
في المقابل، قالت القوات اليمنية إن دورياتها اشتبكت مع الزوارق وأجبرتها على التراجع شمالا باتجاه سواحل الحديدة، بالتزامن مع إسقاط طائرة مسيّرة كانت تنفذ استطلاعا مسبقا، وهو ما يشير إلى عملية جرى التحضير لها على مراحل.
وتوضح طبيعة التحرك أن الجزر المقابلة لخطوط الملاحة لم تعد مجرد مواقع عسكرية محلية، بل نقاط مراقبة وتحكم قادرة على التأثير في أمن السفن العابرة، خصوصا مع استمرار الحوثيين في توسيع أدوات الضغط البحري خلال السنوات الأخيرة.
بالتوازي، تكتسب واقعة ضبط معدات الطائرات المسيّرة أهمية تتجاوز حجم الشحنة نفسها، لأن مكونات الاستخدام المزدوج تسمح بتجميع منظومات هجومية داخل اليمن، وتقلل الحاجة إلى نقل أسلحة مكتملة يمكن اكتشافها بسهولة أكبر خلال عمليات التفتيش البحري.
ومن جهتها، ترى إليونورا أرديماني، الباحثة في المعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية، أن الدعم الإيراني حاسم في تزويد الحوثيين بالأسلحة المهربة والخبرة اللازمة للعمل في البحر الأحمر وباب المندب، مع تطور طرق الإمداد وتعدد نقاط العبور.
وإلى جانب ذلك، تشير تحليلات أرديماني إلى أن مكافحة التهريب أصبحت عنصرا أساسيا في الحد من قدرات الحوثيين، بعدما اتجهت شبكات الإمداد إلى استخدام القرن الإفريقي ومسارات بحرية أكثر تعقيدا، ما يفرض تنسيقا أوسع بين الجهات البحرية.
وبحسب المعطيات المنشورة عن الشبكات الحوثية، فإن اعتراض سفينة واحدة لا يعني تعطيل خط الإمداد كاملا، لأن هذه الشبكات تعتمد على نقل المكونات عبر قنوات متفرقة وتغيير نقاط التسليم ومساراتها كلما تعرض أحد الممرات للمراقبة أو الإغلاق.
وفي ضوء ذلك، تبدو محاولة الاقتراب من الجزر بعد عملية الضبط أقرب إلى رسالة ردع واختبار لقدرة القوات الموجودة هناك، لا سيما أن الطائرة المسيّرة الاستطلاعية سبقت حركة الزوارق، ما يكشف ارتباطا بين الرصد والتحرك البحري.
وعند جمع الوقائع خلال الساعات نفسها، يظهر نمط تصعيد مزدوج يقوم على حماية خطوط الإمداد من جهة، والضغط على المواقع المقابلة للحديدة من جهة أخرى، بما يرفع احتمالات الاحتكاك في منطقة شديدة الحساسية للتجارة الدولية.
الجزر تحت الضغط
على الجانب الآخر، فإن إعلان رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي إجراءات لمكافحة التهريب يعكس اعترافا رسميا بأن المشكلة لم تعد مرتبطة بزوارق متفرقة، بل بشبكات تستفيد من منافذ رخوة وتداخل المصالح داخل أجهزة الجمارك والأمن.
كما ترى ندوى الدوسري، الباحثة المشاركة في معهد الشرق الأوسط، أن الحوثيين تطوروا من حركة محلية مسلحة إلى قوة تتجاوز اليمن، مستفيدين من سلاسل إمداد واسعة تتيح الحصول على مكونات السلاح وتجميعها وإعادة توزيعها عبر مسارات متعددة.
ومن ناحية ثانية، ربطت الدوسري بين استمرار شبكات التهريب وقدرة الحوثيين على إعادة التسلح بعد الضربات، معتبرة أن توقف المواجهة لا يعني تراجع الخطر إذا بقيت طرق الإمداد مفتوحة وقادرة على تعويض ما يتم فقدانه.
وبفعل هذا التحول، تصبح المكونات الصغيرة ذات القيمة العسكرية أخطر من بعض الشحنات التقليدية، لأنها تدخل عبر التجارة أو قوارب النقل وتستخدم لاحقا في تصنيع مسيّرات وصواريخ، وهو ما يصعب قياس أثره بمجرد تعداد المضبوطات المعلنة.
ولأن السلطات اليمنية أعلنت نيتها إعداد قائمة موحدة للمواد والمعدات ذات الاستخدام العسكري والمزدوج، فإن نجاح الخطوة سيتوقف على التطبيق في الموانئ والمنافذ البرية، لا على إصدار قوائم قد تظل عاجزة أمام شبكات الرشوة والتهريب.
وفي تقدير فارع المسلمي، الباحث في تشاتام هاوس، فإن تصعيد الحوثيين في البحر الأحمر يضع التجارة والممرات البحرية أمام مرحلة أشد خطورة، وقد يقود إلى اتساع المواجهة إذا لم تتعزز آليات الأمن البحري والتنسيق بين الأطراف القادرة على الرد.
وعلى هذا الأساس، لا يمكن فصل الهجوم الأخير عن الضغوط الأوسع التي تمارسها الجماعة على البحر الأحمر، لأن السيطرة أو التهديد قرب باب المندب يمنحها قدرة على تحويل النزاع اليمني إلى أزمة تمس حركة السفن والطاقة.
وبالتزامن مع ذلك، فإن الجزر القريبة من الممرات الدولية توفر نقاط إنذار ورصد ومواقع أمامية للقوات المناوئة للحوثيين، ولذلك فإن استهدافها أو اختبار دفاعاتها يهدف إلى إضعاف الرقابة على المساحات البحرية المفتوحة أمام عمليات التهريب.
المنافذ أمام الاختبار
ثم إن اتجاه الزوارق نحو مواقع محررة بعد ضبط السفينة يطرح احتمالا بأن الحوثيين يسعون إلى معرفة حدود الرد البحري وسرعة الاستجابة، خصوصا مع ازدياد أهمية القوارب الصغيرة في الاستطلاع والنقل والهجمات السريعة منخفضة الكلفة.
علاوة على ذلك، فإن إعلان إسقاط المسيّرة المصاحبة للهجوم يعزز فرضية التكامل بين الوسائل الجوية والبحرية، وهو أسلوب يتيح جمع معلومات عن الدفاعات وتوقيت الدوريات قبل دفع الزوارق إلى مناطق الاشتباك أو الاقتراب من الجزر.
وعمليا، تضع هذه التطورات إجراءات مكافحة التهريب التي أعلنها العليمي أمام اختبار مبكر، لأن رفع الحصانة عن المتورطين وتدوير المسؤولين لن يحقق أثرا ملموسا ما لم تقترن القرارات بتحقيقات معلنة وملاحقة شبكات التمويل والحماية.
ولذلك، تبدو مسألة الجمارك والمنافذ جزءا مركزيا من المواجهة، إذ إن المعدات الحساسة لا تحتاج دائما إلى سفن عسكرية أو شحنات كبيرة، ويمكن تمريرها ضمن بضائع مدنية إذا غابت الرقابة الفنية وقواعد التصنيف الدقيقة.
ومن ثم، فإن حماية البحر الأحمر لا تتوقف عند اعتراض القوارب بعد خروجها إلى البحر، بل تبدأ من تتبع المشتريات والتحويلات المالية وشركات النقل والوسطاء، ثم ربط البيانات بين الموانئ حتى لا تنتقل الشبكات ببساطة إلى منفذ بديل.
بناء على ذلك، فإن الحزمة التي أعلنها مجلس القيادة ستواجه معيارا واضحا للنجاح يتمثل في انخفاض تدفق المعدات إلى مناطق الحوثيين، لا في عدد الاجتماعات أو القرارات، خصوصا أن شبكات التهريب أثبتت قدرة مستمرة على التكيف.
وفي المحصلة، تكشف واقعتا ضبط السفينة ومحاولة الزوارق خلال ساعات قليلة عن سباق بين أجهزة الاعتراض وشبكات الإمداد، بينما تبقى سواحل الحديدة والجزر المقابلة لها مساحة ضغط يمكن أن تنعكس أي مواجهة فيها على الملاحة الدولية.
وأخيرا، فإن الخطر الأوسع لا يكمن في هجوم واحد جرى إحباطه، بل في استمرار قدرة الحوثيين على الجمع بين التهريب والتصنيع والاستطلاع والهجوم، وهي منظومة تجعل أي ثغرة في المنافذ أو الرقابة البحرية قابلة للتحول إلى تهديد متجدد.

