عاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى إشعال الجدل بشأن مضيق هرمز، أحد أهم الممرات المائية وأكثرها حساسية في العالم، بعدما أعاد نشر خريطة للمضيق عبر حسابه على منصته «تروث سوشيال»، ظهرت عليها عبارة «أرض أمريكية جديدة»، في خطوة أثارت تساؤلات واسعة حول طبيعة الاستراتيجية الأمريكية تجاه إيران ومستقبل حركة الملاحة في الخليج.
وجاء نشر الخريطة للمرة الثانية خلال أقل من أسبوع، في وقت تتصاعد فيه المواجهة بين واشنطن وطهران، وتتزايد الضغوط الأمريكية على إيران من خلال الحصار البحري والعقوبات والإجراءات التي تستهدف حركة تصدير النفط، بينما تؤكد طهران أن مضيق هرمز مغلق، وترفض فتحه قبل تغيير الولايات المتحدة سلوكها والوفاء بالتزاماتها.
«أرض أمريكية جديدة».. رسالة تتجاوز الخريطة
الخريطة التي أعاد ترامب نشرها تُظهر الموقع الجغرافي لمضيق هرمز، الواقع بين إيران وسلطنة عُمان عند المدخل الجنوبي للخليج، مع تحديد موقع الممر المائي بدائرة، وكتابة عبارة «أرض أمريكية جديدة» في الجزء العلوي منها.
ولم تكن هذه المرة الأولى التي يستخدم فيها ترامب العبارة المثيرة للجدل، إذ نشر الخريطة نفسها الثلاثاء الماضي، بعد يوم واحد من حديثه عن فكرة إعلان مضيق هرمز «أرضًا أمريكية»، واصفًا الفكرة بأنها «رائعة».
وفي تصريحاته السابقة، أوضح ترامب أن المقصود من حديثه هو سيطرة الولايات المتحدة على المضيق، قائلًا إن واشنطن تسيطر عليه «من خلال الحصار»، في إشارة إلى الإجراءات البحرية التي اتخذتها القوات الأمريكية ضد حركة الملاحة المرتبطة بالموانئ الإيرانية.
ويأتي ذلك في وقت يؤكد فيه ترامب عدم وجود مسار تفاوضي قائم مع طهران، إذ قال في وقت سابق إنه لا توجد محادثات أو اتصالات جارية بين الطرفين، ولا توجد لقاءات مقررة بين المسؤولين الأمريكيين والإيرانيين.
الحصار البحري يتحول إلى أداة ضغط رئيسية
تزامن التصعيد السياسي والإعلامي حول مضيق هرمز مع استمرار الإجراءات البحرية الأمريكية ضد إيران.
وقالت القيادة المركزية الأمريكية إن قواتها غيّرت، حتى 21 أغسطس، مسار 68 سفينة في إطار ما تصفه بعمليات الحصار المفروضة على السواحل الإيرانية، إضافة إلى إيقاف ثلاث سفن واعتلاء سفينتين، بدعم من أكثر من 20 سفينة حربية أمريكية.
وفي الوقت نفسه، أكدت القيادة المركزية الأمريكية أن الطريق الجنوبي عبر مضيق هرمز لا يزال مفتوحًا أمام السفن التجارية، مشيرة إلى أن القوات الأمريكية ساعدت أكثر من ألف سفينة على عبور المضيق خلال الأشهر الثلاثة الماضية.
لكن الأرقام المرتبطة بحركة ناقلات النفط تعكس صورة أكثر تعقيدًا، إذ تراجعت تدفقات النفط عبر الممر بصورة حادة، في ظل استمرار التوترات العسكرية والاقتصادية.
وبحسب المعطيات الواردة، لم تعبر المضيق يوم الخميس الماضي سوى أربع سفن شحن، بينما قال وزير الطاقة الأمريكي إن متوسط تدفقات النفط انخفض إلى نحو 8 ملايين برميل يوميًا، مقارنة بأكثر من 20 مليون برميل يوميًا قبل الحرب.
ويكشف هذا التراجع عن التأثير المباشر للمواجهة على أحد أهم شرايين الطاقة العالمية، إذ إن أي اضطراب طويل الأمد في حركة الملاحة عبر هرمز لا ينعكس على إيران وحدها، وإنما يمتد تأثيره إلى أسواق النفط وحركة التجارة وأسعار الطاقة في مختلف أنحاء العالم.
من القصف الجوي إلى الحصار الاقتصادي
لم يظهر خيار الحصار البحري الأمريكي بصورة مفاجئة، بل جاء، وفق المعطيات الواردة، نتيجة نقاشات امتدت لأسابيع داخل دوائر صنع القرار الأمريكية.
ففي 9 أبريل 2026، نشر الجنرال الأمريكي المتقاعد جاك كين، نائب رئيس أركان الجيش الأمريكي الأسبق، مقالًا تناول فيه الخيارات المتاحة أمام إدارة ترامب في مواجهة إيران، محذرًا من إمكانية إطالة طهران أمد المفاوضات.
وطرح كين عدة خيارات للتعامل مع القدرات الاقتصادية الإيرانية، من بينها السيطرة على جزيرة خرج النفطية أو تدميرها أو فرض حصار بحري يؤدي إلى إغلاق شريان تصدير النفط الإيراني.
وتكمن أهمية جزيرة خرج في موقعها ضمن منظومة تصدير النفط الإيرانية، إذ تمر عبرها نسبة كبيرة من الصادرات النفطية الإيرانية.
ووفق الطرح الذي قدمه كين، فإن الحصار البحري يمكن أن يمثل أداة ضغط قوية على طهران دون الحاجة إلى خوض عملية عسكرية برية واسعة، من خلال استهداف قدرتها على تصدير النفط وتوفير الموارد اللازمة لتمويل اقتصادها.
وبعد أيام، تناولت تقارير أمريكية أخرى فكرة الحصار البحري باعتبارها ورقة ضغط يمكن أن تستخدمها إدارة ترامب لإجبار إيران على تقديم تنازلات.
ولم يتوقف الأمر عند حدود الطرح الإعلامي، إذ أعاد ترامب نشر أحد هذه الطروحات عبر منصته في 12 أبريل، وهو ما اعتُبر إشارة إلى انتقال فكرة الحصار من النقاش النظري إلى مستوى الخيارات السياسية المطروحة أمام الإدارة الأمريكية.
خطط الاستيلاء على جزيرة خرج
كانت فكرة الضغط على صادرات النفط الإيرانية حاضرة أيضًا في نقاشات داخل البيت الأبيض ووزارة الدفاع الأمريكية.
ووفق المعلومات الواردة، كشف تقرير نشره موقع «أكسيوس» في مارس الماضي عن مناقشة خيار الاستيلاء على جزيرة خرج، سواء من خلال عملية عسكرية مباشرة أو عبر فرض حصار بحري يمنع الناقلات من الوصول إليها.
وتضمنت المناقشات، بحسب التقرير، البحث في الجوانب القانونية لأي عملية محتملة، بالتزامن مع تحركات عسكرية أمريكية وتعزيزات للقوات الموجودة في المنطقة.
ورغم عدم تحول خيار السيطرة المباشرة على الجزيرة إلى عملية عسكرية معلنة، فإنه ظل حاضرًا باعتباره أحد الخيارات القصوى التي يمكن اللجوء إليها في حال فشل المسار السياسي.
كما واصل ترامب التلويح بإمكانية استهداف منشآت حيوية في إيران إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق يؤدي إلى إعادة فتح المضيق أمام حركة الملاحة.
وهكذا بدأت الاستراتيجية الأمريكية تتخذ شكلًا متدرجًا: ضغط عسكري، ثم حصار بحري، ثم تهديد بضرب البنية التحتية الاقتصادية، بما يجعل مضيق هرمز نقطة ارتكاز أساسية في الصراع بين واشنطن وطهران.
«جدار من الفولاذ».. استراتيجية طويلة الأمد
مع مرور الوقت، لم يعد الحصار بالنسبة إلى إدارة ترامب مجرد إجراء مؤقت للضغط على إيران، وإنما تحول إلى عنصر أساسي في الاستراتيجية الأمريكية.
وفي منتصف أغسطس، وصف ترامب الحصار بأنه «جدار من الفولاذ»، في إشارة إلى رغبته في إبقاء الضغط الاقتصادي والبحري قائمًا إلى أن تقدم طهران تنازلات.
وتقوم الاستراتيجية على محاولة تقليص قدرة إيران على تصدير النفط، وبالتالي تقليص مواردها المالية، مع تجنب خوض حرب برية شاملة قد تكون أكثر تكلفة بالنسبة إلى الولايات المتحدة.
لكن هذه الاستراتيجية تحمل في المقابل مخاطر كبيرة، لأن الضغط على حركة الملاحة في مضيق هرمز لا يقتصر تأثيره على الطرفين المتحاربين، بل يمكن أن يطال دول الخليج وأسواق الطاقة والاقتصاد العالمي بأكمله.
طهران: المضيق مغلق ولن يُفتح بالشروط الأمريكية
في المقابل، تتمسك إيران بموقف مختلف جذريًا.
وقال أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي إن مضيق هرمز «مغلق» رغم الادعاءات الأمريكية بشأن استمرار حركة الملاحة، مؤكدًا أن المضيق لن يُفتح قبل أن تغير واشنطن سلوكها وتلتزم بتعهداتها.
ويرى رضائي أن إيران، بحكم امتلاكها جزءًا كبيرًا من السواحل المطلة على الخليج، تعتبر نفسها الطرف صاحب الدور الأساسي في إدارة أمن المضيق.
كما تحدث عن تفاهم مع سلطنة عُمان بشأن إيجاد مسار وسطي لحركة الملاحة، لكنه أشار إلى أن أي ترتيبات من هذا النوع ستظل معلقة ما لم تلتزم الولايات المتحدة بالتعهدات التي قطعتها سابقًا.
ويعكس هذا الموقف عمق الخلاف بين الطرفين؛ فبينما تقول واشنطن إن المضيق مفتوح وإن عملياتها تستهدف حركة الملاحة المرتبطة بإيران، تؤكد طهران أن استمرار الإجراءات الأمريكية يعني استمرار حالة الحرب.
رضائي يلوّح بتغيير الحسابات النووية
لم تقتصر تصريحات المسؤول الإيراني على ملف الملاحة والنفط، بل امتدت إلى الملف النووي، في إشارة إلى تداعيات أوسع للصراع.
وقال رضائي إن ما وصفه بالعدوان الأمريكي على إيران دفع العالم نحو التفكير في امتلاك السلاح النووي، معتبرًا أن الضمانات الدولية والانضمام إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية لم تعد، من وجهة نظره، كافية لمنع تعرض الدول للهجوم.
وتحمل هذه التصريحات دلالة سياسية شديدة الحساسية، إذ تأتي في وقت يُنظر فيه إلى البرنامج النووي الإيراني باعتباره أحد أبرز ملفات الخلاف بين طهران وواشنطن.
ورأى رضائي أن السياسة الأمريكية أدت إلى زيادة الشعور بانعدام الأمن النووي، بدلًا من تعزيز نظام منع الانتشار.
كما اعتبر أن الضغوط العسكرية والعقوبات والحصار يمكن أن تدفع دولًا أخرى إلى إعادة النظر في حساباتها الأمنية والنووية.
تهديد دول المنطقة.. «لن تمر قطرة نفط»
وفي أخطر أجزاء تصريحاته، حذر رضائي دول المنطقة من المشاركة في الحصار الاقتصادي الأمريكي المفروض على إيران.
وقال إن طهران ستتفاوض أولًا مع الدول المحيطة بها لإقناعها بعدم مساعدة واشنطن، لكنه هدد باستهداف الدول التي تواصل المشاركة في الإجراءات ضد إيران.
وأكد أن إيران لن تسمح، في حال استمرار الحرب الاقتصادية، بخروج النفط من المنطقة، سواء عبر مضيق هرمز أو عبر طرق أخرى.
كما تحدث عن إمكانية استهداف المصالح والشركات النفطية والاقتصادية الأمريكية في المنطقة إذا تصاعدت الحرب الاقتصادية.
ويمثل هذا التهديد تحولًا مهمًا في الخطاب الإيراني، لأنه يوسع دائرة الصراع المحتمل من الأراضي الإيرانية والقواعد العسكرية الأمريكية إلى المنشآت الاقتصادية والطاقة في المنطقة.
صادرات النفط الإيرانية في مواجهة الحصار
وفي محاولة لإظهار قدرة طهران على الصمود، قال رضائي إن إيران صدرت خلال الشهرين الماضيين نحو 70 مليون برميل من النفط، معتبرًا أن الإجراءات الأمريكية لن تكون كافية لإجبار بلاده على الاستسلام.
وأكد أن إيران تعلمت خلال السنوات الماضية كيفية الالتفاف على العقوبات والحفاظ على صادراتها النفطية، في إشارة إلى الخبرة التي اكتسبتها طهران في التعامل مع العقوبات الغربية.
لكن استمرار الحصار البحري يضع هذه القدرة أمام اختبار جديد، خصوصًا إذا توسعت الإجراءات الأمريكية لتشمل المزيد من السفن والشركات والدول التي تتعامل مع النفط الإيراني.
إيران تعيد صياغة استراتيجيتها
أكد رضائي أن إيران تعمل على إدخال تغييرات في إدارة الحرب والدبلوماسية والقضايا السياسية والاقتصادية، معتبرًا أن البلاد خرجت من المواجهة الأخيرة بصورة مختلفة.
وقال إن «إيران اليوم ليست إيران ما قبل الحرب»، وإن الولايات المتحدة أيضًا لم تعد، في نظره، بالقوة والصورة نفسها التي كانت عليها قبل المواجهة.
وأشار إلى ضرورة إجراء إصلاحات في السياسة الدبلوماسية الإيرانية، خاصة بعد جولات تفاوض سابقة مع الولايات المتحدة، قال إن واشنطن لم تلتزم خلالها بتعهداتها.
ويعكس هذا الطرح رغبة إيرانية في مراجعة أدوات التفاوض والعلاقات الخارجية، بالتوازي مع تعزيز الجبهة الاقتصادية والعسكرية.
«وثيقة للأمن الاقتصادي»
وفي مواجهة الحصار، أعلن رضائي أن أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي تعمل على إعداد وثيقة للأمن الاقتصادي، تهدف إلى مساعدة الشركات والقطاع الخاص على مواصلة نشاطها في ظل العقوبات والضغوط الخارجية.
وتأتي هذه الخطوة ضمن محاولة لتحويل الاقتصاد الإيراني إلى منظومة أكثر قدرة على التعامل مع العقوبات والحصار، عبر تقليل الاعتماد على القنوات التجارية التي يمكن للولايات المتحدة التأثير فيها.
ويبدو أن طهران تنظر إلى المرحلة الحالية باعتبارها مواجهة طويلة الأمد، وليست مجرد أزمة مؤقتة يمكن تجاوزها من خلال اتفاق سريع.
تقديرات بتراجع واشنطن عن الخيار العسكري
يرى رضائي أن الولايات المتحدة لجأت إلى الحصار الاقتصادي بعدما شعرت، بحسب تقييمه، بعدم تحقيق النتائج التي كانت تسعى إليها من العمليات العسكرية.
وقال إن واشنطن تحاول استخدام الحصار باعتباره وسيلة لاستكمال الضغط العسكري بصورة غير مباشرة، تمهيدًا للحصول على تنازلات من طهران.
كما انتقد الرهان على إمكانية إسقاط النظام الإيراني أو دعم المعارضة، معتبرًا أن التجارب الإقليمية الأخيرة لا تدعم هذا الرهان.
وفي المقابل، شدد على تماسك الجبهة الداخلية الإيرانية، مؤكدًا أن الحكومة والشعب يقفان خلف القوات المسلحة.
محمد مرندي: المشاركة في الحصار تعني دخول الحرب
وبالتوازي مع تصريحات رضائي، حذر الخبير في الشؤون الاستراتيجية محمد مرندي من تداعيات مشاركة دول المنطقة في الإجراءات الأمريكية ضد إيران.
وقال إن أي نظام في المنطقة يساعد الولايات المتحدة في الحرب الاقتصادية ضد طهران سيكون معرضًا للعقاب.
وذهب مرندي إلى حد التحذير من أن منع إيران من تصدير نفطها قد يدفعها إلى اتخاذ إجراءات تؤثر في صادرات النفط للدول الأخرى في المنطقة.
كما حذر دولًا بينها السعودية والإمارات من مساعدة واشنطن في فرض الحصار، مؤكدًا أن طهران، وفق تصريحاته، جادة في الرد على أي دولة تشارك في الإجراءات الأمريكية.

