أثار قرار وزارة الدفاع الأمريكية «البنتاجون» إقالة ثلاثة من أبرز المسؤولين في صحيفة «ستارز آند سترايبس» العسكرية جدلًا واسعًا داخل الأوساط الإعلامية والسياسية الأمريكية، بعدما شملت قرارات إنهاء الخدمة رئيس التحرير والناشر ومراسلة الصحيفة المتخصصة في شؤون الشرق الأوسط.

 

وجاءت الإقالات في وقت تتزايد فيه حساسية التغطية الإعلامية للعمليات العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط، بالتزامن مع استمرار الحرب مع إيران وما تفرضه من ضغوط على القوات الأمريكية وعائلات أفراد الخدمة المنتشرين في المنطقة، الأمر الذي منح القرار أبعادًا تتجاوز التغييرات الإدارية داخل مؤسسة إعلامية مرتبطة بوزارة الدفاع.

 

وتعد «ستارز آند سترايبس» من أقدم المؤسسات الصحفية التي تغطي أخبار القوات المسلحة الأمريكية، إذ ارتبط اسمها تاريخيًا بتقديم الأخبار والمعلومات لأفراد الجيش الأمريكي في مناطق الانتشار المختلفة. ورغم حصولها على تمويل حكومي، حافظت الصحيفة على مساحة من الاستقلال التحريري، وهو ما جعل أي خلاف بينها وبين قيادة البنتاجون يتحول سريعًا إلى نقاش حول طبيعة العلاقة بين الإعلام والمؤسسة العسكرية.

 

إقالة رئيس التحرير والناشر ومراسلة الشرق الأوسط


وأبلغت وزارة الدفاع الأمريكية إريك سلافين، رئيس تحرير «ستارز آند سترايبس»، بقرار إنهاء خدمته، إلى جانب ماكس ليدرر، ناشر الصحيفة، ولارا كورت، مراسلة شؤون الشرق الأوسط.

 

وتأتي إقالة سلافين وكورت بعد مشاركتهما في مقابلات إعلامية تناولت مستقبل الصحيفة والخلافات مع وزارة الدفاع، فيما ارتبط قرار إقالة الناشر ليدرر بخلافات إدارية ومهنية مع قيادة البنتاجون بشأن التوجه المستقبلي للمؤسسة والقرارات المتعلقة بفريقها الصحفي.

 

وكان ليدرر قد أعلن في وقت سابق عزمه التقاعد، إلا أن قرار إنهاء خدمته جاء قبل الموعد الذي كان مقررًا لمغادرته منصبه، ما أضاف إلى الجدل المحيط بالخطوة الأخيرة.

 

وتشير التقارير الأمريكية إلى أن الخلافات بين قيادة الصحيفة والبنتاجون لم تبدأ مع قرارات الإقالة الأخيرة، وإنما جاءت بعد سلسلة من الإجراءات التي اتخذتها وزارة الدفاع خلال الأشهر الماضية، واعتبرها منتقدون تدخلًا متزايدًا في المحتوى التحريري للصحيفة.

 

رئيس التحرير: الرقابة على أخبار العسكريين «خط أحمر»


وقال إريك سلافين إن قرار إقالته استند، بحسب إخطار إنهاء الخدمة الذي تلقاه، إلى اتهامات تتعلق بـ«عدم الامتثال» وظهوره الإعلامي من دون الحصول على الموافقات المطلوبة.

 

وأوضح أن السبب المباشر وراء الإجراء كان تصريحات أدلى بها خلال مقابلة إعلامية، أكد فيها أن فرض الرقابة على الأخبار الموجهة إلى أفراد القوات المسلحة يمثل بالنسبة إليه «خطًا أحمر».

 

ويرى سلافين أن دور «ستارز آند سترايبس» يتمثل في تقديم المعلومات إلى أفراد الخدمة العسكرية وعائلاتهم بصورة مستقلة، وليس العمل كذراع إعلامية لوزارة الدفاع أو كمنصة لنقل وجهة نظر القيادة العسكرية فقط.

 

وتحولت تصريحات رئيس التحرير إلى محور أساسي في الجدل الدائر، خصوصًا أنها جاءت في وقت كانت فيه الوزارة تعمل على إعادة تعريف مهمة الصحيفة وتحديد طبيعة الموضوعات التي ينبغي أن تركز عليها.

 

مراسلة الشرق الأوسط ترد على قرار الإقالة


بدورها، أكدت لارا كورت إقالتها من الصحيفة، وربطت القرار بتصريحات أدلت بها خلال مقابلة مع شبكة «سي بي إس» حول طبيعة عملها الصحفي.

 

وقالت كورت إن عملها كان لصالح «ستارز آند سترايبس»، وليس لصالح البنتاجون أو أي إدارة سياسية أو صانع قرار، معتبرة أن هذه النقطة تمثل جوهر الخلاف بشأن استقلالية الصحيفة.

 

وتكتسب إقالة كورت أهمية خاصة بسبب طبيعة عملها كمراسلة متخصصة في شؤون الشرق الأوسط، في وقت تشهد فيه المنطقة تصعيدًا عسكريًا واسعًا وتشارك القوات الأمريكية في عمليات وانتشار عسكريين بالمنطقة.

 

وكانت كورت قد شاركت في تغطية ملفات مرتبطة بالوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط، بما في ذلك أوضاع القوات وعائلات العسكريين خلال التطورات الأخيرة، وهو ما جعل عملها الصحفي في قلب النقاش حول طبيعة التغطية التي تريدها وزارة الدفاع.

 

تقرير حاملة «أبراهام لينكولن» يشعل الخلاف


وجاءت الإقالات بعد فترة قصيرة من نشر «ستارز آند سترايبس» تقريرًا تناول الظروف الصعبة التي واجهها أفراد طاقم حاملة الطائرات الأمريكية «يو إس إس أبراهام لينكولن»، بعدما امتد انتشار الحاملة في المنطقة لنحو تسعة أشهر.

 

وتناول التقرير الضغوط التي تعرض لها أفراد البحرية نتيجة تمديد فترة الانتشار، وما ترتب على ذلك من أعباء شخصية ومهنية على العسكريين وعائلاتهم.

 

وأثار التقرير اهتمامًا واسعًا، لأنه لم يركز فقط على العمليات العسكرية والقدرات القتالية، وإنما سلط الضوء على التأثيرات الإنسانية والمهنية للحرب على أفراد القوات المسلحة.

 

صدام متصاعد بين البنتاجون والصحيفة


وتأتي القرارات الأخيرة في سياق خلاف أوسع بين وزارة الدفاع و«ستارز آند سترايبس» بشأن الدور الذي ينبغي أن تؤديه الصحيفة.

 

ففي الأشهر الماضية، اتخذ البنتاجون عددًا من الإجراءات التي أثارت انتقادات من جانب العاملين في الصحيفة ومؤسسات إعلامية أخرى، خصوصًا فيما يتعلق بالمحتوى الذي يمكن نشره وطبيعة الموضوعات التي ينبغي أن تحظى بالأولوية.

 

وفي مارس الماضي، أصدرت وزارة الدفاع مذكرة تضمنت قيودًا على بعض أشكال المحتوى الذي تنشره الصحيفة، من بينها حظر نشر الرسوم الكاريكاتورية وإعادة نشر مقالات لوكالة «أسوشيتد برس».

 

كما تضمنت التوجيهات إشارة إلى ضرورة توافق المحتوى الإخباري للصحيفة مع متطلبات النظام والانضباط العسكريين، وهي صياغة أثارت مخاوف لدى منتقدين رأوا فيها توسعًا في استخدام الاعتبارات العسكرية للتأثير في العمل الصحفي.

 

وبالنسبة إلى هؤلاء المنتقدين، فإن طبيعة الصحيفة تجعل استقلالها التحريري أكثر أهمية، لأنها تقدم أخبارًا ومعلومات مباشرة إلى أفراد القوات المسلحة الذين يعتمدون عليها في متابعة عدد من القضايا المتعلقة بالخدمة والانتشار العسكري.

 

إقالة مسؤولة الرقابة التحريرية


ولم تكن قرارات الإقالة الأخيرة هي المرة الأولى التي يدخل فيها البنتاجون في مواجهة مع أحد مسؤولي «ستارز آند سترايبس».

 

ففي أبريل الماضي، أُقيلت جاكلين سميث، المسؤولة عن الرقابة التحريرية الداخلية في الصحيفة، بعد انتقادات وجهتها إلى تدخل الوزارة في الشؤون التحريرية.

 

وأدى ذلك القرار إلى زيادة المخاوف داخل المؤسسة من أن الخلاف بين الطرفين لم يعد مجرد اختلاف إداري حول آليات العمل، وإنما تحول إلى صراع أوسع بشأن حدود سلطة الوزارة على المحتوى الصحفي.

 

ومع تكرار الإجراءات ضد مسؤولين وصحفيين في المؤسسة، أصبح مستقبل العلاقة بين البنتاجون والصحيفة محل متابعة واسعة في الأوساط الإعلامية الأمريكية.

 

البنتاجون: الصحيفة بحاجة إلى إعادة توجيه


في المقابل، تقدم وزارة الدفاع الأمريكية رواية مختلفة عن أسباب الإجراءات التي اتخذتها.

 

وترى الوزارة أن «ستارز آند سترايبس» بحاجة إلى إعادة التركيز على مهمتها الأساسية، والمتمثلة في تغطية الشؤون العسكرية والتدريبات والعمليات وأنظمة الأسلحة والقضايا المرتبطة مباشرة بأفراد القوات المسلحة.

 

وقال المتحدث باسم البنتاجون، شون بارنيل، إن الوزارة تريد إعادة الصحيفة إلى ما وصفه بمهمتها الأساسية، والابتعاد عن الموضوعات التي تعتبرها القيادة العسكرية «مشتتة» عن الغرض الرئيسي للمؤسسة.

 

وتؤكد هذه الرؤية وجود اختلاف جوهري بين الطرفين بشأن مفهوم الصحافة العسكرية نفسها؛ ففي حين ترى الوزارة أن الصحيفة ينبغي أن تركز بصورة أكبر على الملفات العسكرية المباشرة، ترى إدارة الصحيفة أن تغطية حياة العسكريين ومشكلاتهم وعائلاتهم جزء أساسي من مهمتها.

 

الحرب مع إيران تزيد حساسية الملف الإعلامي


وتأتي الأزمة في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة إلى المؤسسة العسكرية الأمريكية، في ظل استمرار الحرب مع إيران وتصاعد العمليات العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط.

 

وقد أدى انتشار القوات الأمريكية في المنطقة إلى زيادة الطلب على المعلومات المتعلقة بأوضاع الجنود والبحارة وعائلاتهم، بالتزامن مع ارتفاع المخاطر المرتبطة بالوجود العسكري الأمريكي في عدد من المواقع.

 

وفي هذا السياق، أصبحت التغطية الصحفية لأوضاع القوات الأمريكية أكثر حساسية من المعتاد، خصوصًا عندما تتناول التقارير الإرهاق الناتج عن تمديد الانتشار، أو ظروف الخدمة، أو تأثير العمليات العسكرية على الأسر.

 

حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» في قلب الجدل


وكانت حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» محورًا رئيسيًا في أحد التقارير التي سبقت الإقالات.

 

وكانت الحاملة قد أُرسلت إلى الشرق الأوسط قبل اندلاع الحرب مع إيران، قبل أن يستمر انتشارها لفترة أطول مما كان متوقعًا.

 

وتطرقت التغطية إلى الآثار التي خلفتها فترة الانتشار الممتدة على أفراد الطاقم، وما صاحبها من إرهاق وضغوط مرتبطة بالبقاء بعيدًا عن الأسر لفترات طويلة.

 

كما تزامنت التطورات مع إعلان القيادة المركزية الأمريكية عن استبدال الحاملة «أبراهام لينكولن» بحاملة الطائرات «جورج واشنطن»، في إطار إعادة ترتيب الانتشار البحري الأمريكي في المنطقة.

 

مقابلة «سي بي إس» تتحول إلى نقطة صدام


كانت مقابلة سلافين وكورت مع شبكة «سي بي إس» إحدى المحطات الرئيسية في الخلاف الأخير.

 

وخلال المقابلة، تحدث المسؤولان عن المخاوف المتعلقة بمستقبل الصحيفة والتغييرات التي كانت وزارة الدفاع تسعى إلى إدخالها عليها.

 

كما تطرقت المراسلة إلى طبيعة عمل الصحفيين داخل «ستارز آند سترايبس»، مؤكدة أن ولاءهم المهني للصحيفة لا يعني خضوعهم المباشر للبنتاجون أو لسياسات أي إدارة سياسية.

 

وبعد بث المقابلة، أصبحت التصريحات محل اهتمام داخل وزارة الدفاع، قبل أن تظهر لاحقًا في إخطار إقالة سلافين وكورت، وفق روايتهما.

 

ويؤكد ذلك أن الخلاف لم يعد محصورًا في الصفحات المنشورة، وإنما امتد إلى تصريحات الصحفيين خارج الصحيفة وطريقة حديثهم عن العلاقة مع المؤسسة العسكرية.

 

فيما استخدمت وزارة الدفاع، بحسب المسؤولين المقالين، توصيفات تتعلق بـ«التمرد» و«عدم الامتثال» في إجراءاتها ضد بعض القيادات الصحفية.

 

وبحسب التقارير المتداولة، مُنح المسؤولون الثلاثة مهلة محددة لتقديم طعون قانونية على قرارات إنهاء خدمتهم.