تحتفي الحكومة المصرية في النسخة السابعة من مؤتمر المصريين بالخارج، المنعقدة في القاهرة يوم 2 أغسطس 2026، بما تصفه بالشراكة الوطنية مع ملايين المصريين المقيمين خارج البلاد، وتَعِد بتطوير الخدمات القنصلية وربط المغتربين بالاقتصاد والاستثمار، بينما تغيب عن المنصة الرسمية شريحة من الصحفيين والنشطاء والمعارضين الذين تقول تقارير حقوقية إنهم حُرموا من جوازات السفر والوثائق المدنية أو تعرضت أسرهم في الداخل للضغط بسبب نشاطهم ومواقفهم.

 

تكشف هذه المفارقة عن جوهر العلاقة التي تريدها السلطة مع المصري في الخارج، مواطن مطلوب حين يحول الدولارات أو يشتري العقارات والشهادات ويشارك في المبادرات الحكومية، لكنه قد يتحول إلى شخص غير مرغوب فيه حين يستخدم وجوده خارج البلاد لانتقاد النظام أو توثيق الانتهاكات أو دعم منافس انتخابي، وكأن حقه في الجنسية والوثائق الرسمية والخدمة القنصلية امتياز تمنحه الدولة مقابل الصمت، وليس حقا أصيلا لا يسقط بالاختلاف معها.

 

 

مواطنة مشروطة بالصمت

 

جاء المؤتمر الرسمي تحت شعار «مهما اتغربنا مصر تقربنا»، وافتتحه وزير الخارجية بدر عبد العاطي، فيما وجه رئيس الوزراء مصطفى مدبولي كلمة مسجلة إلى المشاركين، مؤكدا أن المصريين في الخارج شركاء في إنجازات الدولة، وأن الحكومة تعمل على توسيع الخدمات والمبادرات المخصصة لهم. غير أن هذا الخطاب الجامع لا يتوقف أمام السؤال الأكثر إحراجا، وهو من تشملهم عبارة المصريين في الخارج، ومن يستبعدون فعليا من حق القرب الذي يعد به الشعار.

 

وثقت منظمة هيومن رايتس ووتش في تقرير نشرته عام 2023 رفض السلطات المصرية، بصورة وصفتها بالمنهجية، إصدار أو تجديد وثائق الهوية لعشرات المعارضين والصحفيين والمحامين والمدافعين عن حقوق الإنسان المقيمين خارج البلاد، وشملت الحالات جوازات السفر وشهادات الميلاد ووثائق أساسية يحتاجها المواطن للعمل والإقامة والسفر وتسجيل أطفاله وإتمام معاملاته القانونية. وقالت المنظمة إن هذا الحرمان بدا وسيلة للضغط على المنتقدين ودفع بعضهم إلى العودة إلى مصر رغم مخاطر الملاحقة.

 

ولا يمثل منع جواز السفر إجراء إداريا محدود الأثر، بل قد يحول حياة صاحبه إلى إقامة معلقة، فيصبح عاجزا عن تجديد وضعه القانوني أو الانتقال بين الدول أو توقيع عقود العمل والدراسة، وقد يجد أبناءه غير قادرين على استكمال أوراقهم المدنية. وهكذا تستخدم وثيقة يفترض أن تثبت صلة الدولة بمواطنها أداة لإضعافه، وتنتقل العقوبة من الناشط إلى زوجته وأطفاله وأسرته من دون حكم قضائي يحدد المسؤولية أو يتيح دفاعا حقيقيا.

 

وتؤكد تقارير مصرية حقوقية أحدث أن القمع العابر للحدود لا يقتصر على الوثائق، بل يشمل المراقبة والتهديد الرقمي والضغط على الأقارب في مصر والاستدعاءات الأمنية والتشهير ومحاولات عزل الناشطين داخل مجتمعات المنفى. وفي فبراير 2026 أطلق المنتدى المصري لحقوق الإنسان تقريره السنوي الثاني عن استهداف المصريين في الخارج، معتبرا أن هذه الممارسات تحولت إلى نمط متكرر يتجاوز الحدود الوطنية ويهدف إلى إغلاق المجال العام حتى خارج البلاد.

 

وقد صنفت تقارير دولية مصر خلال السنوات الأخيرة بين الدول الأكثر استخداما لأساليب القمع العابر للحدود، إلى جانب دول مثل الصين وروسيا وتركيا، وتشمل الأدوات الموثقة عالميا الاعتداء والمراقبة والتهديد والضغط على أفراد الأسرة وإساءة استخدام الإجراءات الدولية. ولا تعني هذه المقارنات تطابق الحالات، لكنها تضع معاملة المعارضين المصريين في سياق أوسع تستخدم فيه الحكومات الحدود الدولية امتداداً لأجهزتها الداخلية.

 

المشكلة هنا ليست مجرد تقصير قنصلي يمكن علاجه بتطبيق إلكتروني أو زيادة عدد الموظفين، بل تمييز قائم على الموقف من السلطة، إذ يحصل المواطن المطيع على خطاب الترحيب والتكريم، بينما يواجه المنتقد معاملة قد تنزع عنه عمليا القدرة على إثبات هويته. وبهذا تصبح السفارة، في نظر الخائفين من التعامل معها، جهة يترقبون منها الضرر بدلا من الحماية، وهو انقلاب كامل على الوظيفة المفترضة للبعثات الدبلوماسية.

 

 

الدولارات قبل الحقوق

 

تزداد قسوة المفارقة حين تقارن قيمة المصري بالخارج في الخطاب الاقتصادي بقيمته في ملف الحقوق. فقد سجلت تحويلات المصريين العاملين بالخارج خلال عام 2025 نحو 41.5 مليار دولار، بزيادة قدرها 40.5 بالمئة عن العام السابق، بحسب بيانات البنك المركزي المصري، وليس نحو 40 مليارا فقط كما ترد أحيانا في التقديرات المختصرة. وأصبحت هذه التدفقات موردا مركزيا للعملة الأجنبية ودعامة مهمة للحسابات الخارجية والاحتياطيات.

 

كما واصلت التحويلات تسجيل مستويات قياسية خلال العام المالي 2025 و2026، فبلغت 34.9 مليار دولار خلال الأشهر التسعة الأولى، ثم وصلت إلى 39.2 مليار دولار خلال الأشهر العشرة الأولى، بما يكشف حجم اعتماد الاقتصاد المصري على مدخرات العاملين بالخارج في وقت تعاني فيه الدولة من احتياجات تمويلية وديون مرتفعة وضغوط مستمرة على النقد الأجنبي.

 

لهذا تمتلئ المؤتمرات الحكومية بالحديث عن الاستثمار والتحويلات والعقارات والتسهيلات المصرفية والسيارات، فيما يظل الحق في جواز السفر وتسجيل المواليد وعدم معاقبة الأسرة بسبب رأي أحد أفرادها خارج جدول الاحتفاء. تتعامل الدولة مع الاغتراب بوصفه خزانا للدولار وفرصة لتسويق الأصول، لكنها لا تتعامل بالجدية نفسها مع المواطن الذي لا يحمل الموقف الموافق لها، رغم أنه يظل مصريا وفق القانون لا وفق رضا الأجهزة عنه.

 

الخطاب الرسمي نفسه يؤكد أن الحكومة تريد تعزيز ارتباط المصريين بالوطن وتطوير الخدمات المقدمة لهم، وهو هدف يبدو منقوصا ما لم يشمل الجميع بلا فحص أمني للأفكار. فالرعاية القنصلية لا يجوز أن تصبح مكافأة على الولاء، كما لا يمكن الحديث عن ارتباط المغترب بوطنه بينما تستخدم الدولة وثائقه وأسرته وإمكانية عودته أدوات لإسكاته وإبعاده عن العمل العام.

 

ولا تتعارض أهمية تحويلات المصريين مع المطالبة بحقوقهم، بل تجعل التجاهل أكثر فداحة. فالمواطن الذي تدعوه الدولة إلى إنقاذ ميزان المدفوعات وتحويل مدخراته عبر القنوات الرسمية لا ينبغي أن يضطر إلى التوسل للحصول على ورقة تثبت ميلاد طفله أو تجديد وثيقة سفره، ولا أن يخشى دخول قنصلية بلاده لأن اسمه قد يكون مرتبطا بنشاط إعلامي أو حقوقي أو انتخابي.

 

 

المعارضة خارج المؤتمر

 

ظهر الاتساع بين الخطاب الرسمي والواقع أيضا خلال محاولة النائب السابق أحمد الطنطاوي خوض انتخابات الرئاسة التي جرت في ديسمبر 2023، عندما تعرضت حملته ومؤيدوها لمضايقات واعتقالات أثناء السعي إلى جمع التوكيلات المطلوبة للترشح. ثم أيد القضاء في مايو 2024 حكما بحبسه عاما في القضية المعروفة إعلاميا بقضية التوكيلات الشعبية، وألقي القبض عليه عقب الحكم، لذلك فربط الواقعة بعام 2024 يتعلق بالمحاكمة والسجن، بينما تعود حملة التوكيلات نفسها إلى عام 2023.

 

هذه الواقعة تفسر مخاوف مصريين في الخارج من أن تتحول المشاركة البسيطة في نشاط انتخابي أو توقيع توكيل أو دعم معارض إلى ملف أمني يمتد إلى معاملاتهم وأسرهم. وحين لا توجد قواعد شفافة تضمن فصل الخدمة القنصلية عن الموقف السياسي، يصبح المواطن مضطرا إلى الرقابة الذاتية، فيحذف منشورا أو يتجنب ندوة أو يمتنع عن زيارة السفارة، ليس اقتناعا بل خوفا من ثمن قد يدفعه هو أو أقاربه.

 

ولا يمكن لمؤتمر تحضره الوجوه التي تختارها الحكومة أن يمثل ملايين المصريين في الخارج بينما يظل أصحاب التجارب الأكثر إلحاحا خارج القاعة. فالمعارض المحروم من جوازه، والصحفي الذي يخشى العودة، والأسرة التي تتعرض للاستدعاء، والأب الذي يعجز عن تسجيل مولوده، جميعهم جزء من ملف المغتربين، حتى عندما ترفض المؤسسات الرسمية الاعتراف بهم أو الاستماع إليهم.

 

المؤتمر الحقيقي الذي يحتاجه المصريون في الخارج ليس معرضا جديدا للوعود ولا منصة لجمع المستثمرين فقط، بل مراجعة علنية لسياسة إصدار الوثائق، وآلية مستقلة للتظلم من قرارات القنصليات، وضمانات تمنع نقل الخلاف السياسي إلى الأبناء والزوجات، وتعهد واضح بأن جواز السفر وشهادة الميلاد والتوكيل والخدمة المدنية حقوق لا تتوقف على رضا السلطة.

 

كما تحتاج الدول المضيفة إلى التعامل بجدية أكبر مع ادعاءات القمع العابر للحدود، وحماية من يتعرضون للتهديد أو الابتزاز، ومراقبة أي إساءة لاستخدام البيانات أو المؤسسات الدبلوماسية. فحين ينتقل القمع إلى أراضي دولة أخرى، لا يعود شأنا مصريا داخليا وحده، بل يصبح اعتداء على سيادة الدولة المضيفة وحقوق المقيمين فوق أراضيها.

 

في النهاية، يكشف مؤتمر المصريين بالخارج عن دولتين في خطاب واحد، دولة تحتفي بالمغترب حين يظهر في كشف التحويلات أو يشتري وحدة أو يضخ استثمارا، ودولة أخرى تضيق عليه حين يرفع صوته أو يناصر خصما أو يوثق انتهاكا. وبين الدولتين يعيش ملايين المصريين، لكن الأكثر تعرضا للملاحقة يظلون غائبين عن الصور والكلمات الرسمية.

 

لن تكون عبارة «مصر تقربنا» ذات معنى ما دامت أبواب القنصليات قد تبتعد عن مواطن بسبب رأيه، وما دامت عائلته معرضة لدفع ثمن نشاطه، وما دام النظام يريد أمواله من الخارج بينما يرفض حقه في المعارضة. فالوطن الذي يطلب تحويلات مواطنيه ملزم أولا بألا يحول وثائقهم وهوياتهم إلى وسائل عقاب.