خفضت شركة مصر للألمنيوم التابعة للقابضة للصناعات المعدنية أسعار بيع منتجاتها في السوق المحلية خلال أغسطس بقيمة 15 ألف جنيه للطن من أرض المصنع ليصل السعر إلى 190 ألف جنيه قبل ضريبة القيمة المضافة في أول تراجع خلال 2026.
ويأتي هذا الخفض بعد شهور تحملت خلالها المصانع والورش والمستهلكون قفزات متلاحقة في تكلفة المعدن بينما تظل قيمة التراجع الحالية محدودة أمام زيادات سابقة دفعت الأسعار إلى مستويات تاريخية وضغطت على صناعات تعتمد على الألمنيوم في الإنتاج والتشغيل.
تراجع بعد موجة صعود
وبداية من أبريل شهد السوق قفزة حادة بعدما ارتفعت أسعار الألمنيوم بنحو 25 بالمئة خلال شهر واحد ووصل متوسط الطن إلى قرابة 200 ألف جنيه مقابل 160 ألفا وسط اضطراب عالمي وصعود الدولار وتكاليف النقل والشحن.
وفي هذا السياق قال محمد حنفي مدير عام غرفة الصناعات المعدنية باتحاد الصناعات إن زيادة أبريل ارتبطت بارتفاع الخام عالميا وصعود سعر الدولار محليا بأكثر من 7 بالمئة إلى جانب زيادة تكاليف النقل والشحن البحري.
وعلى الجانب الآخر تكشف تلك العوامل حجم ارتباط سعر خام صناعي تنتجه شركة حكومية رئيسية بتقلبات العملة والأسواق الخارجية وهو ارتباط يطرح أسئلة حول قدرة السياسات الصناعية على بناء هوامش حماية للمصانع المحلية من الصدمات المتكررة.
ثم جاءت زيادات مايو لتضيف أعباء جديدة بعدما رفعت مصر للألمنيوم أسعار المنتجات الموردة للمصانع بنحو 5 آلاف جنيه للطن وبنسب تراوحت بين 2.1 و2.4 بالمئة لتواصل السوق الصعود بعدما كانت أسعار أبريل مرتفعة بالفعل.
وفي حين كانت الزيادات تنتقل بسرعة إلى قوائم البيع خلال موجة الصعود فإن خفض أغسطس جاء بعد شهرين من تثبيت الأسعار قرب أعلى مستوياتها وهو ما يجعل المصانع المستهلكة تتساءل عن توقيت انتقال التراجع العالمي إلى السوق المحلية.
وبحسب البيانات المتاحة هبطت أسعار الألمنيوم العالمية خلال الفترة الأخيرة بعدما تجاوزت مستويات مرتفعة في الربع الثاني وهو ما خفف جزءا من ضغوط التكلفة التي استخدمت سابقا لتفسير الزيادات المتلاحقة في السوق المصرية.
وبالتوازي مع ذلك كانت غرفة الصناعات المعدنية تسجل في يونيو أسعارا عالمية للألمنيوم عند مستويات أقل من ذروة الشهور السابقة بما يؤكد أن اتجاه السوق الدولية تغير بالفعل وأن دوافع التسعير المحلي لم تعد مطابقة لفترة القفزات السابقة.
ولهذا لا يمكن قراءة خفض 15 ألف جنيه باعتباره منحة للمصانع بقدر ما يمثل استجابة لتحول واضح في عناصر التكلفة بعدما دفعت الصناعة المحلية طوال الأشهر السابقة فاتورة الارتفاع العالمي وسعر الصرف والنقل في وقت واحد.
المصانع تنتظر انعكاس الخفض
ومن ناحية أخرى قال محمد العايدي وكيل غرفة الصناعات الهندسية باتحاد الصناعات إن خفض أسعار مصر للألمنيوم خطوة إيجابية تتوافق مع تحركات أسعار المعدن عالميا وتعكس مرونة التسعير وربطه بتطورات السوق صعودا وهبوطا.
وفقا للعايدي فإن أثر القرار لا يتوقف عند الشركات الصناعية الكبرى لأن السوق يضم مصانع متوسطة وصغيرة وورشاً عديدة تعتمد على خامات الألمنيوم وبالتالي يفترض أن يخفف انخفاض الخام جزءا من الضغوط الواقعة على النشاط الصناعي.
لكن استفادة المستهلك النهائي ليست تلقائية لأن انتقال انخفاض الخام إلى أسعار السلع يتوقف على حجم المخزون القديم وتكاليف الطاقة والنقل والتمويل وهوامش التجارة وقدرة السوق على فرض منافسة تمنع احتجاز فارق السعر داخل حلقات الإنتاج والتوزيع.
كذلك فإن سعر 190 ألف جنيه للطن يظل مرتفعا قياسا بالمستويات التي سبقت موجة الصعود الأخيرة وهو ما يعني أن الخفض يسترد جزءا فقط من الزيادة ولا يعيد تكلفة المعدن إلى مستويات بداية العام.
وعلاوة على ذلك فإن الصناعات الهندسية تعتمد على الألمنيوم في قطاعات واسعة تشمل الأدوات المنزلية والكابلات والمكونات والواجهات والمنتجات المعدنية ولذلك يمكن لأي خفض مستمر أن ينعكس على تكلفة سلسلة طويلة من السلع بدلا من بقائه رقما داخل قوائم الشركة.
وفي المقابل فإن الاكتفاء بخفض واحد لن يكون كافيا إذا واصلت الأسعار العالمية الهبوط لأن تثبيت السعر المحلي عند مستويات أعلى لفترة طويلة يعني استمرار تحميل المصانع تكلفة لا تعكس بصورة كاملة التحسن الذي طرأ على سوق المعدن.
ومن ثم يصبح معيار نجاح القرار هو استمرار المراجعة وليس مجرد الإعلان عن انخفاض واحد إذ تحتاج المصانع إلى آلية تسعير أكثر وضوحا تسمح لها بتوقع تكلفة الخامات وتوقيع العقود ووضع خطط الإنتاج دون مفاجآت شهرية حادة.
وبصورة أوسع تبرز أهمية شركة مصر للألمنيوم باعتبارها المنتج المحلي الرئيسي للمعدن إذ يمنحها حجمها تأثيرا كبيرا في اتجاهات الأسعار وهو ما يجعل قراراتها ذات أثر مباشر على آلاف الأنشطة الصناعية والتجارية المرتبطة بالخامة.
لذلك فإن مسؤولية الشركة لا تقف عند تعظيم الإيرادات وإنما تمتد إلى الحفاظ على تنافسية الصناعة المحلية خصوصا عندما تكون تكلفة الخامات عنصرا حاسما في قدرة المصنع المصري على البيع داخليا أو منافسة المنتج المستورد في الأسواق الخارجية.
تسعير يكشف هشاشة الصناعة
وفي قراءة أخرى أكد محمد المهندس رئيس غرفة الصناعات الهندسية باتحاد الصناعات خلال موجة مايو أن الشركة رفعت أسعار منتجاتها الموردة للمصانع بنحو 5 آلاف جنيه للطن وهو ما وثق استمرار انتقال موجة الغلاء العالمية إلى الصناعة المحلية آنذاك.
كما أظهرت بيانات تلك الفترة وصول سلك الألمنيوم إلى نحو 218 ألف جنيه والسلندرات إلى 205 آلاف ولفات الألمنيوم إلى 226.5 ألف جنيه وهي مستويات تكشف حجم الزيادة التي سبقت الخفض الأخير وتضع قيمته الحالية في سياقها الحقيقي.
وبناء على ذلك فإن الحديث عن تراجع الأسعار يحتاج إلى مقارنة بالقفزات السابقة لا بالشهر الماضي وحده لأن المصنع الذي تحمل زيادات كبيرة خلال عدة أشهر لن يستعيد قدرته التنافسية بمجرد استرداد 15 ألف جنيه من الطن.
إضافة إلى ذلك يطرح الملف سؤالا أوسع عن استراتيجية الدولة تجاه الصناعات الأساسية إذ لا يكفي امتلاك منتج محلي ضخم إذا ظلت تكلفة الصناعات التابعة شديدة الحساسية لسعر الدولار والشحن والأزمات الخارجية دون أدوات فعالة لتخفيف الصدمات.
وفوق ذلك فإن الاضطرابات الإقليمية الأخيرة أظهرت كيف تنتقل أزمات الإمدادات في الخليج والعالم بسرعة إلى السوق المصرية بينما يصبح تأمين الخامات والطاقة والاحتياطيات الإنتاجية ضرورة لحماية العمال والمصانع وليس مجرد ملف يتعلق بأرباح الشركات الكبرى.
ومع ذلك فإن وجود مصر للألمنيوم يمنح السوق ميزة لا تتوافر للدول التي تعتمد كليا على الاستيراد وهو ما أشار إليه العايدي عندما تحدث عن دور المنتج المحلي في تحقيق التوازن والحد من التقلبات الحادة في الأسعار.
بيد أن هذه الميزة تفقد جزءا من قيمتها إذا لم تتحول إلى أسعار أكثر استقرارا وقدرة على دعم الصناعات التحويلية لأن الهدف من المنتج الوطني ينبغي أن يتجاوز متابعة السعر العالمي إلى بناء قاعدة إنتاج تستطيع مقاومة اضطراباته.
وأخيرا يكشف خفض أغسطس أن الاتجاه الصعودي لم يكن قدرا دائما وأن تراجع التكلفة العالمية يمكن أن يصل إلى السوق المصرية لكن الاختبار الحقيقي يبقى في سرعة تمرير أي انخفاضات جديدة إلى المصانع ثم مراقبة انعكاسها على المستهلك.
وفي المحصلة يمثل نزول الطن إلى 190 ألف جنيه انفراجة محدودة بعد موجة زيادات قاسية لكنه يضع الشركة والحكومة أمام مطالبة واضحة بأن يصبح انخفاض التكلفة ملموسا في السوق وألا تتحول مرونة التسعير إلى طريق سريع للزيادة وبطيء للتراجع.

