شهدت مصر فجر اليوم الاثنين واحدة من أقوى الهزات الأرضية التي شعر بها المواطنون خلال السنوات الأخيرة، بعدما ضرب زلزال بلغت قوته ما بين 5.2 و5.6 درجات على مقياس ريختر منطقة خليج السويس، ليمتد تأثيره إلى القاهرة الكبرى وعدد كبير من المحافظات، بينما شعر به سكان دول عربية وإقليمية عدة، في مشهد أعاد إلى الأذهان ذكريات الزلازل التي شهدتها البلاد في العقود الماضية.
ورغم حالة الذعر التي انتابت ملايين المواطنين مع اهتزاز المباني في الساعات الأولى من الصباح، أكدت الجهات الرسمية أن الحصيلة النهائية حتى الآن اقتصرت على إصابة واحدة فقط على مستوى الجمهورية، إلى جانب عدد محدود من الأضرار المادية والانهيارات الجزئية دون وقوع وفيات.
هزة قوية أيقظت المصريين قبل الفجر
وقعت الهزة الأرضية في تمام الساعة الثالثة صباحًا بالتوقيت المحلي، حيث سجلتها محطات الشبكة القومية لرصد الزلازل التابعة للمعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية، وحددت مركزها في منطقة خليج السويس وعلى عمق بلغ نحو 10 كيلومترات، وهو ما جعل تأثيرها محسوسًا بصورة واسعة داخل مصر وخارجها.
وبحسب بيانات المعهد، بلغت قوة الزلزال 5.2 درجات على مقياس ريختر، بينما قدرت جهات دولية، من بينها المركز الألماني لأبحاث علوم الأرض، قوته بما يتراوح بين 5.4 و5.6 درجات، نتيجة اختلاف طرق القياس وتحديث البيانات الزلزالية.
وشعر بالهزة سكان القاهرة الكبرى والجيزة والقليوبية والإسكندرية والسويس والإسماعيلية والشرقية وعدد كبير من المحافظات، كما امتد تأثيرها إلى فلسطين والأردن ولبنان وسوريا والسعودية وقبرص.
إصابة واحدة فقط على مستوى الجمهورية
ورغم اتساع نطاق الشعور بالهزة الأرضية، أكدت وزارة الصحة أن الرصد حتى صدور البيان الرسمي أسفر عن تسجيل إصابة واحدة فقط على مستوى الجمهورية.
وأوضحت الوزارة أن الحالة تلقت الرعاية الطبية اللازمة وغادرت المستشفى بعد تحسنها، مؤكدة استمرار المتابعة الصحية في جميع المحافظات تحسبًا لأي تطورات.
انهيار جزئي لعقار في روض الفرج
وسجلت محافظة القاهرة أول الأضرار الناتجة عن الزلزال، بعدما تعرض عقار مكون من أرضي وثلاثة طوابق بمنطقة روض الفرج لسقوط جزئي.
وأوضحت المحافظة أن الحادث وقع في أحد العقارات بشارع الجنايني بمنطقة مزلقان النجيلي، دون وقوع أي إصابات أو وفيات.
وتم إخلاء الأسر الثلاث المقيمة داخل العقار بصورة احترازية ونقلهم للإقامة لدى ذويهم لحين الانتهاء من الفحص الفني والتأكد من سلامة المبنى.
سقوط جزء من سقف منزل في السويس
وفي محافظة السويس، تلقت غرفة عمليات الشبكة الوطنية للطوارئ بلاغًا يفيد بسقوط قطعة خرسانية بسيطة من سقف أحد المنازل بحي الأربعين عقب الزلزال.
وأكدت الجهات المختصة أن الواقعة لم تسفر عن أي إصابات، فيما جرى فحص المبنى واتخاذ الإجراءات اللازمة للتأكد من سلامته.
لماذا شعر الجميع بقوة الزلزال؟
وأوضح خبراء الزلازل أن السر في الإحساس القوي بالهزة يعود إلى أن الزلزال وقع على عمق لا يتجاوز 10 كيلومترات تحت سطح الأرض، وهو ما يصنفه ضمن الزلازل الضحلة.
ويؤدي هذا النوع من الزلازل إلى انتقال الموجات الزلزالية بسرعة إلى سطح الأرض، فتكون الهزة أكثر وضوحًا للسكان حتى وإن كانت قوتها متوسطة مقارنة بزلازل أخرى تقع على أعماق أكبر.
وأشار المتخصصون إلى أن قرب بؤرة الزلزال من السطح يجعل مساحة الشعور به أوسع، لكنه لا يعني بالضرورة أن يكون أكثر تدميرًا، إذ يعتمد حجم الأضرار أيضًا على قرب المناطق العمرانية من مركز الزلزال وطبيعة المباني.
لماذا لا يهدأ خليج السويس؟
أكد رئيس قسم الزلازل بالمعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية الدكتور شريف الهادي أن منطقة خليج السويس تعد من أكثر المناطق نشاطًا زلزاليًا في مصر، بسبب وجود منظومة من الصدوع الجيولوجية النشطة المرتبطة بانفتاح البحر الأحمر.
وأوضح أن هذه المنطقة شهدت خلال السنوات الماضية عدة زلازل متوسطة القوة، من بينها زلزالا عامي 2013 و2022، مشيرًا إلى أن النشاط الحالي يأتي في الإطار الطبيعي للحركة التكتونية المستمرة منذ ملايين السنين.
وأضاف أن الزلازل تحدث نتيجة تراكم الضغوط داخل الصخور على جانبي الصدوع، ثم تحررها بصورة مفاجئة، فتنتشر الطاقة في هيئة موجات زلزالية يشعر بها السكان.
هل دخلت مصر حزام الزلازل؟
ورغم تكرار الزلازل خلال السنوات الأخيرة، شدد خبراء الجيولوجيا على أن مصر لا تقع ضمن الأحزمة الزلزالية العالمية شديدة الخطورة.
وأوضحوا أن أغلب أراضي البلاد تقع داخل الجزء المستقر من الصفيحة الأفريقية، بينما يتركز النشاط الزلزالي في مناطق محددة مثل خليج السويس وخليج العقبة والبحر الأحمر وشرق البحر المتوسط ومنطقة دهشور.
وأشاروا إلى أن هذه المناطق تشهد زلازل متوسطة بصورة دورية، لكنها تختلف تمامًا عن المناطق الواقعة على حدود الصفائح التكتونية الرئيسية التي تشهد آلاف الزلازل القوية سنويًا.
هل كان هناك خطر على السد العالي؟
من جانبه، طمأن العالم المصري بوكالة الفضاء الأمريكية "ناسا" عصام حجي المواطنين، مؤكدًا أن الزلزال يدخل ضمن النشاط الطبيعي المعروف في نطاق خليج السويس.
وشدد على عدم وجود أي تهديد للسد العالي نتيجة هذه الهزة الأرضية، موضحًا أن الزلازل لا يمكن التنبؤ بها مسبقًا، لكن يمكن تقليل مخاطرها عبر تعزيز الوعي المجتمعي، وتطوير شبكات الرصد، والالتزام بمعايير البناء المقاوم للزلازل.
كيف عرفت هواتف أندرويد بالزلزال قبل الجميع؟
ومن أكثر المشاهد التي أثارت اهتمام المواطنين، ظهور تحذيرات على ملايين هواتف أندرويد قبل ثوانٍ من شعور أصحابها بالهزة الأرضية.
ويرجع ذلك إلى نظام الإنذار المبكر للزلازل الذي طورته شركة جوجل، والذي يعتمد على مستشعرات الحركة الموجودة داخل الهواتف الذكية.
فعندما ترصد أعداد كبيرة من الهواتف اهتزازات متشابهة في الوقت نفسه، ترسل بيانات مجهولة الهوية إلى خوادم النظام، التي تحللها بسرعة، ثم ترسل تحذيرات للمستخدمين الموجودين في مسار الموجات الزلزالية قبل وصولها إليهم بثوانٍ.
وأكد الخبراء أن هذه التقنية لا تتنبأ بالزلازل قبل وقوعها، وإنما تبدأ عملها بعد انطلاق الزلزال بالفعل، مستفيدة من الفارق الكبير بين سرعة انتقال البيانات عبر الإنترنت وسرعة انتشار الموجات الزلزالية.
لحظات رعب وثقتها كاميرات المواطنين
وعقب الزلزال، امتلأت مواقع التواصل الاجتماعي بمقاطع فيديو وثقت لحظات اهتزاز المنازل والمحال والمنشآت، بينما أظهرت تسجيلات أخرى خروج المواطنين إلى الشوارع خشية وقوع هزات ارتدادية.
كما تداول مستخدمون صورًا لتشققات في بعض المباني القديمة، في حين أكدت السلطات استمرار أعمال الفحص الهندسي للتأكد من سلامة العقارات وعدم وجود مخاطر على السكان.
استمرار المتابعة
وأكدت وزارة الصحة والهلال الأحمر ومحافظات الجمهورية استمرار رفع درجة الاستعداد ومتابعة الموقف على مدار الساعة، مع مطالبة المواطنين بالحصول على المعلومات من المصادر الرسمية فقط، وعدم الانسياق وراء الشائعات.
كما دعت الجهات المختصة إلى الابتعاد عن المباني القديمة أو التي تظهر عليها تشققات لحين انتهاء اللجان الهندسية من فحصها، وعدم استخدام خطوط الطوارئ إلا في الحالات الضرورية.
وبينما أعادت هزة الفجر إلى الأذهان زلزال القاهرة الشهير عام 1992، يؤكد الخبراء أن ما شهدته البلاد يدخل في إطار النشاط الزلزالي الطبيعي المعروف بمنطقة خليج السويس، وأن المؤشرات الحالية لا تدل على وجود مخاطر استثنائية.

