اختتمت 8 منظمات حقوقية مصرية حملة عايز أتنفس بعد أيام من التحرك بشأن أوضاع المحتجزين في السجون ومراكز الاحتجاز، مقدمة 13 مطلبا عاجلا للسلطات بهدف مواجهة التكدس ومخاطر الحر وحماية حياة آلاف المحتجزين.

 

ويأتي ختام الحملة بينما تواصل السلطات تقديم منشآت الاحتجاز الجديدة باعتبارها دليلا على تحسين الأوضاع، في وقت ترسم فيه شهادات حقوقية صورة أكثر قتامة، تتحدث عن زنازين خانقة ومرضى بلا استجابة كافية وأسر عاجزة عن الاطمئنان على ذويها.

 

وبحسب البيان الختامي، قالت المنظمات إن موجات الحرارة المرتفعة تتزامن مع ضعف التهوية والتكدس ونقص وسائل التبريد، بما يحول الاحتجاز لدى بعض السجناء، خصوصا كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة، إلى تهديد مباشر للصحة والحياة.

 

وفي المقابل، شددت الحملة على أن مطالبها لا تتعلق بتحسينات شكلية، وإنما بحقوق أساسية تشمل الهواء والمياه والرعاية الطبية والتريض والزيارات الأسرية، معتبرة أن حرمان المحتجزين منها ينقل الاحتجاز من إجراء قانوني إلى معاملة مهينة.

 

ومن بين المطالب، دعت المنظمات إلى السماح بإدخال المراوح وصيانة الشفاطات ووسائل التبريد، وضمان توفير مياه شرب آمنة ومبردة، مع إتاحة الاستحمام المنتظم ومستلزمات النظافة، خاصة خلال الفترات التي تبلغ فيها الحرارة مستويات شديدة.

 

كذلك طالبت الحملة بتفعيل الاستجابة الطبية السريعة لحالات الإجهاد الحراري، ونقل الحالات الحرجة إلى المستشفيات دون تأخير، معتبرة أن التعامل البطيء مع الأعراض داخل الزنازين المكتظة قد يحول أزمة صحية قابلة للعلاج إلى وفاة يمكن تفاديها.

 

 

الزنازين تتحول إلى خطر

 

وعلى الصعيد الصحي، حذرت الحملة من أن التكدس يقلل حركة الهواء داخل الزنازين ويرفع الإحساس بالحرارة، بينما يزيد الجفاف والإجهاد الحراري من المخاطر على مرضى القلب والضغط وكبار السن، خصوصا مع محدودية المياه أو تأخر التدخل الطبي.

 

وفي هذا السياق، تعد الطبيبة والحقوقية عايدة سيف الدولة من أبرز الأصوات التي وثقت على مدى سنوات انتهاكات داخل أماكن الاحتجاز، واعتبرت سابقا أن استمرار الممارسات القاسية وغياب التحقيق الجاد يعكسان مشكلة أعمق من مجرد تجاوزات فردية.

 

كما أن سيف الدولة، الشريكة المؤسسة لمركز النديم، ربطت في مواقف سابقة بين حماية المحتجزين وضرورة صون سلامتهم الجسدية والنفسية، وهو ما يمنح مطالب الحملة المتعلقة بالرعاية والتهوية والرقابة المستقلة بعدا طبيا وحقوقيا متداخلا.

 

إضافة إلى ذلك، طالبت المنظمات بتمكين المحتجزين من التريض المنتظم في أماكن مفتوحة جيدة التهوية، وطلاء واجهات السجون الأسمنتية بمواد عازلة للحرارة، في محاولة للحد من تراكم الحرارة داخل المباني خلال موجات الصيف المتكررة.

 

وفي مواجهة الخطر، طالبت الحملة بفتح السجون وأقسام الشرطة أمام منظمات حقوقية مستقلة ولجان متخصصة، بما يسمح برصد الأوضاع الصحية وتوثيق الانتهاكات ونشر نتائج الزيارات، بدلا من بقاء المعلومات رهينة بيانات رسمية يصعب التحقق المستقل منها.

 

ومن ناحية أخرى، دعت المنظمات إلى فتح تحقيقات مستقلة وشفافة في حالات الوفاة والإهمال الطبي ومحاولات الانتحار داخل السجون، ومحاسبة المسؤولين عند ثبوت التقصير، مؤكدة أن غياب المحاسبة يسمح بتكرار الانتهاكات ويحولها إلى نمط مستمر.

 

 

الحبس يفاقم التكدس

 

أما على المستوى القانوني، فقد وضعت الحملة التوسع في الحبس الاحتياطي ضمن أسباب تفاقم التكدس، وطالبت بإنهائه في الحالات الممتدة، إلى جانب تفعيل الإفراج الصحي عن كبار السن وأصحاب الحالات الحرجة لتقليل الضغط داخل أماكن الاحتجاز.

 

وفي هذا الإطار، يرى الحقوقي محمد زارع أن الحبس الاحتياطي تحول في التطبيق إلى عقوبة ممتدة، خاصة مع إعادة تدوير بعض المتهمين في قضايا جديدة، بما يطيل فترات الاحتجاز ويضاعف آثار التكدس على السجناء وأسرهم.

 

وبالتالي، يتقاطع طرح زارع مع جوهر الحملة التي تعتبر تقليل أعداد المحتجزين خطوة أساسية لمعالجة الأزمة، إذ لا تستطيع المراوح أو الشفاطات وحدها تعويض زنزانة تستوعب أعدادا تتجاوز قدرتها، أو نظام احتجاز يسمح باستمرار الحبس لفترات طويلة.

 

ومن ثم، طالبت المنظمات بتفعيل بدائل تقلل اللجوء إلى الحبس، والإفراج الصحي للحالات التي يهدد استمرار احتجازها حياتها، معتبرة أن بقاء المرضى والمسنين في بيئات شديدة الحرارة والتكدس يضاعف المسؤولية القانونية على سلطات الاحتجاز.

 

وفوق ذلك، شددت الحملة على ضرورة تمكين المحتجزين من تقديم الشكاوى والاستغاثات دون خوف من العقاب أو الانتقام، بما يفتح طريقا مبكرا لرصد الأخطار قبل تفاقمها، بدلا من وصول المعلومات بعد وقوع الوفاة أو التدهور الصحي الحاد.

 

وبموازاة ذلك، طالبت المنظمات بوقف استخدام الحبس الانفرادي كأداة للتنكيل، معتبرة أن العزل المطول يضيف ضغطا نفسيا قاسيا إلى ظروف الاحتجاز، ويجعل المحتجز أكثر هشاشة أمام المرض والانهيار النفسي، خصوصا عندما تقترن العزلة بحرمان من التواصل.

 

 

الرقابة الغائبة والمحاسبة

 

وفي جانب الزيارات، طالبت الحملة بضمان انتظام الزيارات الأسرية وإلغاء الحواجز الزجاجية وتمكين التواصل المباشر وفق اللوائح، إلى جانب تطبيق المادة 60 التي تمنح المحبوسين احتياطيا 4 زيارات شهريا والمحكوم عليهم زيارتين شهريا.

 

كذلك اقترحت المنظمات اعتماد نظام إلكتروني لحجز الزيارات، لتقليل ساعات انتظار الأسر أمام السجون تحت أشعة الشمس، وهي معاناة تقول الحملة إنها تضيف عبئا جديدا على عائلات المحتجزين، خصوصا كبار السن والنساء القادمين من محافظات بعيدة.

 

وفي قراءة أوسع، سبق للمحامي الحقوقي نجاد البرعي أن طالب بوضع حد للحبس الاحتياطي المطول، كما دعا إلى مناقشة أوضاع السجون ومراكز الاحتجاز والإشراف عليها، وهي ملفات تتقاطع مباشرة مع مطالب الحملة بشأن الرقابة والمساءلة.

 

وعليه، فإن حديث البرعي عن ضرورة إصلاح منظومة العدالة والإشراف على أماكن الاحتجاز يضع المسؤولية خارج حدود إدارة السجن وحدها، لتشمل النيابة والجهات الرقابية وصانعي التشريعات، بما يمنع تحول الانتهاكات إلى واقع لا يجد المحتجز وسيلة لمواجهته.

 

علاوة على ذلك، استندت الحملة إلى قواعد نيلسون مانديلا والمعايير الدستورية المتعلقة بالحق في الحياة والسلامة الجسدية والمعاملة الإنسانية، مؤكدة أن الدولة تظل مسؤولة عن حياة الشخص منذ لحظة سلب حريته وحتى الإفراج عنه.

 

وبناء على ذلك، ترى المنظمات أن أي وفاة مرتبطة بالحر أو نقص الرعاية أو التكدس تستوجب تحقيقا مستقلا، لا مجرد مراجعة داخلية، لأن المحتجز لا يملك اختيار بيئته أو مغادرتها، فيما تملك السلطات وحدها وسائل الوقاية والتدخل.

 

وفي المحصلة، تعكس حملة عايز أتنفس أزمة تتجاوز فصل الصيف، إذ تكشف أن مشكلة الاحتجاز في مصر ترتبط بالتكدس والحبس المطول وضعف الرقابة وغياب الشفافية، بينما يتحول ارتفاع الحرارة إلى عامل يضاعف نتائج هذه الاختلالات.

 

وأخيرا، قالت المنظمات إن إنهاء الحملة لا يعني انتهاء القضية، مطالبة السلطات بالاستجابة إلى مطالبها 13 ونشر معلومات واضحة عن أوضاع السجون، لأن الحق في التنفس والماء والعلاج والزيارة لا ينبغي أن يتحول إلى امتياز يخضع لقرار إداري.