شهدت قرية جصفا التابعة لمركز ميت غمر بمحافظة الدقهلية، عصر الجمعة، انهيار منزل مكون من 3 طوابق أمام أحد المساجد عقب انتهاء الصلاة مباشرة، فيما فر الأهالي من المكان خشية امتداد الانهيار إلى المنازل المجاورة.

 

ويفتح انهيار المنزل مجددا ملف سلامة المباني في القرى المصرية، حيث تتقاطع شبكات صرف متهالكة ومبان قديمة ورقابة محلية محدودة، بينما لا تتحرك الأجهزة المعنية في أحيان كثيرة إلا بعد وقوع الكارثة وتحول حياة السكان إلى خطر يومي.

 

وبحسب مقطع مصور متداول، انهار المبنى بصورة مفاجئة وسط ذهول الموجودين، بينما تعالت صرخات الأهالي في الشارع المحيط، وابتعد المصلون والسكان عن الموقع خشية سقوط أجزاء إضافية أو تأثر المنازل الملاصقة خلال الدقائق التالية للحادث.

 

وفي المقابل، ربط عدد من أهالي القرية بين الانهيار وأزمة الصرف الصحي المزمنة، مؤكدين أن تسرب المياه أسفل المباني أصبح مشكلة متكررة، وطالبوا بتحقيق فني يكشف ما إذا كانت التربة والأساسات قد تعرضت لتلف تدريجي.

 

ومن جانب آخر، لم تعلن الجهات المحلية حتى الآن نتيجة معاينة هندسية تحدد السبب المباشر للانهيار، وهو ما يجعل رواية تسربات الصرف فرضية تحتاج إلى فحص رسمي، خصوصا مع تعدد الأسباب الإنشائية المحتملة في المباني القديمة.

 

ومع ذلك، فإن مخاوف السكان لا تبدو معزولة عن أساس هندسي، إذ تشير الدراسات الهندسية إلى أن كسور المواسير وتسرب المياه يمكن أن تؤدي إلى سحب التربة وإضعافها أسفل الأساسات، وصولا إلى الهبوط والتصدعات والانهيار.

 

 

خطر يتكرر بلا إنذار

 

وفي يناير، شهدت الإسكندرية حادثا مشابها عندما سقطت أجزاء من عقار قديم في محرم بك، ما أدى إلى وفاة شاب عمره 19 عاما تصادف مروره أسفل المبنى، رغم صدور قرار ترميم للعقار منذ عام 1997.

 

ثم في مارس، انهارت أجزاء من عقار بحي غرب في الإسكندرية وأصيب شخصان من المارة، بينما كشفت المحافظة أن المبنى كان صادرا له قرار هدم حتى سطح الأرض منذ عام 2019، من دون إزالة الخطر نهائيا.

 

وبعد ذلك، شهدت القاهرة في يوليو انهيار منزل من 3 طوابق يضم 12 شقة بمنطقة حلمية الزيتون، ما استدعى إخلاء السكان وفرض طوق أمني، بينما بدأت الأجهزة المختصة فحص أسباب الانهيار وتأثيره على العقارات المجاورة.

 

كذلك شهدت قرية المحروسة بمركز قنا خلال يوليو انهيارا جزئيا لمنزل من طابقين مبني بالطوب اللبن ومأهول بالسكان، من دون إصابات، لتضاف الواقعة إلى سلسلة حوادث تعكس اتساع مشكلة المباني الهشة في محافظات مختلفة.

 

وبالتالي، فإن انهيار جصفا لا يمكن قراءته كواقعة منفصلة تماما، بل يأتي بعد حوادث متتابعة منذ بداية العام، تفاوتت نتائجها بين الوفاة والإصابات والإخلاء، بينما تتكرر عقب كل حادث لجان المعاينة وقرارات التأمين المؤقتة.

 

وبحسب الدكتور محمد نجيب أبو زيد، أستاذ الهندسة الإنشائية، فإن العقارات الآيلة للسقوط تمثل خطرا متزايدا، ويرتبط جانب من الأزمة بتراكم مخالفات البناء وغياب الصيانة والرطوبة وصدأ الحديد، وهي عوامل تضعف العناصر الحاملة تدريجيا.

 

وأشار أبو زيد إلى أن بعض المباني المخالفة جرى تقنين أوضاعها رغم مشكلات إنشائية قائمة، وهو ما يثير سؤالا أوسع بشأن كفاءة الفحص قبل التصالح، وقدرة المحليات على اكتشاف المباني الخطرة قبل تحول العيوب إلى كوارث.

 

 

الصرف يهدد الأساسات

 

وفي السياق نفسه، سبق للدكتور حمدي سيف، رئيس المركز الهندسي بكلية الهندسة في جامعة الإسكندرية، أن حذر من أثر تسرب المياه إلى التربة، موضحا أن انفجار مواسير المياه أو الصرف قد يؤدي إلى إضعاف التربة بصورة خطرة.

 

وأوضح سيف أن المياه المتسربة قد تؤدي إلى تآكل التربة أسفل المبنى وحدوث تغيرات لا يلاحظها السكان بسهولة، قبل أن تظهر آثارها في صورة هبوط أو شروخ أو انهيار مفاجئ، ما يجعل الكشف المبكر ضرورة أساسية.

 

وعلى هذا الأساس، تصبح مطالبة أهالي جصفا بفحص شبكة الصرف والمنازل المحيطة مطلبا يتجاوز رد الفعل الشعبي، لأن تحديد مصدر التسرب، إن وجد، يحتاج اختبارات للتربة والأساسات والمواسير وليس مجرد معاينة بصرية سريعة للمبنى المنهار.

 

وفوق ذلك، فإن هبوط التربة أسفل خطوط المواسير أو تآكلها قد يؤدي إلى كسرها وتسرب المياه والتربة، لتتشكل دائرة متواصلة من التلف يمكن أن تنتهي بهبوط خطير في سطح الأرض وتأثر أساسات المباني المحيطة.

 

ومن ثم، فإن الاقتصار على رفع الأنقاض دون فحص شامل للبنية التحتية المحيطة قد يترك أصل المشكلة قائما، خصوصا إذا ثبت وجود تسرب مزمن، بما يعني أن منازل مجاورة يمكن أن تكون معرضة للتأثير نفسه بمرور الوقت.

 

وفي الوقت ذاته، لا يجوز الجزم بأن الصرف الصحي هو سبب الانهيار قبل صدور تقرير هندسي رسمي، إذ يمكن أن تتداخل عوامل أخرى مثل ضعف الأساسات أو البناء غير المطابق أو التعديلات الداخلية أو تقادم المواد الإنشائية.

 

 

رقابة تأتي بعد الكارثة

 

أما الدكتور تامر حنفي سيد، عضو هيئة التدريس بكلية الهندسة في جامعة عين شمس واستشاري الأعمال الإنشائية، فيربط تكرار انهيار العقارات بضعف الدراسات الهندسية والبناء غير المنضبط والرقابة المحلية غير الكافية في مناطق عديدة.

 

ويرى حنفي أن غياب الدراسة الهندسية الجادة منذ بداية البناء، ثم إضافة أدوار أو تعديلات غير محسوبة، يمكن أن يضاعف الضغوط على العناصر الإنشائية، بينما يظل السكان غير مدركين لحجم الخطر المتراكم داخل المبنى.

 

وبناء على ذلك، تبدو أزمة جصفا أوسع من منزل سقط أمام مسجد، لأنها تطرح سؤال المسؤولية الوقائية: من يراجع سلامة المباني القديمة وشبكات الصرف قبل وقوع الكارثة، ومن يتحمل تبعات التأخر في اكتشاف مؤشرات الخطر.

 

وعلاوة على ذلك، تكشف الحوادث السابقة فجوة واضحة بين صدور قرارات الترميم أو الهدم وبين إزالة الخطر فعليا، كما ظهر في عقاري محرم بك وحي غرب بالإسكندرية، حيث سبقت القرارات الرسمية الانهيار بسنوات طويلة.

 

ولهذا، فإن تشكيل لجنة هندسية بعد حادث جصفا يجب ألا يتحول إلى إجراء روتيني ينتهي بمحضر، بل ينبغي أن يشمل فحص المنازل الملاصقة وشبكات المرافق وحركة التربة وتاريخ الشروخ، مع إعلان النتائج للسكان بوضوح.

 

وبالتوازي، يحتاج التحقيق إلى تحديد ما إذا كانت الجهات المحلية تلقت شكاوى سابقة بشأن الصرف أو المبنى، وما الإجراءات التي اتخذتها، لأن وجود بلاغات سابقة من دون معالجة سيحول الواقعة من حادث مفاجئ إلى إخفاق يستوجب المساءلة.

 

وفي النهاية، يظل غياب نتيجة رسمية حتى الآن مانعا لأي حكم قاطع بشأن سبب الانهيار، لكن تكرار حوادث العقارات منذ بداية 2026 يجعل الاكتفاء بانتظار الكارثة ثم إرسال فرق الطوارئ نهجا عاجزا عن توفير الحماية الاستباقية للسكان.

 

وبالمحصلة، يطالب أهالي جصفا اليوم بما يفترض أن يكون عملا دوريا للسلطات: شبكات صرف تعمل بلا تسرب، ومبان تخضع للفحص، وقرارات إزالة وترميم تنفذ، ومعلومات معلنة تمنح السكان فرصة النجاة قبل أن يصبح السقف ركاما.