شدد الاحتلال الإسرائيلي اليوم السبت، على رفض أي انسحاب لقواتها من مواقع انتشارها الحالية داخل قطاع غزة قبل تنفيذ نزع فعلي لسلاح حركة حماس، في موقف يتعارض مع الزخم الذي حاولت الإدارة الأمريكية إظهاره عقب إعلان التوصل إلى اتفاق جديد لتنفيذ خطة مجلس السلام وإنهاء الحرب تدريجيا.

 

ويأتي التشدد الإسرائيلي بينما ينص الاتفاق المعلن في 31 يوليو 2026 على مسار مرحلي يتضمن وقف العمليات العسكرية، ونزع سلاح الفصائل، وانتقال إدارة القطاع إلى لجنة فلسطينية جديدة، وانسحاب القوات الإسرائيلية تدريجيا بالتوازي مع تنفيذ مراحل الاتفاق والتحقق الدولي منها.

 

غير أن المواقف الصادرة من داخل الحكومة الإسرائيلية كشفت مبكرا حجم الفجوة بين الإعلان الأمريكي وإمكانية التنفيذ الميداني، إذ تتمسك تل أبيب ببقاء قواتها داخل ما يعرف بالمنطقة الصفراء إلى حين حصولها على ضمانات ترى أنها كافية بشأن تفكيك القدرات العسكرية لحماس.

 

وفي الوقت نفسه، استمرت الغارات وإطلاق النار والهدم داخل القطاع، بما يعكس هشاشة وقف إطلاق النار واستمرار قدرة إسرائيل على فرض وقائع ميدانية بالتوازي مع المفاوضات، وهو ما يضع الاتفاق أمام اختبار يتجاوز صياغة البنود إلى مسألة الالتزام الحقيقي بتنفيذها.

 

كما تواصلت العمليات الإسرائيلية في الضفة الغربية من اقتحامات واعتقالات ومداهمات، في مشهد يوسع نطاق الضغط على الفلسطينيين خارج غزة، ويعزز المخاوف من أن يؤدي التركيز على ترتيبات القطاع إلى تجاهل التصعيد المستمر في بقية الأراضي المحتلة.

 

 

خلاف مبكر حول الانسحاب

 

رفضت إسرائيل ربط انسحابها من خطوط الانتشار الحالية في غزة بمجرد الإعلان عن الاتفاق، وشددت على أن أي تحرك عسكري إلى الخلف سيظل مرتبطا بما تعتبره تقدما ملموسا في ملف نزع سلاح حماس وتفكيك بنيتها العسكرية والأنفاق.

 

ويحدد الاتفاق الأمريكي المعلن مسارا مختلفا نسبيا، إذ يربط الانسحاب الإسرائيلي بمراحل متتابعة من نزع السلاح وانتقال السيطرة الأمنية إلى هياكل فلسطينية وقوة استقرار دولية، بدلا من اشتراط إنهاء الملف العسكري بالكامل قبل بدء أي انسحاب.

 

ويشير ذلك إلى معركة تفسير مبكرة لبنود الاتفاق، حيث تريد إسرائيل الاحتفاظ بأكبر قدر ممكن من حرية الحركة العسكرية، بينما تحاول واشنطن تحويل الاتفاق إلى عملية متوازية تتحرك فيها ملفات نزع السلاح والانسحاب وإعادة الإدارة بصورة تدريجية.

 

وزاد وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير من حدة الخلاف عندما هاجم مسودة التفاهمات، معتبرا أنها غير مقبولة وأنها قد تمنح حماس فرصة لإعادة تنظيم صفوفها، في استمرار لمواقف اليمين الإسرائيلي الرافضة لأي تسوية تمنح الحركة وجودا سياسيا أو تنظيميا مستقبليا.

 

وتشير تقديرات إسرائيلية إلى أن بنيامين نتنياهو وافق على المسار الجديد تحت ضغط أمريكي كبير، لكنه يواجه في الداخل ائتلافا حكوميا يستطيع تحويل كل خطوة انسحاب إلى أزمة سياسية تهدد تماسك حكومته وربما استمراره في السلطة.

 

وفي المقابل، أعلنت حماس استعدادها للدخول في ترتيبات لنزع السلاح ضمن الاتفاق، بشرط وقف الهجمات الإسرائيلية وانسحاب القوات، ما يكشف أن كل طرف يضع تنفيذ التزام الطرف الآخر مقدمة لتنفيذ التزاماته هو، وهو ما قد يعطل التسلسل الزمني للخطة.

 

كما أن إسرائيل عززت خلال الأشهر الماضية وجودها على طول الخط الأصفر داخل غزة، وأقامت حواجز ومنشآت ترابية واسعة، في خطوات أثارت مخاوف من تحول الخط المؤقت إلى تقسيم فعلي طويل الأجل للأراضي الفلسطينية.

 

وبذلك يصبح النزاع حول الانسحاب جوهر الاتفاق وليس تفصيلا فنيا، لأن استمرار القوات الإسرائيلية داخل مساحات واسعة يعني أن وقف الحرب قد يتحول إلى إدارة جديدة للاحتلال العسكري بدلا من إنهائه فعليا.

 

 

قصف واغتيالات تحت الهدنة

 

بالتزامن مع الخلاف السياسي، واصل الجيش الإسرائيلي تنفيذ ضربات داخل القطاع، إذ شهدت مدينة غزة ومناطق الوسط والجنوب قصفا وإطلاق نار أدى إلى سقوط قتلى وجرحى، وسط اتهامات فلسطينية لإسرائيل بخرق اتفاق وقف إطلاق النار بصورة متكررة.

 

وفي حي الشيخ رضوان شمال غربي مدينة غزة، أصيب فلسطينيون في قصف استهدف تجمعا قرب إحدى الصيدليات، بينما شهدت دير البلح غارات أخرى طالت منازل ومناطق قرب مخيمات النازحين ومحيط مستشفى شهداء الأقصى.

 

كما أعلنت مصادر طبية فلسطينية مقتل محمود محمد فطاير متأثرا بجروح أصيب بها في قصف سابق على دير البلح، فيما تعرض منزل لعائلة أبو عمرة للقصف، وسجلت إصابات بين المدنيين في مناطق أخرى من المحافظة الوسطى.

 

وأفاد مستشفى شهداء الأقصى بأن غارة إسرائيلية دمرت مستودعا للأدوية والمستلزمات الطبية، في حادث يعيد تسليط الضوء على هشاشة القطاع الصحي بعد سنوات من الحرب والحصار ونقص الأدوية والمعدات والوقود.

 

وفي مدينة غزة، استهدفت طائرة مسيرة دراجة كهربائية قرب مسجد الاستجابة في حي الصبرة، ما أسفر عن إصابة فلسطيني بجروح خطيرة، بينما تعرضت منطقة الصفطاوي لقصف جوي جديد وسط استمرار تحليق الطيران الإسرائيلي.

 

وامتدت النيران إلى شرقي غزة ومخيم البريج ورفح، حيث أطلقت المدفعية والدبابات النار على مناطق مختلفة، فيما استهدفت الزوارق الحربية البحر قبالة القطاع، بالتزامن مع استمرار عمليات عسكرية على الأرض.

 

ويواجه الخط الأصفر نفسه انتقادات متزايدة بعدما سجلت وقائع إطلاق نار على فلسطينيين قالت إسرائيل إنهم تجاوزوه، في حين أفادت تقارير بأن الخط غير واضح أو غير محدد بصورة ثابتة في بعض المناطق، ما يجعله مصدرا دائما للاحتكاك والقتل.

 

وإلى جانب القصف، أعلنت إسرائيل تنفيذ سلسلة اغتيالات بحق فلسطينيين قالت إنهم ينتمون إلى فصائل مسلحة، في استمرار لسياسة الاستهداف الفردي التي ترى فيها تل أبيب جزءا من عملية منع إعادة بناء القدرات العسكرية داخل القطاع.

 

وقالت إسرائيل إنها قتلت الطبيب الفلسطيني عبد الرحيم الكردي، متهمة إياه بالعمل في الجناح العسكري لحماس والمشاركة في احتجاز رهائن إسرائيليين، بينما لم يقدم الجانب الفلسطيني تأكيدا مستقلا للرواية الإسرائيلية بشأن دوره العسكري.

 

كذلك أعلنت القوات الإسرائيلية استهداف محمد العبد وأحمد الأنقر، وقالت إن الأول كان مسؤولا عن الإمداد وتهريب الأسلحة وحفر أنفاق، بينما وصفت الثاني بأنه قيادي في الحركة، ضمن موجة اغتيالات متزامنة مع الحديث عن بدء تنفيذ اتفاق نزع السلاح.

 

 

الضفة تحت ضغط متصاعد

 

خارج غزة، واصل الجيش الإسرائيلي عملياته في الضفة الغربية، حيث اعتقل 6 فلسطينيين بينهم طفل خلال اقتحامات في محافظتي نابلس وبيت لحم، بينما طالت المداهمات عشرات المنازل والبلدات خلال الساعات الأخيرة.

 

وفي محافظة نابلس، داهمت القوات الإسرائيلية قرى عوريف وعينابوس وبرقة وعصيرة الشمالية، واعتقلت عددا من الفلسطينيين، كما احتجزت عشرات السكان داخل أحد المنازل الذي حولته إلى موقع للتحقيق الميداني قبل الإفراج عن معظمهم لاحقا.

 

وفي بيت لحم، اعتقلت القوات طفلا خلال اقتحام قرية وادي فوكين غرب المدينة، كما اعتقلت شابا عند حاجز الكونتينر العسكري، لتضاف الاعتقالات إلى حملة واسعة مستمرة منذ اندلاع الحرب في أكتوبر 2023.

 

وتشير بيانات فلسطينية إلى أن عدد المعتقلين منذ بدء الحرب وصل إلى عشرات الآلاف، فيما تصاعدت عمليات القتل والهدم ومصادرة الأراضي واقتحام المدن والمخيمات، بالتوازي مع توسع الاستيطان وتشديد القيود العسكرية على حركة الفلسطينيين.

 

ولا تبدو هذه التطورات منفصلة عن المشهد في غزة، إذ تخشى جهات فلسطينية من أن يؤدي الاتفاق الجديد إلى تثبيت معادلة يصبح فيها القطاع أكثر هدوءا مقابل استمرار التوسع الاستيطاني والعمليات العسكرية في الضفة دون قيود دولية جدية.

 

وتبرز هنا أزمة أساسية أمام الخطة الأمريكية، إذ تركز بنودها بصورة رئيسية على مستقبل غزة ونزع سلاح الفصائل وإعادة الإعمار، بينما تبقى قضايا الاحتلال والاستيطان والضفة والقدس ومستقبل الدولة الفلسطينية عناصر أكثر تعقيدا وأقل وضوحا.

 

وعلى الرغم من أن الاتفاق يتحدث عن فتح مسار نحو تطلعات الفلسطينيين لإقامة دولتهم، فإن التجربة السابقة تجعل التنفيذ موضع شك، خصوصا في ظل حكومة إسرائيلية تضم قوى تعارض إقامة دولة فلسطينية وترفض الانسحاب الكامل من الأراضي المحتلة.

 

وبالتالي، فإن الإعلان الأمريكي عن التوصل إلى اتفاق لا يعني أن الحرب انتهت، بل يكشف بداية مرحلة جديدة من الصراع على تفسير بنوده وتنفيذها، في وقت تواصل فيه إسرائيل استخدام القوة على الأرض بينما تطالب حماس بضمانات للانسحاب قبل تسليم سلاحها.

 

ويضع هذا التناقض خطة مجلس السلام أمام اختبارها الأصعب منذ اليوم الأول، فإما أن تستطيع واشنطن فرض التزام متبادل ومحدد زمنيا على إسرائيل وحماس، أو يتحول الاتفاق إلى هدنة هشة جديدة تواصل خلالها غزة دفع ثمن القصف والحصار وعدم اليقين.