كشفت جولة لمحافظة قنا داخل مستشفى قنا العام، الذي يعود مبناه إلى عام 1970، عن مرضى يفترشون الممرات ونقص مستلزمات وغياب خدمات، وانتهت بإقالة المدير محمد الديب وفتح تحقيقات إدارية موسعة.

 

وتأتي الواقعة في سياق صحي وسياسي يحمّل الموظف المحلي نتائج منظومة مركزية مثقلة بالديون والعجز، بينما يدفع المرضى الفقراء ثمن نقص الدواء وتهالك المباني، وتتحول معاناتهم إلى مادة للاستعراض التنفيذي أمام الكاميرات.

 

 

ديون تخنق التوريد

 

أوضح محمد الديب، المدير السابق ونقيب أطباء قنا، أن المستشفى كان يحدد احتياجاته وفق متوسط استهلاك 3 أشهر، ثم يرفع الطلبات إلى هيئة الشراء الموحد المسؤولة عن التعاقد والتوريد للمنشآت الحكومية.

 

وبحسب الديب، بدأت الأزمة حين وردت الشركات كميات أقل من الاحتياج الفعلي أو تأخرت في التسليم، فأصبحت بعض الأصناف غير كافية لتغطية المرضى، واضطرت الإدارة أحياناً إلى طلب شرائها من الخارج.

 

كما أكد أنه أرسل طلبات استعجال عبر المنظومة وخاطب مديرية الصحة، ولجأ إلى مخازن الوزارة عند توافر الأصناف، محاولاً منع تأجيل الجراحات والخدمات العلاجية رغم محدودية البدائل المالية والإدارية المتاحة للمستشفى.

 

في المقابل، قال مصدر مسؤول بمديرية الصحة إن المديرية كانت تتدخل لتوفير الاحتياجات، واتهم إدارة المستشفى بعدم استخدام صندوق الموارد الذاتية بفاعلية لشراء المستلزمات العاجلة عندما تتعطل مسارات التوريد المركزية.

 

غير أن تحميل الإدارة المحلية المسؤولية يتجاهل اعترافات متكررة بأزمة مستحقات شركات الأدوية، إذ بلغت مديونية هيئة الشراء الموحد لشركتي توزيع نحو 17.5 مليار جنيه خلال عام 2025، وفق تقارير صحفية موثقة.

 

وفوق ذلك، تجاوزت ديون الهيئة لشركات الأدوية والمستلزمات الطبية 40 مليار جنيه لاحقاً، بما أضعف قدرة الموردين على الإنتاج والاستيراد والاستمرار، وجعل نقص الأصناف نتيجة متوقعة لسياسة شراء مركزية بلا سيولة كافية.

 

وأكد علي عوف، رئيس شعبة الأدوية باتحاد الغرف التجارية، أن الحكومة اتجهت إلى جدولة المديونيات وسداد 10 مليارات جنيه كمرحلة أولى، ما يكشف أن اضطراب التوريد لم يكن مجرد تقصير داخل مستشفى بعينه.

 

لذلك، تبدو إقالة مدير المستشفى حلاً إدارياً سريعاً يخفي أزمة تمويل أعمق، فالمسؤول الذي لا يملك سلطة التعاقد أو سداد ديون الموردين يتحول إلى واجهة سهلة للعقاب بينما تبقى أسباب العجز بلا محاسبة.

 

 

مبنى يهدد المرضى

 

رصد محافظ قنا خلال جولته افتراش مرضى للممرات، وشراء أسر أدوية ومستلزمات من الخارج، وتدنياً في النظافة، كما انتقد غياب أطباء عن العيادات وتأخر جراحة طفل منذ يوم الجمعة حتى الثلاثاء.

 

ومن جهتها، قالت مديرية الصحة إن مستشفى قنا العام يضم نحو 40% من القوة البشرية للأطباء في المحافظة، معتبرة أن هذا الحجم ينفي وجود عجز عددي يبرر القصور الذي ظهر خلال الزيارة المفاجئة.

 

في حين نفى الديب خلو العيادات، مؤكداً أن عيادة الجراحة ضمت طبيبين أخصائيين وطبيباً مقيماً، وأن توزيع الأطباء بين العيادات والأقسام الداخلية يخضع لاحتياجات التشغيل وليس لمشهد لحظي التقطته الجولة.

 

علاوة على ذلك، أشار إلى أن شركة النظافة تتعاقد معها مديرية الصحة، وأن إدارة المستشفى حررت مذكرات ضدها ووقعت جزاءات وخصومات، بما يضع مسؤولية التدهور بين أطراف متعددة لا مدير واحد.

 

وبالتوازي، كشفت خطابات هندسية رسمية أن مبنى المستشفى القديم يعاني شروخاً بالعناصر الخرسانية وتآكلاً في حديد التسليح، وأن تكلفة تطويره تقترب من تكلفة إعادة إنشائه، ما يجعل الأزمة إنشائية أيضاً.

 

وبناءً على معاينة استشارية مؤرخة في 22 أبريل 2026، خلصت وزارة الصحة إلى عدم جدوى التطوير وأوصت بهدم المباني وإعادة إنشائها، وهو اعتراف رسمي بأن بيئة العلاج نفسها أصبحت غير آمنة.

 

ومع ذلك، ظل المستشفى يستقبل أعداداً متزايدة بطاقة محدودة وشبكات كهرباء ومياه وصرف تحتاج رفع كفاءة، بينما تعطلت مشروعات التطوير لأن تنفيذها يتطلب إخلاء المبنى بالكامل دون توفير بديل واضح للسكان.

 

وأشار الديب إلى أن فترة إدارته منذ عام 2015 شهدت إضافة العناية المركزة للكبار والأطفال والقسطرة والمناظير، وارتفاع أسرة العناية من 3 إلى 30 سريراً، بينها تجهيزات وفرها المجتمع المدني.

 

لكن مديرية الصحة ردت بأن وحدة القسطرة متوقفة حالياً، وأن ملاحظات التشغيل والنظافة والإدارة تخضع للفحص، ما يؤكد وجود قصور فعلي يستوجب التحقيق المهني دون اختزال الأزمة في إدانة علنية مسبقة.

 

 

محاسبة أمام الكاميرات

 

استنكرت نقابة الأطباء تعنيف محمد الديب أمام الكاميرات وإقالته قبل استكمال التحقيق، وقدمت شكوى إلى رئيس الوزراء ووزير الصحة ووزيرة التنمية المحلية، معتبرة أن المحاسبة يجب أن تجري وفق القانون لا الاستعراض.

 

وفي هذا الإطار، قال طارق منصور، مقرر اللجنة القانونية بالنقابة العامة للأطباء، إن إظهار وجوه المرضى وأفراد الطاقم في الفيديو يخالف ضوابط الخصوصية والقرارات المنظمة للتصوير داخل المنشآت الطبية الحكومية.

 

كذلك، استند منصور إلى قرار وزاري صادر في يناير 2021 يمنع التصوير بكافة صوره داخل المستشفيات والمعامل والإسعاف، حماية لخصوصية المرضى والعاملين، بما يطرح تساؤلات عن التزام المسؤول التنفيذي بالقواعد نفسها.

 

ومن ثم، لا يتعلق الاعتراض النقابي بمنع الرقابة أو حماية المقصرين، بل برفض تحويل المرضى والأطباء إلى خلفية بصرية لقرار سياسي، قبل سماع الدفاع وتحديد مسؤوليات الوزارة والمديرية وهيئة الشراء الموحد.

 

فضلاً عن ذلك، فإن تصوير المرضى في لحظات ضعفهم قد ينتهك كرامتهم وحقهم في السرية، خصوصاً حين تنشر الوجوه على صفحات رسمية دون موافقات واضحة، لتصبح المعاناة الصحية جزءاً من صناعة الصورة.

 

وعليه، تكشف قضية قنا عن 3 طبقات متداخلة من الفشل تشمل اضطراب التوريد وتآكل المبنى وضعف الإدارة، لكن السلطة اختارت إبراز الحلقة الأضعف، بدلاً من إعلان خطة تمويل وإنشاء ومساءلة تشمل جميع الجهات.

 

أخيراً، يحتاج المستشفى إلى جدول عاجل لتوفير الأصناف وسداد مستحقات الموردين، ومبنى بديل آمن، وتحقيق مستقل في أوجه القصور، مع حماية المرضى والأطباء من التشهير وضمان نشر نتائجه للرأي العام.

 

وتبعاً لذلك، لن تعيد الإقالات المنفردة الدواء إلى المخازن أو تصلح الخرسانة المتآكلة، لأن إنقاذ قنا يتطلب دولة تدير الصحة كحق إنساني، لا سلطة تستخدم الكاميرا لستر عجزها المالي والإداري المتراكم.