أثار استبعاد متقدمين مصابين بفيروس الالتهاب الكبدي بي من مسابقات تعيين المعلمين بوزارة التربية والتعليم في مصر جدلا برلمانيا واستياء واسعا، بعدما طالب المتضررون بكشف الأسس الطبية والقانونية للقرار، وانتهى الأمر بإعلان التحرك الرقابي داخل مجلس النواب.
ويربط هذا الاستبعاد بين إدارة حكومية تتعامل مع المرض كوصمة وظيفية، وبين مواطنين حرموا من حقهم في العمل رغم غياب خطر عدوى داخل الفصول، بما يكشف قسوة بيروقراطية تسبق العلم وتناقض خطاب تكافؤ الفرص.
إقصاء بلا تفسير
وبحسب شكاوى المتقدمين، فوجئ عدد منهم بإقصائهم من قوائم التعيين لمجرد ثبوت إصابتهم بالفيروس، من دون شرح تفصيلي للحالة الطبية أو بيان يوضح إن كان الاستبعاد مؤقتا أم نهائيا أو قابلا للتظلم.
كما أكد المتضررون أن بعضهم سبق أن عمل داخل المدارس بنظام الحصة، وتعامل يوميا مع الطلاب والمعلمين دون تسجيل واقعة عدوى، وهو ما يجعل قبولهم مؤقتا ثم رفضهم عند التعيين تناقضا يحتاج إلى تفسير رسمي.
ومن جهة أخرى، لا ينتقل فيروس الالتهاب الكبدي بي عبر التنفس أو المصافحة أو التعامل المعتاد، بل يرتبط انتقاله أساسا بالتعرض للدم أو السوائل الجسدية الملوثة، وفق ما استند إليه المتقدمون في اعتراضاتهم.
غير أن الوزارة لم تعلن حتى الآن، بحسب الشكاوى، بروتوكولا طبيا منشورا يحدد متى تصبح الإصابة مانعا من التعيين، وما الفحوص المعتمدة، وكيف تفرق اللجان بين العدوى الخاملة والحالة النشطة وتأثيرها الوظيفي.
وعلى هذا الأساس، يرى المستبعدون أن القرار لا يقيس القدرة على أداء العمل، بل يكتفي بنتيجة فحص تحمل اسم المرض، وهو ما يحول الإجراء الطبي من أداة تقييم إلى باب واسع للإقصاء.
وفي المقابل، لا يطلب المتقدمون تجاوز اشتراطات السلامة الصحية، وإنما يطالبون بمعايير علمية واضحة تطبق على الجميع، وتحدد الخطر الحقيقي المرتبط بطبيعة الوظيفة، بدل افتراض تهديد غير قائم داخل بيئة التدريس.
إضافة إلى ذلك، يثير غياب مسار واضح للتظلم مخاوف من ضياع فرص التعيين دون مراجعة مستقلة، خصوصا أن المسابقات ترتبط باحتياجات عاجلة للمدارس وبانتظار طويل تحمله المتقدمون للحصول على وظيفة مستقرة.
ومن الناحية الإنسانية، يعني الاستبعاد فقدان دخل محتمل لعدد من الأسر التي اعتمدت على المسابقة للخروج من البطالة أو العمل المؤقت، بينما يواجه المصاب عبئا مضاعفا يجمع بين المرض والحرمان من الوظيفة.
العلم ينفي الخطر
وطبقا للتوضيحات البرلمانية، لا تمثل الإصابة بالفيروس سببا طبيا كافيا لمنع المعلم من التدريس، لأن طبيعة عمله لا تتضمن تعرضا مباشرا للدم ولا تتيح مسارا معتادا لانتقال العدوى إلى الطلاب.
وبالتالي، فإن ربط وجود المصاب داخل الفصل بخطر صحي عام معلن يفتقر إلى أساس علمي واضح، ويغذي مخاوف اجتماعية قديمة من الأمراض المزمنة، بدل نشر الوعي الصحيح بطرق العدوى والوقاية.
وفي السياق نفسه، أوضح عضو مجلس النواب فريدي البياضي أن الإرشادات الطبية لا تمنع حتى بعض العاملين في المهن الصحية من ممارسة أعمالهم بمجرد الإصابة، ما لم ترتبط مهامهم بإجراءات عالية الخطورة وتعرض مباشر للدم.
ومن ثم، يصبح منع المعلم أكثر صعوبة في التبرير قانونيا وطبيا، لأن التدريس يعتمد على الشرح والتواصل والإدارة الصفية، وهي أنشطة لا تشكل في ذاتها طريقا لانتقال الفيروس بين المعلم والطلاب.
ومع ذلك، قد تستدعي بعض الحالات النشطة تقييما طبيا فرديا أو متابعة علاجية، لكن ذلك يختلف جذريا عن فرض حظر شامل على كل مصاب، بصرف النظر عن حالته وقدرته على العمل.
وعلاوة على ذلك، فإن تجاهل التفاوت بين الحالات الطبية يفرغ الفحص من مضمونه المهني، لأن الغرض منه يجب أن يكون تحديد القدرة الوظيفية، لا فرز المواطنين بحسب تشخيص قديم أو عدوى تحت السيطرة.
لذلك، يطالب المتضررون بعرض الحالات على لجان متخصصة في أمراض الكبد والصحة المهنية، مع منح كل متقدم تقريرا مفصلا يوضح أسباب القرار ودرجة النشاط الفيروسي ومدى تأثيره الفعلي على الوظيفة.
وفوق هذا، يخشى المصابون من أن يرسخ قرار الاستبعاد وصمة اجتماعية خطيرة تتجاوز مسابقة التعليم إلى قطاعات أخرى، فتتحول النتيجة الطبية إلى سجل دائم يحرمهم من العمل ويشجع التمييز المؤسسي.
ومن منظور الصحة العامة، لا تحمي القرارات المبنية على الخوف الطلاب، بل قد تدفع المصابين إلى إخفاء حالتهم وتجنب الفحوص، بينما تشجع السياسات العلمية الشفافة على العلاج والمتابعة والإفصاح الآمن.
الحقوق أمام البرلمان
وعلى المستوى الدستوري، تكفل المادة 14 من الدستور حق المواطنين في الوظائف العامة على أساس الكفاءة، بينما تحظر المادة 53 التمييز، بما يضع قرارات الاستبعاد أمام اختبار قانوني مباشر وواضح.
وبناء على ذلك، لا يكفي الاستناد إلى كشف طبي عام دون نص صريح يحدد المانع الوظيفي، لأن تقييد الحق في التعيين يحتاج إلى أساس قانوني واضح ومبرر متناسب مع طبيعة العمل.
ومن الوجهة القانونية، يضمن قانون التعليم تكافؤ الفرص بين المتقدمين، ولا يتضمن بحسب الطرح البرلماني نصا يمنع المصاب بمرض من التدريس ما دام قادرا على أداء مهامه ولا يعرض الآخرين للخطر.
وفي ضوء ذلك، يكتسب طلب الإحاطة البرلماني المرتقب أهمية كبيرة، لأنه يجبر الحكومة على إعلان الجهة التي أصدرت المعايير، والأساس الطبي المستخدم، ومدى مراجعة القرار من وزارتي الصحة والتربية والتعليم.
أما سياسيا، فإن صمت الوزارة يضاعف الأزمة، لأنه يترك المتقدمين تحت رحمة شائعات وتعليمات غير منشورة، ويحول حقهم في المعرفة إلى انتظار مفتوح أمام أبواب إدارية لا تقدم إجابات حاسمة.
وفي الوقت ذاته، تكشف الواقعة خللا أوسع في إدارة مسابقات التوظيف العام، حيث يمكن لفحص طبي غير مفسر أن يهدم سنوات من الدراسة والخبرة، دون ضمان فعلي لسماع اعتراض المتقدم أو مراجعة حالته.
وبالتوازي، يطالب المتضررون بإعادة فحص ملفات المستبعدين فورا ووقف أي استبعاد نهائي إلى حين صدور رأي طبي مستقل، مع تمكين المقبولين سابقا بنظام الحصة من الاستفادة من خبرتهم داخل المدارس.
وفي مواجهة ذلك، ينبغي نشر القواعد الصحية كاملة قبل فتح المسابقات المقبلة، حتى يعرف المتقدمون الشروط مسبقا، ولا يتحول الكشف الطبي إلى مرحلة غامضة تظهر بعد النجاح وتبدد آمال التعيين.
وأخيرا، تضع الأزمة الحكومة أمام مسؤولية تصحيح القرار أو تبريره بالأدلة، لأن العدالة الوظيفية لا تحتمل عقاب المواطن بسبب مرض غير ناقل بالمخالطة، ولا تسمح بتحويل الفحص الطبي إلى أداة تمييز.

