اتهم وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الولايات المتحدة بانتهاك مذكرة التفاهم الموقعة مع طهران، مؤكدا أن بلاده أوفت بالتزاماتها حتى الآن، وذلك بالتزامن مع إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انتهاء وقف إطلاق النار، رغم موافقته على استمرار المباحثات. وجاء التصعيد الكلامي بعد فرض واشنطن حزمة عقوبات جديدة استهدفت ممولين وشبكات صرافة قالت إنها تخدم القيادة الإيرانية والحرس الثوري، وفي أعقاب تجدد الهجمات على ناقلات النفط في مضيق هرمز وتبادل الضربات العسكرية، ما وضع الاتفاق الهش أمام اختبار قد يقود إما إلى إعادة التفاوض بشروط أشد، أو إلى انهيار المسار الدبلوماسي والعودة إلى مواجهة مفتوحة.
مذكرة تتهاوى تحت تجدد الهجمات
قال عراقجي في منشور على منصة إكس إن إيران حافظت على التزاماتها الواردة في مذكرة التفاهم، متهما وزير الخزانة الأمريكي بانتهاك الفقرة التاسعة منها. وأوضح أن هذه الفقرة تتعلق بعدم نشر الولايات المتحدة قوات عسكرية إضافية في المنطقة، وهو التزام ترى طهران أن واشنطن تراجعت عنه مع تعزيز وجودها العسكري واستمرار تنفيذ الضربات.
وتعكس تصريحات عراقجي خلافا يتجاوز تفسير بند واحد، إذ تتهم إيران الإدارة الأمريكية باستخدام التفاهم لفرض تهدئة مؤقتة قبل استئناف الضغوط العسكرية والاقتصادية. وفي المقابل، تحمل واشنطن طهران مسؤولية تجدد التصعيد، وتقول إن الهجمات الإيرانية على السفن والمنشآت في منطقة الخليج قوّضت أسس وقف إطلاق النار وأظهرت أن الحكومة الإيرانية إما غير قادرة على ضبط القوات التابعة لها، أو غير راغبة في ذلك.
وكان ترامب قد أعلن أن وقف إطلاق النار أصبح منتهيا، لكنه قال في الوقت نفسه إن الولايات المتحدة وإيران وافقتا على مواصلة المحادثات. وجاء هذا الموقف المزدوج بعد أيام من التصعيد، شملت هجمات على ناقلات قطرية وسعودية، وضربات أمريكية على مواقع داخل إيران، وردود إيرانية استهدفت قواعد ومصالح أمريكية في المنطقة.
ويكشف الجمع بين إنهاء الهدنة والإبقاء على باب التفاوض عن محاولة أمريكية لممارسة أقصى ضغط عسكري واقتصادي من دون إغلاق الطريق الدبلوماسي تماما. كما يتيح لترامب تقديم أي عودة إيرانية إلى المحادثات باعتبارها نتيجة للقوة، بينما تصر طهران على أن المفاوضات لا يمكن أن تنجح تحت القصف أو التهديد.
ولا تزال السيطرة على الملاحة في مضيق هرمز في قلب الخلاف، إذ تطالب الولايات المتحدة إيران بضمان علني ودائم لحرية مرور السفن وعدم فرض رسوم أو قيود عليها. أما طهران، فتتعامل مع المضيق باعتباره إحدى أهم أوراق الضغط التي تملكها في مواجهة العقوبات والعمليات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية.
عقوبات تضرب شبكات التمويل
بالتزامن مع الاتهامات الإيرانية، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات جديدة على 14 فردا وكيانا مرتبطين بالقيادة الإيرانية وشبكاتها المالية. وتصدر المستهدفين رجل الأعمال والمصرفي الإيراني علي أنصاري، المقيم في دبي، والذي وصفته واشنطن بأنه ممول رئيسي للمرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي.
وقالت الخزانة الأمريكية إن أنصاري أنشأ شبكة دولية واسعة تضم عقارات وأصولا تجارية، واستخدم أموالا عامة لإثراء نفسه ومسؤولين حكوميين وعناصر في الحرس الثوري. كما اتهمته بإدارة قنوات مالية تتيح للنخبة الإيرانية نقل الأموال والاستفادة منها خارج النظام المصرفي الرسمي الخاضع للعقوبات.
وشملت العقوبات ثلاث شركات صرافة كبيرة مقرها إيران، إلى جانب شركات واجهة في الخارج، قالت واشنطن إنها شاركت في تحويل مليارات الدولارات سنويا لمصلحة بنوك إيرانية معاقبة. وبحسب الرواية الأمريكية، استخدمت هذه الشبكات شركات وهمية وحسابات موزعة عبر دول عدة لإخفاء مصادر الأموال والمستفيدين الحقيقيين منها.
وأوضحت وزارة الخارجية الأمريكية أن العقوبات تستهدف قطع ما وصفته بشرايين الحياة المالية للنخبة الحاكمة، وتعطيل قدرتها على الوصول إلى النقد الأجنبي وإجراء المعاملات الدولية. وتعني الإجراءات تجميد أي أصول للمستهدفين داخل الولايات المتحدة أو تحت سيطرة أشخاص أمريكيين، ومنع المؤسسات والأفراد من التعامل معهم.
لكن توقيت العقوبات منح طهران دليلا إضافيا على ما تعتبره غياب النية الأمريكية لتنفيذ التفاهم بحسن نية. فبينما يفترض أن تفتح المذكرة طريقا نحو خفض التصعيد ومعالجة ملفات العقوبات والأصول المجمدة، وسعت واشنطن قائمة المستهدفين ووجهت ضربة جديدة إلى شبكات الصرافة التي تعتمد عليها إيران للالتفاف على القيود المالية.
ومن المنظور الأمريكي، لا تتعارض العقوبات مع التفاوض، بل تمثل وسيلة لدفع إيران إلى تقديم تنازلات في ملفات البرنامج النووي والملاحة وتمويل الحرس الثوري. غير أن التجارب السابقة أظهرت أن سياسة الضغط الأقصى قد تدفع طهران إلى التصعيد بدلا من التراجع، خصوصا عندما ترى القيادة الإيرانية أن تخفيف التوتر لم يؤد إلى مكاسب اقتصادية ملموسة.
مفاوضات معلقة فوق حافة الحرب
تدخل المباحثات الجديدة في بيئة شديدة التعقيد، بعدما فقد وقف إطلاق النار قيمته العملية، واستؤنفت الضربات المتبادلة، وتصاعدت التهديدات الأمريكية بتنفيذ عمليات أوسع. وقال ترامب إن قوات بلاده مستعدة لشن هجمات شاملة إذا واصلت إيران استهداف الملاحة أو هددت المصالح الأمريكية، بينما تؤكد طهران أنها سترد على كل اعتداء.
ورغم إعلان ترامب موافقته على مواصلة التفاوض، نفت إيران أن تكون قد بادرت إلى محادثات مباشرة، وقالت إن جهود الوساطة تجري عبر قطر ودول أخرى. ويعكس هذا التباين رغبة كل طرف في الظهور بموقع من لا يطلب التفاوض تحت الضغط، مع استمرار الاتصالات غير المباشرة لمنع خروج التصعيد عن السيطرة.
وتبدو الفقرة التاسعة التي أشار إليها عراقجي نقطة خلاف قابلة للتوسع، لأن طهران قد تعتبر أي زيادة في عدد القوات أو السفن أو أنظمة الدفاع الأمريكية خرقا للتفاهم. أما واشنطن فقد تجادل بأن الانتشار العسكري جاء ردا على الهجمات الإيرانية، وأن مذكرة التفاهم لا تمنعها من حماية قواتها أو حركة التجارة الدولية.
كما أن إعلان انتهاء وقف إطلاق النار يثير تساؤلات بشأن مصير بقية بنود المذكرة، وخاصة ما يتعلق بوقف العمليات العسكرية، وفتح مضيق هرمز، والمفاوضات النووية، والعقوبات، والأصول الإيرانية المجمدة. وإذا اعتبر كل طرف أن الآخر بدأ الخرق، فقد يتحول الاتفاق من إطار للتهدئة إلى وثيقة يستخدمها الجانبان لتبرير التصعيد.
وتواجه المنطقة مخاطر تتجاوز العلاقات الأمريكية الإيرانية، إذ يؤدي اضطراب مضيق هرمز إلى تهديد إمدادات الطاقة العالمية ورفع أسعار النفط وتكاليف الشحن والتأمين. كما أن انتشار القوات الأمريكية واستهداف القواعد في الخليج قد يجر دولا أخرى إلى المواجهة، حتى إن كانت تسعى إلى لعب دور الوسيط.
ويشير استمرار المحادثات رغم انهيار الهدنة إلى أن الطرفين يدركان تكلفة الحرب الشاملة. فالولايات المتحدة لا تريد الغرق في صراع طويل يهدد حلفاءها وأسواق الطاقة، فيما تعاني إيران ضغطا اقتصاديا وعسكريا متزايدا، لكنها ترفض الظهور بمظهر الطرف الذي استسلم للعقوبات والقصف.
وفي المحصلة، جاءت رسالة عراقجي لتثبيت الرواية الإيرانية قبل انطلاق أي جولة جديدة، ومفادها أن طهران التزمت بينما خرقت واشنطن الاتفاق. أما الإدارة الأمريكية، فتستخدم العقوبات والقوة العسكرية لفرض شروطها على المفاوضات، ما يجعل نجاحها رهنا بوقف الضربات وتحديد معنى الالتزام ببنود المذكرة وضمان تنفيذها، وإلا ستبقى التفاهمات مجرد فواصل قصيرة بين جولات حرب أكثر اتساعا.

