دخلت الجامعات الأميركية واحدة من أصعب المراحل المالية في تاريخها الحديث، بعدما تسببت سياسات الهجرة المتشددة التي انتهجتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في تراجع ملحوظ بأعداد الطلاب الدوليين، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على إيرادات مؤسسات التعليم العالي، ودفع العديد منها إلى إلغاء برامج أكاديمية، وتسريح آلاف الموظفين، وتأجيل مشروعات توسعية، وسط تحذيرات من اتساع الأزمة خلال السنوات المقبلة.
وتكشف مؤشرات مالية وتعليمية حديثة أن الجامعات الأميركية أصبحت تواجه ضغوطًا متزايدة نتيجة اعتمادها الكبير خلال السنوات الماضية على الرسوم الدراسية التي يسددها الطلاب الأجانب، الذين يمثلون مصدرًا رئيسيًا للدخل، في ظل تراجع أعداد الطلاب الأميركيين منذ أكثر من عقد.
انخفاض متواصل في أعداد الطلاب الدوليين
وأفادت صحيفة "واشنطن بوست" بأن الجامعات الأميركية بدأت تشهد انخفاضًا واضحًا في أعداد الطلاب الوافدين منذ بداية عام 2026، إذ تراجع عددهم بنسبة 5% خلال شهر مارس مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، قبل أن يرتفع معدل الانخفاض إلى نحو 8% خلال شهر أبريل.
كما أظهرت البيانات أن عدد الطلاب الذين وصلوا إلى الولايات المتحدة خلال موسم الصيف الماضي انخفض بنحو 22% مقارنة بصيف عام 2024، في مؤشر وصفه خبراء التعليم بأنه من أكبر التراجعات التي شهدها قطاع التعليم العالي الأميركي خلال السنوات الأخيرة.
ويربط مراقبون هذا الانخفاض مباشرة بالإجراءات التي اتخذتها إدارة ترامب بشأن الهجرة، والتي تضمنت تشديد منح التأشيرات، وإلغاء عدد منها، وفرض قيود إضافية على السفر، إلى جانب زيادة عمليات الترحيل، وهو ما دفع كثيرًا من الطلاب إلى إعادة النظر في الدراسة داخل الولايات المتحدة.
موديز تحذر من مخاطر ائتمانية
وحذرت وكالة "موديز" للتصنيف الائتماني من أن استمرار انخفاض أعداد الطلاب الدوليين سيؤدي إلى ضغوط مالية كبيرة على الجامعات والكليات الأميركية، الأمر الذي قد ينعكس على تصنيفاتها الائتمانية ويهدد استقرارها المالي.
وأكدت الوكالة أن المؤسسات الأكثر عرضة للخطر هي الجامعات التي تعتمد بصورة كبيرة على الطلاب الدوليين، والتي تمثل نحو 15% من إجمالي مؤسسات التعليم العالي في الولايات المتحدة.
وأوضحت أن فقدان هذه الإيرادات قد يدفع العديد من الجامعات إلى اتخاذ إجراءات تقشفية واسعة تشمل تقليص الإنفاق، وخفض أعداد العاملين، وإلغاء تخصصات وبرامج أكاديمية كاملة.
أكثر من 300 جامعة تقلص إنفاقها
وتشير بيانات قاعدة "College Cuts" المتخصصة في رصد تخفيضات الإنفاق داخل الجامعات الأميركية إلى أن أكثر من 300 جامعة وكلية اتخذت منذ يناير 2024 إجراءات تقشفية متنوعة.
وشملت هذه الإجراءات إغلاق أقسام أكاديمية، وإلغاء برامج تعليمية، والاستغناء عن أعضاء هيئة التدريس والموظفين، في وقت أكدت فيه إدارات العديد من هذه المؤسسات أن السبب الرئيسي يعود إلى انخفاض أعداد الطلاب الدوليين وما ترتب عليه من تراجع في الإيرادات.
الطلاب الأجانب يمثلون العمود المالي للجامعات
ورغم أن الطلاب الدوليين يشكلون نسبة محدودة من إجمالي الملتحقين بالتعليم العالي في الولايات المتحدة، فإن تأثيرهم المالي يفوق حجمهم العددي بكثير.
فوفق دراسة أجرتها جامعة برينستون، يمثل الطلاب الدوليون نحو 6% فقط من إجمالي الطلاب، إلا أنهم يساهمون بنحو 12% من إجمالي إيرادات الجامعات، وهي أرقام تعود إلى عام 2016، أي قبل الزيادة الكبيرة التي شهدتها أعداد الطلاب الأجانب خلال السنوات اللاحقة.
ويؤكد خبراء الاقتصاد أن هذه النسبة أصبحت اليوم أعلى من ذلك، ما يجعل أي انخفاض في أعداد الطلاب الدوليين ينعكس بصورة مباشرة على الموازنات المالية للجامعات.
جامعة شمال تكساس تكشف حجم الخسائر
ومن أبرز الأمثلة على تداعيات الأزمة، ما كشفه رئيس جامعة شمال تكساس هاريسون كيلر، الذي أوضح أن إجراءات إدارة ترامب الخاصة بالهجرة حالت دون التحاق نحو 2800 طالب دولي بالجامعة.
وأشار إلى أن فقدان هذا العدد تسبب في عجز مالي بلغ 45 مليون دولار خلال فصل الخريف فقط، الأمر الذي اضطر الجامعة إلى إلغاء 71 برنامجًا أكاديميًا.
وأضاف أن كل طالب دولي يضيف ما بين 20 ألفًا و25 ألف دولار إلى الإيرادات الصافية للجامعة، وهو ما يساعد في تمويل الخدمات الجامعية والإبقاء على الرسوم الدراسية للطلاب الأميركيين عند مستويات منخفضة.
خبراء الاقتصاد: الطلاب الأجانب يمولون التعليم الأميركي
ويرى أستاذ الاقتصاد بجامعة كاليفورنيا، ديك ستارتز، أن الطلاب الدوليين يدفعون رسومًا دراسية تزيد بأكثر من ثلاثة أضعاف ما يدفعه الطلاب المحليون، وهو ما يوفر مصدرًا أساسيًا لتمويل المنح والمساعدات المالية المقدمة للطلاب الأميركيين.
كما يؤكد أستاذ الاقتصاد بجامعة ولاية أريزونا، دومينيكو فيرارو، أن كثيرًا من الأسر الأميركية لا تدرك مدى اعتماد الجامعات على الرسوم التي يدفعها الطلاب الأجانب، والتي أصبحت عنصرًا رئيسيًا في الحفاظ على استقرار المؤسسات التعليمية.
موجة واسعة من إلغاء الوظائف
وامتدت الأزمة إلى عدد كبير من الجامعات الأميركية، التي اضطرت إلى تقليص العمالة بشكل واسع.
فقد أعلنت جامعة "نورث وسترن" أن انخفاض أعداد الطلاب الدوليين كان من الأسباب الرئيسية التي دفعتها إلى إلغاء 425 وظيفة، إلى جانب تجميد التوظيف وتأجيل عدد من مشروعات البناء.
وفي السياق نفسه، تخلت جامعة جنوب كاليفورنيا عن نحو ألف وظيفة، من بينها وظائف مستشارين أكاديميين، بعد انخفاض طلبات الالتحاق من الطلاب الدوليين بنسبة بلغت 23%.
أما جامعة ديبول، فقد سرحت 114 موظفًا بعد تراجع عدد طلابها الدوليين بنسبة 30%، بينما انخفض عدد طلاب الدراسات العليا الأجانب إلى نحو ثلث مستواه السابق.
وتؤكد هذه الأمثلة أن الأزمة لم تعد مقتصرة على الجامعات الصغيرة، وإنما باتت تطال مؤسسات تعليمية كبرى كانت تعتمد بصورة كبيرة على الإيرادات القادمة من الطلاب الوافدين.
سياسة توسع تحولت إلى نقطة ضعف
ويرى محللون أن الجامعات الأميركية ساهمت، بشكل غير مباشر، في زيادة هشاشتها أمام هذه الأزمة.
فمع انخفاض أعداد الطلاب المحليين بنحو مليوني طالب منذ عام 2010، اتجهت معظم الجامعات إلى تعويض هذا التراجع عبر استقطاب الطلاب الدوليين، الذين ارتفع عددهم خلال الفترة نفسها بأكثر من 60% ليقترب من 1.2 مليون طالب، بحسب بيانات معهد التعليم الدولي.
لكن هذا الاعتماد المتزايد على مصدر واحد للإيرادات جعل الجامعات أكثر عرضة للصدمات الناتجة عن أي تغيرات في سياسات الهجرة أو المنافسة العالمية على التعليم الدولي.
منافسة دولية متزايدة
وتشير "واشنطن بوست" إلى أن التحديات التي تواجه الجامعات الأميركية لم تبدأ مع سياسات ترامب فقط، بل سبقتها عوامل أخرى، من بينها تزايد المنافسة من جامعات في دول مختلفة، وتراجع الحصة الأميركية في سوق التعليم الدولي، مع توجه أعداد متزايدة من الطلاب نحو وجهات بديلة توفر إجراءات هجرة أكثر مرونة ورسومًا أقل.
كندا تواجه الأزمة نفسها
ولم تقتصر تداعيات انخفاض الطلاب الدوليين على الولايات المتحدة، إذ تواجه كندا أزمة مشابهة بعد قرار الحكومة فرض سقف على أعداد الطلاب الأجانب منذ عام 2024.
وأدى القرار إلى انخفاض أعداد الطلاب الدوليين بنسبة 73%، وسط تبريرات حكومية تتعلق بأزمة السكن والضغوط المتزايدة على الخدمات العامة.
وتظهر بيانات هيئة الإحصاء الكندية أن الطلاب الدوليين يدفعون رسومًا دراسية تعادل نحو ستة أضعاف ما يدفعه الطلاب الكنديون، وهو ما جعلهم مصدرًا رئيسيًا لتمويل الجامعات.
وقدرت شركة "HESA" للاستشارات أن ثلاثة أرباع إيرادات الرسوم الدراسية في مقاطعة أونتاريو تأتي من الطلاب الدوليين، بينما توقع مجلس جامعات أونتاريو خسائر تصل إلى نحو 1.5 مليار دولار بحلول نهاية العام، الأمر الذي دفع الجامعات إلى تنفيذ تخفيضات واسعة في البرامج والخدمات، في وقت كشف فيه استطلاع للرأي أن نحو 60% من الجامعات والكليات الكندية تخطط لإجراء مزيد من تقليص الميزانيات.

