كشفت شكاوى أهالي قرية دوار جبلة في محافظة الفيوم أن 14 شهرا من انقطاع مياه الشرب دفعت السكان إلى الصهاريج والخزانات والعبوات والآبار والترع، وحولت الحق الأساسي في الماء إلى معركة يومية للبقاء.
وفي سياق أوسع، تكشف المأساة وجها قاسيا لدولة ترفع شعارات التنمية بينما تترك قرية كاملة للعطش، ثم تنقل كلفة الفشل إلى جيوب مواطنين أنهكتهم الأسعار وتدفعهم نحو بدائل قد تهدد صحتهم وحياتهم.
14 شهرا من العطش و9 شكاوى في أدراج الحكومة
وبدايةً، يقول رمضان سلامة، من أهالي القرية، إن الانقطاع المتكرر سببه ضعف الخط الخاص بدوار جبلة والمتصل بالخط الرئيسي القادم من طريق معصرة صاوي في اتجاه كفر محفوظ، ما أبقى البيوت بلا خدمة مستقرة.
وعلى امتداد الأزمة، لم يكتف السكان بالشكوى الشفهية، بل تقدموا بمذكرات فردية وجماعية إلى مجلس الوزراء، وسجلوا سلسلة طويلة من البلاغات الرسمية، من دون أن يحصلوا على حل جذري يوقف انقطاع المياه المستمر.
وبالأرقام، حملت شكاوى الأهالي الأرقام 10284319 و10421994 و10900121 و10698935 و10795770 و10570176 و10640254 و12071450 و12485032، وهي حصيلة تكشف أن المشكلة لم تكن مجهولة للسلطات، بل موثقة ومكررة ومؤجلة بقرار إداري صامت.
ومن زاوية الحقوق، شدد الخبير الأممي بيدرو أروخو أغودو، المقرر الخاص المعني بالحق في المياه، على ضرورة ضمان حد أدنى أساسي من المياه المأمونة، خصوصا للفئات محدودة الدخل والمحرومة من الخدمة المستقرة.
وبهذا المعيار، لا تبدو دوار جبلة مجرد منطقة تعاني عطلا فنيا، بل حالة تكشف سقوطا في ضمان الحد الأدنى من حق إنساني، بعدما صار الحصول على الماء مرهونا بالمال والقدرة على شراء البدائل.
وفي المقابل، لا تقدم كثرة الشكاوى أي عزاء للأهالي، لأن النظام الذي يستقبل البلاغات من دون نتيجة يحول منصات الشكوى إلى مخزن للأرقام، ويمنح البيروقراطية وسيلة لامتصاص الغضب بدلا من إصلاح الخدمة.
ومن ثم، فإن استمرار الأزمة منذ مايو 2025 يهدم أي حديث رسمي عن الاستجابة السريعة، فالمشكلة تجاوزت حدود العطل الطارئ إلى حرمان ممتد، بينما بقي المواطن محاصرا بين الصمت الحكومي وكلفة شراء المياه.
وفوق ذلك، يجبر الانقطاع الأسر على إعادة ترتيب حياتها حول مواعيد الصهاريج وتخزين المياه والبحث عن مصدر بديل، وهو عبء يلتهم الوقت والدخل ويضاعف معاناة النساء وكبار السن والأطفال داخل البيوت.
الأهالي دفعوا ثمن الإصلاح فضاعت الأموال وبقي العطش
أما المفارقة، فهي أن الجهة المسؤولة عاينت الخط واعترفت بسوء حالته، وحددت وجود أكثر من كوع وانسداد، ثم اقترحت إحلاله وتجديده بطول 300 متر، بدلا من تحمل مسؤولية إصلاح أصل الخدمة العامة.
وبصورة أكثر فجاجة، طالبت الجهة الأهالي بتحمل نفقات شراء المهمات والحفر، فانتقلت الحكومة من موقع مقدم الخدمة إلى موقع المحصل، وأصبح المواطن مطالبا بتمويل بنية تحتية يفترض أنه دفع ثمنها عبر الضرائب والفواتير.
ولأن العطش لا يسمح بالانتظار، استجاب السكان ودفعوا من أموالهم الخاصة أملا في إنهاء الأزمة، لكنهم فوجئوا لاحقا بأن الخط غير صالح للإحلال والتجديد، فضاعت الأموال وبقيت المياه غائبة واستمر العطل بلا حل.
وفي المحصلة، دفع الأهالي مرتين، مرة حين حرموا من خدمة أساسية، ومرة حين تحملوا كلفة مشروع لم ينجح، بينما لم تعلن جهة رسمية حتى الآن مسؤوليتها عن الأموال المهدرة أو خطة لتعويض أصحابها.
ومن منظور هندسي، يوضح الدكتور عباس شراقي، أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية، أن نحو 25 بالمئة من المياه قد تفقد بسبب الكسور وتهالك المواسير والتسرب، ما يجعل الإحلال والتجديد ضرورة لا ترفا مؤجلا.
وعلى ضوء ذلك، يفضح خط دوار جبلة المتهالك خللا أوسع في إدارة الشبكات، لأن معالجة الانسداد بالكلام أو بتحميل الأهالي النفقات لا توقف الفاقد، ولا تضمن ضغطا كافيا، ولا تؤسس لخدمة يمكن الوثوق بها.
علاوة على ذلك، تصبح وعود تحسين الكفاءة بلا قيمة عندما تترك خطوط صغيرة متقادمة لخدمة تجمعات سكانية لسنوات، ثم تتحرك الأجهزة بعد تراكم الشكاوى، وكأن حياة المواطنين أقل أهمية من الجداول والموافقات والمكاتبات.
وبناء على ذلك، لا يمكن وصف ما حدث بأنه سوء تقدير فني عابر، لأن مطالبة الأهالي بالدفع ثم اكتشاف عدم صلاحية الحل تكشف غياب الدراسة المسبقة، وضعف المحاسبة، وترك المواطنين يتحملون ثمن القرار الخاطئ.
أزمة تتسع في الفيوم ومخاطر صحية تحت غطاء الوعود
وفي الوقت نفسه، لا يقتصر العطش على دوار جبلة، فقد ناقش اجتماع رسمي حديث نقص مياه الشرب في قرى وعزب عديدة بالفيوم، ما يكشف أن الأزمة أوسع من نقطة معزولة وأن الشبكة تعاني اختلالات ممتدة.
ومن بين المناطق، برزت سيلا وعزبة مهدي بك وعزبة زكريا وقصر بياض والغرق وعزب أخرى، وهي قائمة طويلة تنسف محاولة اختزال المشكلة في حادث محلي، وتضع المحافظة أمام أزمة توزيع وخدمات لا حالة فردية.
وفي هذا السياق، وجه محافظ الفيوم بسرعة دراسة أوضاع المناطق المتضررة وتوفير المياه النقية، لكن لغة التوجيهات المتكررة تبدو ضعيفة أمام قرية انتظرت 14 شهرا، لأن المواطن يحتاج ماء يصل إلى الصنبور لا تعليمات جديدة.
ومن الناحية الصحية، حذر خبير السموم الدكتور محمود عمرو من أن المياه غير المعالجة والمحمّلة بالمواد الضارة قد تقود إلى مخاطر صحية وخيمة، وهو ما يضاعف خطورة اضطرار السكان إلى مصادر بديلة غير مضمونة.
وبالتالي، فإن اللجوء إلى الترع أو الآبار ليس تفصيلا هامشيا يمكن تجاهله، بل نتيجة مباشرة لانهيار الخدمة، حيث تدفع الدولة المواطنين نحو خيارات قد تحمل أخطارا صحية ثم تتركهم وحدهم أمام كلفة العلاج والقلق.
ولزيادة القلق، أكد الخبير الأممي بيدرو أروخو أن بعض التصريفات السامة قد تؤثر في جودة المياه من دون أن يكشفها الطعم أو الرائحة أو أعراض فورية، ما يجعل الاعتماد على مصادر غير مراقبة مغامرة قسرية.
غير أن الخطاب الرسمي يراهن مجددا على توسعات محطة العزب الجديدة، التي قيل إن تشغيلها سيسهم في تحسين الخدمة، بينما تكشف تجربة دوار جبلة أن زيادة الإنتاج وحدها لا تكفي إذا بقيت نهايات الشبكات متهالكة.
ولهذا، فإن الترويج للمحطات الكبرى لا يعفي المسؤولين من إصلاح الخطوط المحلية التي تنقل المياه فعليا إلى البيوت، فالمواطن لا يشرب من أرقام الطاقة الإنتاجية، بل من شبكة يجب أن تكون صالحة وعادلة ومستقرة.
وأخيرا، تختصر دوار جبلة منظومة كاملة من الفشل، 14 شهرا من العطش، و9 شكاوى موثقة، وأموال دفعها الأهالي بلا جدوى، واجتماعات ووعود جديدة، بينما يبقى السؤال الأبسط بلا إجابة، متى تصل المياه إلى الناس.

