تجددت شكاوى مرضى الفشل الكلوي في مصر من اختفاء مستحضرات الإريثروبويتين، المعروفة تجاريًا بحقن إيبريكس، داخل منافذ الهيئة العامة للتأمين الصحي وصيدليات العلاج على نفقة الدولة، لتتحول أزمة دواء حيوي إلى تهديد مباشر لحياة نحو 59 ألف مريض يعتمدون على جلسات الغسيل الكلوي الدورية، ويواجهون خطر الأنيميا الحادة، في ظل عجز كثير من الأسر عن تدبير بدائل مستوردة بأسعار باهظة من السوق الموازية.

 

الأزمة لا تتعلق بنقص مستحضر علاجي عادي يمكن تأجيله أو استبداله بسهولة، بل بحقن تمثل خط دفاع أساسيًا أمام هبوط الهيموجلوبين وتدهور وظائف الجسم لدى مرضى الغسيل الكلوي. ومع غيابها عن منافذ التأمين الصحي والعلاج على نفقة الدولة، يجد المرضى غير القادرين أنفسهم أمام معادلة قاسية: إما البحث عن الدواء خارج المنظومة الرسمية بأسعار مرهقة، أو انتظار تدهور صحي قد يقود إلى مضاعفات خطيرة تصل إلى هبوط مفاجئ في الدورة الدموية.

 

حقن الإيبريكس بين الغياب والخطر الطبي

 

بحسب أطباء الكلى، تكتسب حقن الإريثروبويتين أهميتها من كونها المحفز الأساسي والوحيد للنخاع العظمي لإنتاج خلايا الدم الحمراء. ومرضى الغسيل الكلوي، بحكم طبيعة جلسات الترشيح الصناعي المتكررة، يفقدون كميات كبيرة من الدم ومادة الهيموجلوبين بصورة مستمرة، ما يجعلهم في حاجة دائمة إلى هذا العقار للحفاظ على الحد الأدنى من قدرة الجسم على العمل.

 

غياب هذه الحقن لا يعني مجرد شعور بالإرهاق، بل يفتح الباب أمام هبوط حاد في وظائف الجسم، ووهن شديد، وتراجع القدرة على الحركة، وإجهاد مباشر لعضلة القلب. ومع استمرار النقص، قد تتطور الحالة إلى هبوط مفاجئ في الدورة الدموية، وهو ما يجعل الأزمة أقرب إلى تهديد يومي للحياة لا إلى نقص مؤقت في دواء.

 

وفي الحالات التي لا يجد فيها الأطباء حقن الإريثروبويتين، يصبح خيار نقل الدم المتكرر حاضرًا كبديل اضطراري، لكنه بديل محفوف بمخاطر مناعية كبيرة. وهنا تظهر خطورة الأزمة بصورة أوسع، لأن المريض الذي كان يحتاج إلى دواء منتظم يحافظ على استقراره، قد يُدفع إلى تدخلات أكثر تعقيدًا وكلفة ومخاطرة بسبب فشل التوريد أو تأخر التوزيع.

 

وتتضاعف المأساة لأن المرضى المتضررين ليسوا فئة صغيرة أو عابرة، بل آلاف من أصحاب الأمراض المزمنة الذين يرتبط بقاؤهم الصحي بنظام علاجي منتظم لا يحتمل الانقطاع. فمريض الفشل الكلوي لا يملك رفاهية الانتظار، ولا يستطيع تعليق احتياجه للحقن حتى تنتهي أزمة الإنتاج أو تتحسن حركة التوزيع.

 

الأزمة الرسمية وسلاسل التوريد

 

من جانبها، أوضحت مصادر رسمية بوزارة الصحة أن الأزمة تضاعفت بسبب ضغوط في سلاسل التوريد، إلى جانب عطل فني طارئ في أحد خطوط الإنتاج التابعة لشركة كبرى مسؤولة عن توفير البدائل المحلية لهذا العقار الحيوي. هذا التفسير يكشف أن نقص الدواء لم يكن نتيجة سبب واحد، بل حصيلة خلل في الإنتاج والتوريد والتوزيع معًا.

 

ورغم إعلان الوزارة عن بدء عودة خطوط الإنتاج للعمل وضخ كميات جديدة بالأسواق للتغلب على الفجوة، فإن وتيرة التوزيع لا تزال تواجه تكدسًا، بحسب ما تعكسه استغاثات المرضى. وهنا تصبح الأزمة معلقة بين تصريح رسمي يتحدث عن عودة الإنتاج، وواقع ميداني لا يزال يشهد نقصًا في منافذ التأمين الصحي وصيدليات العلاج على نفقة الدولة.

 

الأخطر أن فجوة التوزيع تضرب الفئة الأكثر هشاشة، وهي فئة المرضى الذين يعتمدون على التأمين الصحي أو قرارات العلاج على نفقة الدولة. هؤلاء لا يملكون غالبًا القدرة على شراء الدواء من الخارج، ولا يستطيعون دفع تكلفة الجرعات المستوردة بانتظام، ما يجعل النقص داخل المنظومة العامة تهديدًا مباشرًا لحياتهم لا مجرد أزمة خدمة.

 

وتشير الأسعار المتداولة إلى أن العبوة الواحدة من حقن إيبريكس 4000 المستوردة، التي تحتوي على 6 سرنجات معبأة، يتراوح سعرها بين 2800 و3500 جنيه. هذا الرقم وحده يكفي لإظهار حجم العبء على الأسر محدودة الدخل، خاصة أن مريض الغسيل الكلوي لا يحتاج إلى جرعة واحدة عابرة، بل إلى علاج متكرر مرتبط باستمرار حالته.

 

وفي المقابل، تتوفر بعض البدائل المحلية بأسعار أقل، إذ يتراوح سعر الحقنة المنفردة بين 85 جنيهًا لتركيز 2000 وحدة، ونحو 195 إلى 275 جنيهًا للتراكيز الأعلى مثل 4000 و10000 وحدة دولية. لكن انخفاض السعر مقارنة بالمستورد لا يعني أن العبء بسيط، لأن الحاجة المزمنة لعدة جرعات أسبوعيًا تحول هذه المبالغ إلى نزيف مالي ثابت.

 

59 ألف مريض أمام عبء لا يرحم

 

تكشف بيانات وزارة الصحة والسكان أن عدد مرضى الغسيل الكلوي في مصر يبلغ نحو 59 ألف مريض. وتتلقى النسبة الأكبر منهم، البالغة 63.3%، الخدمة الطبية والعلاجية مجانًا داخل 397 مركزًا حكوميًا تابعًا للوزارة، بما يعادل نحو 37 ألف مريض يعتمدون بدرجة كبيرة على انتظام الخدمة العامة وتوافر الدواء داخل المنظومة الرسمية.

 

أما بقية المرضى فيتوزعون بين مستشفيات القطاع الخاص والجمعيات الأهلية بنسبة 28.3%، والمستشفيات الجامعية والعسكرية بنسبة 8.4%. هذا التوزيع يوضح أن الدولة ليست طرفًا هامشيًا في علاج الفشل الكلوي، بل هي العمود الرئيسي للخدمة، وأي خلل في توفير الحقن داخل منظومتها ينعكس مباشرة على عشرات الآلاف من المرضى.

 

وتتحمل الدولة تكلفة تتجاوز 5.3 مليار جنيه سنويًا لتغطية قرارات العلاج على نفقة الدولة والتأمين الصحي، مع إجراء ما يقرب من 9.2 مليون جلسة غسيل كلوي سنويًا عبر أكثر من 15 ألف ماكينة غسيل مجهزة في الجمهورية. غير أن ضخامة الأرقام لا تكفي إذا غاب الدواء المكمل الذي يحمي المريض من الأنيميا الحادة ومضاعفاتها.

 

وتشير الإحصاءات الطبية إلى أن مرضى ضغط الدم المرتفع والسكري يمثلون حوالي 49% من إجمالي حالات الفشل الكلوي في مصر، ما يجعلهما القوة الدافعة الأساسية للإصابة. وتزداد الأزمة مع تحديات الكشف المتأخر وسوء الاستخدام العشوائي للمسكنات والمضادات الحيوية، بما يرفع معدلات الاحتياج إلى الغسيل الكلوي.

 

وتسجل مصر معدلات إصابة واحتياج للغسيل الكلوي تصل إلى 650 حالة لكل مليون نسمة، وهي نسبة تفوق ضعف المعدلات العالمية، بحسب النص. وهذا الانتشار الواسع يضع أزمة الإيبريكس في موضع شديد الحساسية، لأن أي نقص في دواء داعم لمرضى الغسيل لا يضرب أفرادًا محدودين، بل يمس ملفًا صحيًا وطنيًا واسعًا.

 

ورغم إطلاق المبادرة الرئاسية لفحص وعلاج الأمراض المزمنة والكشف المبكر عن الاعتلال الكلوي، ونجاحها في فحص أكثر من 20.8 مليون مواطن لمنع تدهور الحالات ووصولها إلى مرحلة الفشل الكامل، فإن الوقاية لا تلغي مسؤولية إنقاذ من وصلوا بالفعل إلى مرحلة الغسيل، ولا تعفي الحكومة من توفير الحقن الحيوية بانتظام.

 

في النهاية، تبدو أزمة نقص الإيبريكس داخل التأمين الصحي والعلاج على نفقة الدولة اختبارًا قاسيًا لجدية المنظومة الصحية في حماية الأشد ضعفًا. فمريض الفشل الكلوي لا يطلب رفاهية، بل دواء يحميه من الأنيميا الحادة والهبوط والمضاعفات، وغياب هذا الدواء يحول المرض المزمن إلى حكم بالإعدام المؤجل على من لا يملك ثمن البديل.