رفعت إدارة حدائق المنتزه في الإسكندرية، سعر تذكرة الدخول إلى 65 جنيهًا للفرد، وفق الأسعار المتداولة لصيف 2026، فكانت النتيجة شكاوى واسعة من أهال رأوا أن متنفسهم العام يتحول إلى عبء يومي.
وبالتالي، لا تبدو الزيادة مجرد رقم على شباك تذاكر، بل طعنة في حق الفقراء في الفرح، حين تضيق السلطة على البحر والحديقة والظل، ثم تطلب من الأسر الصمت أمام غلاء الترفيه.
الترفيه العام تحت مقصلة التسعير
كما أن حدائق المنتزه ليست مشروعًا تجاريًا عاديًا، بل مساحة تاريخية مفتوحة على البحر، تمتد على أكثر من 370 فدانًا، وظلت لعقود مقصدًا للأسر التي تبحث عن نزهة منخفضة الكلفة.
لذلك، فإن رفع التذكرة إلى 65 جنيهًا يضرب معنى المكان قبل جيب الزائر، لأن الحديقة كانت تعوض غياب النوادي الخاصة، وتمنح العائلات البسيطة فرصة للهواء والظل والصورة العائلية.
ومن ثم، تتحول الرحلة العادية لأسرة من 5 أفراد إلى فاتورة دخول فقط تبلغ 325 جنيهًا، قبل الطعام والمواصلات والجلوس وأي خدمات إضافية، في بلد تأكل فيه الأسعار دخل المواطنين بلا رحمة.
غير أن السلطة تسوّق التطوير بوصفه تحسينًا للخدمة، بينما يشعر الأهالي بأن التطوير صار اسمًا أنيقًا للجباية، وأن كل بلاطة جديدة تتحول إلى بند دفع جديد فوق كتف الأسرة المنهكة.
علاوة على ذلك، كانت تقارير صحفية محلية قد أشارت في مايو 2026 إلى أن دخول المنتزه بلغ 50 جنيهًا، بعدما كان 40 جنيهًا في عيد الفطر، ما يكشف تصاعدًا سريعًا بلا حس اجتماعي.
بناءً على ذلك، لا يمكن فصل رقم 65 جنيهًا عن موجة أوسع من تسعير المجال العام، حيث تبتلع الدولة الأماكن التي كانت توفر الحد الأدنى من الفرح، ثم تعيد بيعها للمواطنين بالتذكرة.
في المقابل، تبقى حديقة الحيوان في الإسكندرية بسعر 5 جنيهات مثالًا على أن الترفيه العام يمكن أن يبقى متاحًا، إذا وُجد قرار سياسي يحترم الأسر الفقيرة بدل تحويلها إلى زبائن.
جباية التطوير وسلب الحق في المدينة
إلى جانب ذلك، تكشف شكاوى الأهالي جوهر الأزمة، فالمواطن لا يعترض على النظافة أو الصيانة، بل على أن تتحول كل عملية تطوير إلى بوابة إقصاء، تجعل الدخول نفسه امتيازًا طبقيًا.
لزيادة الإحكام، بدأ مشروع تطوير المنتزه بتوجيهات مباشرة من السيسي عام 2018، عبر اجتماع رسمي ضم لجنة تطوير المنطقة، وهو ما يجعل النظام مسؤولًا سياسيًا عن المسار الذي وصل إلى التسعير الحالي.
وبعبارة أخرى، لم يأت الغلاء من فراغ إداري، بل من فلسفة حكم ترى المكان العام أصلًا قابلًا للتسييل، لا حقًا اجتماعيًا يجب حمايته، خصوصًا في مدينة ساحلية يضيق فيها المجاني يومًا بعد يوم.
كذلك، يرى الجغرافي ديفيد هارفي أن الحق في المدينة حق جمعي يتجاوز مجرد الوصول إلى الموارد الحضرية، وهذا المعنى يفضح سياسة تحول المدينة إلى سلعة وتطرد الفقراء من فضائها.
وعليه، فإن المنتزه ليس سورًا وحديقة وتذكرة فقط، بل اختبار لحق السكندريين في مدينتهم، فإذا صار البحر والظل والخضرة بفاتورة متصاعدة، فالنتيجة مدينة مطرودة منها طبقاتها الأضعف.
ثم إن الباحث العمراني ديفيد سيمز انتقد في أعماله انحياز التخطيط المصري إلى مشروعات كبرى لا تخدم غالبية السكان، وهي قراءة تنطبق على منطق التطوير الذي يلمع الواجهة ويهمل القدرة الاجتماعية.
وفوق ذلك، كتبت منى أباظة عن حروب المجال العام وتحولاته بعد يناير، بما يوضح أن الصراع على الحدائق والشوارع والساحات ليس تفصيلًا حضريًا، بل معركة سياسية على الوجود والظهور والحق.
لذلك، حين يصرخ الأهالي من سعر التذكرة، فهم لا يدافعون عن نزهة رخيصة فقط، بل عن حقهم في مساحة عامة لم تخلق لتكون واجهة سياحية للأغنياء أو دفتر إيرادات للمسؤولين.
الإسكندرية بين الغلاء وغياب البديل المجاني
مع ذلك، تتضاعف قسوة القرار في الإسكندرية تحديدًا، لأن المدينة فقدت كثيرًا من مساحاتها المفتوحة تحت ضغط الزحام والعشوائية وتسعير الشواطئ وتآكل المجال العام، فلم يبق للفقراء إلا منافذ محدودة.
ومن زاوية أخرى، تصبح الزيادة إلى 65 جنيهًا امتدادًا لمنطق اقتصادي يطارد المواطن في الخبز والمواصلات والكهرباء، ثم يلحق به إلى الحديقة، كأن الفقر نفسه جريمة يجب عقابها بحرمان اجتماعي.
هكذا، لا تعني الشكوى الشعبية رفضًا أعمى للتطوير، بل رفضًا لأن يدفع الفقير كلفة سياسات لا يقررها، ثم يرى الأماكن التي صنعت ذاكرته العائلية تتحول إلى مساحة مفروزة بالقدرة على الدفع.
كما أن الفارق بين تذكرة 5 جنيهات في حديقة الحيوان و65 جنيهًا في المنتزه يكشف قرارًا طبقيًا لا قدرًا اقتصاديًا، فالدولة تستطيع إبقاء الباب مفتوحًا عندما تعتبر الناس أصحاب حق لا زبائن.
وعند هذه النقطة، تصبح الأسرة محدودة الدخل أمام خيار مهين، إما أن تلغي النزهة، أو تختصر عدد الداخلين، أو تدخل وهي تحسب كل خطوة، بينما تتحدث السلطة عن جودة حياة لا يراها الفقراء.
فضلاً عن ذلك، فإن تحويل المنتزه إلى تجربة مكلفة يضرب البعد النفسي والاجتماعي للترفيه، فالحدائق العامة ليست رفاهية زائدة، بل مساحة تخفف العنف اليومي وتمنح الأطفال ذاكرة خارج ضغط البيوت والشارع.
في المحصلة، رفع تذكرة حدائق المنتزه إلى 65 جنيهًا ليس خبر أسعار عابرًا، بل فصل جديد من سياسة السيسي في خنق منتزهات الفقراء، وخصخصة الفرح، وتجريد الإسكندرية من آخر متنفساتها الشعبية.

