دخلت أزمة تقاسم مياه نهر السند مرحلة جديدة من التصعيد بين باكستان والهند، بعدما حذرت إسلام آباد من أن أي محاولة هندية للمساس بحصتها المائية المقررة بموجب معاهدة مياه نهر السند تمثل خطوة خطيرة قد تقود إلى تداعيات سياسية وأمنية واسعة في جنوب آسيا، مؤكدة أن استخدام الموارد المائية كورقة ضغط سياسي يتعارض مع قواعد القانون الدولي ويهدد الاستقرار في منطقة تُعد من أكثر المناطق حساسية على مستوى العالم.
وجاءت التحذيرات الباكستانية خلال ندوة دولية استضافتها إسلام آباد لمناقشة مستقبل معاهدة مياه نهر السند، التي تُعد إحدى أهم الاتفاقيات الدولية المنظمة لتقاسم الموارد المائية العابرة للحدود. وشارك في الندوة مسؤولون وخبراء في شؤون المياه والقانون الدولي، وسط تزايد المخاوف من انعكاسات الأزمة الحالية على العلاقات بين البلدين النوويين.
إسحاق دار: الأنهار يجب أن تكون جسوراً للتعاون
أكد وزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار، خلال كلمته في الندوة، أن المياه المشتركة لا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة للضغط أو الابتزاز السياسي، مشدداً على أن الأنهار العابرة للحدود يجب أن تبقى جسوراً للتعاون والتفاهم بين الدول، لا أدوات لإشعال النزاعات أو تعميق الخلافات.
وأشار دار إلى أن الموارد المائية تمثل أحد الأعمدة الرئيسية للأمن الغذائي والتنمية الاقتصادية والاستدامة البيئية، موضحاً أن الحفاظ على الاتفاقيات الدولية المنظمة لتقاسم المياه يعد ضرورة لضمان مصالح الشعوب والأجيال المقبلة، في ظل التحديات البيئية والمناخية المتزايدة.
هجوم كشمير يشعل الأزمة بين البلدين
وتأتي هذه التصريحات في وقت تشهد فيه العلاقات بين نيودلهي وإسلام آباد توتراً متصاعداً منذ إعلان الهند تعليق مشاركتها في معاهدة مياه نهر السند، عقب الهجوم الذي استهدف مجموعة من السياح في الشطر الخاضع للإدارة الهندية من إقليم كشمير خلال أبريل 2025، والذي أسفر عن مقتل 26 شخصاً.
وعقب الهجوم، وجهت الهند اتهامات إلى جماعات مسلحة قالت إنها تنشط انطلاقاً من الأراضي الباكستانية، معتبرة أنها تقف وراء العملية، في حين نفت باكستان تلك الاتهامات بشكل قاطع، وطالبت بإجراء تحقيق دولي مستقل للكشف عن ملابسات الهجوم وتحديد المسؤولين عنه.
توتر دبلوماسي ومواجهات عسكرية محدودة
وأدى ذلك إلى تدهور سريع في العلاقات الثنائية، حيث تبادل الطرفان سلسلة من الإجراءات السياسية والدبلوماسية والاقتصادية، شملت خفض مستوى العلاقات الدبلوماسية، وإغلاق المعبر الحدودي الرئيسي بين البلدين، وإلغاء التأشيرات الممنوحة لمواطني الجانبين، قبل أن تتطور الأزمة إلى مواجهة عسكرية محدودة تضمنت تبادل ضربات صاروخية خلال مايو 2025.
ورغم التوصل لاحقاً إلى وقف لإطلاق النار بوساطة أمريكية، فإن حالة التوتر بين الجارتين لا تزال قائمة، في ظل استمرار الخلافات بشأن ملفات الأمن والإرهاب وتقاسم الموارد المائية، وفي مقدمتها مياه نهر السند.
باكستان: تعليق المعاهدة يخالف القانون الدولي
وأكد إسحاق دار أن قرار الهند تعليق العمل بمعاهدة مياه نهر السند يعد، من وجهة نظر بلاده، مخالفاً للقانون الدولي، موضحاً أن الاتفاقية الموقعة عام 1960 لا تتضمن أي نص يمنح أحد طرفيها الحق في تعليقها أو إنهائها بصورة منفردة.
وأضاف أن الاتفاقيات الدولية يجب احترامها وتنفيذها بحسن نية، وفقاً للقواعد القانونية التي تنظم العلاقات بين الدول، محذراً من أن المساس بالمعاهدة قد يفتح الباب أمام أزمات جديدة تهدد الأمن الإقليمي.
وجدد الوزير الباكستاني التأكيد على موقف مجلس الأمن القومي الباكستاني، الذي يعتبر أن أي محاولة لتحويل أو تقليص أو وقف تدفق المياه المخصصة لباكستان بموجب الاتفاقية ستُعد "عملاً حربياً"، في إشارة إلى المكانة الاستراتيجية التي يحتلها ملف المياه في منظومة الأمن القومي الباكستاني.
اتهامات بخفض تدفقات نهر تشيناب
وفي السياق ذاته، اتهم رئيس هيئة نظام نهر السند الباكستانية، ميهار علي شاه، الهند بخفض تدفقات المياه في نهر تشيناب خلال الأشهر الماضية، معتبراً أن تلك الإجراءات تشكل انتهاكاً صريحاً لبنود المعاهدة، بينما لم تصدر السلطات الهندية أي رد رسمي على هذه الاتهامات حتى الآن.
تغير المناخ يزيد أهمية الاتفاقية
من جانبه، شدد وزير الإعلام الباكستاني عطا الله تارار على أن معاهدة مياه نهر السند لا يمكن تعديلها أو تعليقها أو إنهاؤها بإرادة منفردة من أي طرف، مؤكداً أن الحفاظ على الاتفاقية بات أكثر أهمية من أي وقت مضى في ظل التحديات التي تفرضها التغيرات المناخية، وتراجع الأنهار الجليدية، والزيادة المستمرة في الطلب على المياه.
وأوضح أن الضغوط المتزايدة على الموارد المائية في المنطقة تجعل الالتزام بالاتفاقيات الدولية ضرورة لضمان الأمن والاستقرار، محذراً من أن أي إخلال بمنظومة تقاسم المياه قد يؤدي إلى تعقيد الأوضاع السياسية والأمنية بين البلدين.
معاهدة صمدت لعقود أمام الأزمات
وتُعد معاهدة مياه نهر السند، التي وُقعت عام 1960 بوساطة البنك الدولي، واحدة من أبرز الاتفاقيات الدولية التي نجحت لعقود في تنظيم تقاسم الموارد المائية بين الهند وباكستان، رغم الحروب والأزمات السياسية التي شهدتها العلاقات الثنائية.
وبموجب الاتفاقية، حصلت الهند على حق إدارة الأنهار الشرقية، وهي رافي وسوتليج وبياس، بينما خُصصت لباكستان مياه الأنهار الغربية، وهي السند وجيلوم وتشيناب، الأمر الذي جعل المعاهدة تمثل ركيزة أساسية للاستقرار المائي بين البلدين طوال أكثر من ستة عقود.

