أعلنت رئاسة الوزراء في القاهرة صباح اليوم الأربعاء تسليم 50 مركزا تكنولوجيا متنقلا ومجهزا بالكامل من وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية إلى وزارة العدل لتقديم خدمات الشهر العقاري والتوثيق، في خطوة قالت الحكومة إنها تستهدف تخفيف الضغط وتقليل زمن المعاملات للمواطنين.
وتأتي الخطوة بينما يواجه المواطنون أزمة يومية مع خدمات الشهر العقاري، من زحام المكاتب إلى بطء الإجراءات وتفاوت إتاحة الخدمة بين المدن والقرى، بما يجعل السيارات المتنقلة اختبارا حقيقيا لقدرة الحكومة على نقل الخدمة لا على تسويق التحول الرقمي فقط.
خدمة متنقلة فوق جهاز إداري مأزوم
وأكد رئيس الوزراء مصطفى مدبولي أن الدولة تواصل تنفيذ رؤية متكاملة لتحديث الخدمات الحكومية ضمن مستهدفات رؤية مصر 2030، عبر التوسع في الحلول التكنولوجية والتحول الرقمي وتبسيط الإجراءات، لكنه ربط الإعلان برفع كفاءة الأداء الحكومي من دون تقديم جدول معلن لقياس أثر هذه السيارات على زمن الخدمة.
وبحسب البيان الحكومي، يمثل تسليم 50 مركزا متنقلا خطوة ضمن تطوير منظومة الشهر العقاري والتوثيق، إذ تستهدف الحكومة تخفيف الضغط على مقار تقديم الخدمة وتقليل زمن إنجاز المعاملات، غير أن جوهر الأزمة يبقى في قدرة هذه المراكز على العمل المنتظم خارج نطاق المناسبات الرسمية.
كما شهد مدبولي اصطفاف عدد من سيارات التوثيق المتنقلة التابعة لمصلحة الشهر العقاري والتوثيق، وتفقد جاهزيتها وتجهيزاتها التكنولوجية، بما يشير إلى رغبة حكومية في تقديم المشهد باعتباره إنجازا مرئيا، بينما ينتظر المواطن نتيجة عملية داخل المكتب والشارع والقرية.
وفي هذا السياق، تخدم رؤية زياد بهاء الدين، نائب رئيس الوزراء الأسبق، محور الجهاز الإداري، إذ سبق أن وصف الوضع الحالي للجهاز الإداري بأنه غير قابل للاستمرار، وهي قراءة تجعل أزمة الشهر العقاري أوسع من سيارة مجهزة أو شاشة دفع، لأنها تتصل بالبنية الإدارية نفسها.
التحول الرقمي لا يعوض نقص العدالة في الوصول
وقال وزير العدل محمود الشريف إن توفير السيارات المتنقلة يأتي ضمن توجه الدولة نحو تعزيز التحول الرقمي وتطوير الخدمات الحكومية، من خلال استخدام الوسائل التكنولوجية الحديثة وتيسير الوصول إلى الخدمات في المحافظات، غير أن معيار النجاح لا يتوقف عند التجهيزات بل عند العدالة في توزيعها.
وأضاف الوزير أن المشروع يدعم بناء منظومة حكومية عصرية ومتطورة، لكن هذا الوصف يصطدم بسؤال مباشر حول القرى والمناطق الطرفية التي لا تصل إليها الخدمة بانتظام، وحول قدرة محدودي الدخل وكبار السن على التعامل مع منظومات الدفع الإلكتروني والحجز الرقمي.
وعلى مستوى الحقوق، تضع خبرة حسام بهجت، مؤسس المبادرة المصرية للحقوق الشخصية ومديرها التنفيذي، القضية داخل زاوية أوسع تتعلق بحقوق المواطنين أمام المؤسسات العامة، إذ تكشف تجارب الخدمات الحكومية أن غياب الشفافية والمساءلة يحول أي تحديث تقني إلى واجهة لا تغير علاقة المواطن بالدولة.
لذلك لا تكفي السيارات المتنقلة وحدها لتقديم خدمة عادلة إذا بقي المواطن محتاجا إلى وساطة أو انتظار طويل أو انتقال بين أكثر من جهة، لأن التوثيق والشهر العقاري يرتبطان بحقوق ملكية وزواج وبيع وتوكيلات، وهي مصالح لا تحتمل الدعاية ولا التعطيل.
أرقام كبيرة ونتيجة معلقة على الأرض
وأوضح وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية أحمد رستم أن إجمالي عدد المراكز التكنولوجية المتنقلة التي تم توفيرها للقطاع وصل إلى 93 مركزا، بما يدعم منظومة الشهر العقاري والتوثيق في المناطق الأكثر كثافة والقرى والمناطق النائية، مع تزويدها بتطبيقات الدفع الإلكتروني ومنظومات التأمين والحماية الرقمية.
وتشير أرقام الحكومة إلى أن سيارات المراكز المتنقلة تقدم 141 خدمة، تشمل التوكيل الرسمي العام والخاص، وتوكيل الأمور الزوجية، وتوكيل وتوثيق بيع سيارة، ومحضر الإيداع الرسمي، وجميع خدمات التوثيق، بينما تجاوز عدد المعاملات المنفذة 1,480,000 معاملة في المحافظات.
غير أن ضخامة الأرقام لا تلغي السؤال عن كلفة الخدمة، وعدالة التوزيع، وعدد ساعات التشغيل، ومعايير اختيار المناطق، وعدد الموظفين المؤهلين داخل كل سيارة، لأن المواطن لا يقيس التحول الرقمي بعدد السيارات بل بقدرته على إنهاء المعاملة من دون إهدار يوم كامل.
وتخدم كتابات وائل جمال، الباحث الاقتصادي والصحفي، هذا المحور لأنها تربط السياسات الحكومية بأثرها على الفئات الأضعف، فالمشكلة لا تقتصر على توفر الخدمة، بل تمتد إلى عبء الرسوم والتنقل والوقت والاعتماد المتزايد على الدفع الإلكتروني وسط تآكل القدرة الشرائية.
كما شدد وزير العدل على أن التعاون مع وزارة التخطيط يجسد تكامل الأدوار بين مؤسسات الدولة ويسرع تنفيذ مستهدفات الجمهورية الجديدة، لكن هذا الخطاب الرسمي يتكرر في كل مشروع خدمي تقريبا، بينما تظل المساءلة غائبة عن نتائج التنفيذ ورضا المواطنين ومؤشرات الشكاوى.
وبدوره، قال وزير التخطيط إن نشر هذه المراكز يجسد توجه الحكومة نحو تعظيم الاستفادة من التكنولوجيا الحديثة لتقديم خدمات أكثر كفاءة وجودة، غير أن جودة الخدمة تحتاج نشر بيانات دورية عن عدد المعاملات، ونسب الأعطال، ومتوسط زمن الخدمة، وخريطة المحافظات المستفيدة.
في النهاية، يقدم تسليم 50 مركزا تكنولوجيا متنقلا صورة حكومية منظمة عن تحديث الشهر العقاري، لكنه لا يثبت وحده أن الأزمة انتهت، لأن المواطن يحتاج خدمة مستقرة ورخيصة وقريبة وشفافة، لا احتفالا جديدا يضيف رقما إلى بيانات الإنجاز من دون ضمان رقابة يومية على الأرض.

