في الدول التي تحكمها أنظمة ديكتاتورية مستبدة، يعاني المبدعون والمفكرون من القيود التي تكبح زناد عقولهم، ومن الأجواء الخانقة التي يشيع فيها مناخ الخوف والترهيب، وهما أكبر عدو للإبداع.
ومما لا شك فيه أن ما شهدته وتشهده مصر منذ 13 عامًا- هي عمر الانقلاب حتى الآن- كان له تأثيره الواضح على كل مناحي الحياة في البلاد، وفي القلب منه منظومة الإبداع، وأصحاب الأفكار التي تنشغل بنهضة مصر وتعمل على الارتقاء بها.
معاداة الإبداع وحرية التعبير
وهو ما عكسه بيان أصدرته 14 منظمة حقوقية - من بينها المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، مؤسسة حرية الفكر والتعبير، القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، النديم لتأهيل ضحايا العنف والتعذيب- في عام 2021 اتهم النظام المصري، بأنه يعادي الإبداع، وحرية التعبير، والرأي الآخر.
وانتقدت في البيان الهجوم المتواصل على المناخ المعادي لحرية الإبداع والتعبير بشكل عام في مصر، واستهداف حرية الإبداع والتعبير الفني -بشكل خاص- والتعبير عن الرأي بشكل عام في مصر، وتمثل ذلك في حملة موسعة، شملت مداهمة دور نشر، وحبس باحثين وكتاب، محذرة من أن "استمرار مثل تلك السياسات، سوف يؤدي لمزيد من انسداد الأفق في علاقة المثقفين، والمبدعين بالسلطة القائمة".
وفي ظل هذا الأجواء توارى كثير من المبدعين والمفكرين تحت وطأة القبضة الأمنية التي تُحكم بها البلاد، وفضّل البعض التواري عن المشهد الراهن، في ظل بيئة يراها العديد من الخبراء والمبدعين محبطة للابتكار، وحيث تتداخل عوامل عدة تشمل المنظومة التعليمية، القيود البيروقراطية، والرقابة المؤسسية والمجتمعية.
عوامل قاتلة للإبداع
المنظومة التعليمية التقليدية: من أكثر ما يواجه الانتقادات في مصر المنظومة التعليمية التي لا تشجع على الإبداع، نظرًا لاعتماد التعليم بشكل كبير على التلقين والحفظ بدلاً من التفكير النقدي، مما يضعف قدرة الأطفال والشباب على التخيل، ويربط التميز بالالتزام بالقوالب الجاهزة وخوف تجاوز السائد.
الروتين والبيروقراطية المفرطة: تشكل الإجراءات الإدارية المعقدة والبطيئة عائقًا كبيرًا يستهلك طاقة المبدعين في معارك جانبية بعيدة عن جوهر أفكارهم. وهي من أبرز السلبيات في مصر على مر العصور، حيث إن البيروقراطية تميل إلى فرض نمط روتيني واتخاذ إجراءات ومسارات تتنافى بالكلية مع الإبداع.
آليات الرقابة المتعددة: في ظل الرقابة الحكومية الرسمية يضطر بعض المبدعين إلى فرض رقابة ذاتية على أنفسهم، خوفًا من المساءلة أو المحاسبة، أو التهميش لمن يغرد خارج السياق الرسمي، وبالتالي سيغيب المنتج الإبداعي ويتوارى نتيجة ذلك.
التحديات الاقتصادية وغياب الدعم: تراجع التمويل الموجه للمشاريع المستقلة، وارتفاع تكاليف الإنتاج، وصعوبة الحصول على رعاة، يجهض الكثير من الأفكار الواعدة في مهدها.
الخوف يقتل الإبداع
ويرى المفكر والروائي الدكتور عمار علي حسن أن "الخوف يشل التفكير، ويقتل الإبداع"، معتبرًا أن غياب الحرية والمصادرة الثقافية يُمثلان جريمة "قتل معنوي" للمبدع وللمجتمع على حد سواء. ومن خلال كتاباته الفكرية وسيرته الذاتية المدونة تحت عنوان "مكان وسط الزحام"، يربط بشكل وثيق بين ازدهار الأفكار وبين توفير مناخ سياسي واجتماعي حر يتجاوز الوصاية والترهيب
ويؤكد في أطروحاته أن الخوف هو القاتل الأول للموهبة. عندما يعيش المثقف أو المفكر في بيئة يسودها التوجس من العقاب أو الملاحقة بسبب رأي أو فكرة تجديدية، فإنه ينكفئ على نفسه، مما يضطره إلى ممارسة "الرقابة الذاتية" التي تجهض الأفكار القوية قبل ولادتها.
وينظر إلى مصادرة الكتب، أو منع المقالات، أو التضييق على الأعمال الفنية باعتبارها جرائم لا تقل جُرمًا عن إزهاق الروح البشرية. في رؤيته، الفكر لا يُواجه إلا بالفكر، ومحاولة كبت الآراء باستخدام الأدوات السلطوية أو الرقابية الحكومية والمجتمعية تؤدي حتمًا إلى تجريف الحياة الثقافية وإفراغها من مضمونها التنويري.
وينتقد السيطرة الأحادية واحتكار الإنتاج الفني، والدرامي، والإعلامي. ويرى أن تحكّم جهات محددة في منصات النشر والإنتاج يفرض قالبًا واحدًا يخدم مصالح ضيقة، مما يؤدي إلى استبعاد الكفاءات الحقيقية والمبدعين المستقلين الذين يرفضون الانصياع للقوالب الجاهزة، وهو ما ينعكس سلبًا على ريادة مصر الثقافية.

