تتجه العلاقات الأمريكية الإيرانية إلى اختبار جديد قد يهدد المسار الدبلوماسي الذي انطلق عقب انتهاء الحرب الأخيرة في الشرق الأوسط، بعدما أعلنت طهران رفضها السماح لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بالدخول إلى المنشآت النووية التي تعرضت للقصف خلال العمليات العسكرية الأخيرة، في خطوة تتناقض بصورة مباشرة مع التصريحات الأمريكية التي تحدثت عن موافقة إيرانية على استئناف عمليات التفتيش والرقابة الدولية.

 

ويأتي هذا الخلاف في وقت كانت فيه المؤشرات الصادرة عن المحادثات الأمريكية الإيرانية التي استضافتها سويسرا توحي بإمكانية فتح صفحة جديدة من التفاهمات بين الجانبين، خصوصًا بعد الإعلان عن إطار تفاوضي جديد يشمل الملف النووي والعقوبات الاقتصادية وإعادة الإعمار وآليات التنفيذ والمراقبة.

 

تضارب الروايات بين واشنطن وطهران

 

بدأت ملامح الأزمة الجديدة بالظهور عقب تصريحات نائب الرئيس الأمريكي جاي دي فانس، الذي أكد بعد انتهاء الجولة الأولى من المحادثات أن الجانب الإيراني وافق على عودة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية واستئناف مهامهم الرقابية داخل المنشآت النووية الإيرانية.

 

واعتبرت الإدارة الأمريكية أن هذه الخطوة تمثل أحد أهم المؤشرات على نجاح المحادثات الأولية، وتفتح الباب أمام ترتيبات طويلة الأمد تهدف إلى ضمان الطابع السلمي للبرنامج النووي الإيراني واحتواء المخاوف الغربية المتزايدة بشأن مستويات التخصيب والأنشطة النووية الحساسة.

 

غير أن طهران سارعت إلى نفي هذه الرواية بشكل قاطع، مؤكدة أن ما جرى تداوله لا يعكس حقيقة الموقف الإيراني، وأن المنشآت النووية التي تعرضت للقصف خلال الحرب الأخيرة ستبقى خارج نطاق التفتيش الدولي في المرحلة الحالية.

 

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إن بلاده لم تعقد أي اجتماع مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، كما أنها لا تنوي السماح للمفتشين بالدخول إلى المواقع النووية التي تعرضت لأضرار نتيجة ما وصفه بالعدوان العسكري الأمريكي والإسرائيلي.

 

ترامب يتحدث عن رقابة غير محدودة

 

وفي المقابل، رفع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سقف التوقعات بشأن نتائج المفاوضات، مؤكدًا أن إيران وافقت على ترتيبات رقابية واسعة وغير مسبوقة.

 

وقال ترامب عبر منصة "تروث سوشال" إن طهران وافقت بصورة كاملة على عمليات تفتيش نووي "على أعلى مستوى وإلى ما لا نهاية"، معتبرًا أن هذه الآلية ستضمن ما وصفه بالنزاهة النووية وتمنع أي انحراف محتمل عن الالتزامات المستقبلية.

 

لكن الموقف الإيراني الأخير ألقى بظلال من الشك على هذه التصريحات، وأعاد إلى الواجهة التساؤلات حول مدى التوافق الحقيقي بين الطرفين بشأن الملفات الجوهرية، وفي مقدمتها آليات الرقابة والتفتيش.

 

عقدة المواقع المقصوفة

 

ويكتسب ملف المنشآت النووية المتضررة أهمية استثنائية بالنسبة للطرفين، إذ تعتبر الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن الوصول إلى هذه المواقع ضروري لتقييم حجم الأضرار والتأكد من مصير المواد النووية والمعدات الحساسة التي كانت موجودة فيها قبل تعرضها للهجمات.

 

أما إيران فتتعامل مع هذه المنشآت باعتبارها مواقع تعرضت لاعتداء عسكري، وترى أن السماح بالتفتيش في الظروف الحالية قد يفتح الباب أمام ضغوط سياسية وأمنية إضافية.

 

ومنذ الضربات التي استهدفت المنشآت النووية خلال حرب يونيو 2025، علقت طهران عمليًا زيارات المفتشين الدوليين إلى عدد من المواقع الحساسة، في خطوة زادت من حدة الخلاف بينها وبين القوى الغربية.

 

ورغم استمرار تأكيد المسؤولين الإيرانيين أن البرنامج النووي مخصص للأغراض السلمية فقط، فإن الولايات المتحدة وحلفاءها يواصلون المطالبة برقابة صارمة وشاملة على مختلف الأنشطة النووية الإيرانية.

 

محادثات سويسرا ترسم إطارًا جديدًا

 

وكان منتجع بورغنشتوك السويسري قد احتضن منذ مطلع الأسبوع جولة مفاوضات وصفت بأنها الأولى من نوعها بعد انتهاء الحرب.

 

وشارك في الاجتماعات وفد إيراني ترأسه محمد باقر قاليباف، فيما قاد الوفد الأمريكي نائب الرئيس جاي دي فانس، بحضور وسطاء من قطر وباكستان.

 

وبحسب المسؤولين الأمريكيين، فقد أرست المحادثات أساسًا مناسبًا لاستكمال الجهود الرامية إلى تثبيت وقف الحرب ووضع أسس تسوية سياسية أوسع تشمل القضايا الأمنية والاقتصادية.

 

وفي السياق ذاته، كشف نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي أن الطرفين توصلا إلى تفاهمات أولية بشأن هيكل المفاوضات المقبلة، موضحًا أنه تم الاتفاق على إنشاء أربع مجموعات عمل متخصصة.

 

وتتولى المجموعة الأولى ملف العقوبات الاقتصادية، بينما تركز الثانية على القضايا النووية، وتبحث الثالثة ملفات إعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية، فيما تتولى المجموعة الرابعة متابعة آليات التنفيذ والمراقبة.

 

تعليق العقوبات وإعطاء فرصة للدبلوماسية

 

وفي خطوة اعتبرها مراقبون محاولة لدعم المسار التفاوضي، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية تعليق العقوبات المفروضة على صادرات النفط الإيرانية لمدة شهرين.

 

ويهدف القرار إلى توفير مساحة زمنية تمتد ستين يومًا أمام المفاوضات الجارية، بما يسمح للطرفين باستكشاف فرص التوصل إلى اتفاق نهائي يعالج الملفات العالقة ويؤسس لمرحلة جديدة من العلاقات بينهما.

 

تحركات إقليمية متسارعة

 

بالتوازي مع المسار التفاوضي، شهدت المنطقة سلسلة من التحركات الدبلوماسية المكثفة.

 

فقد وصل الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان إلى باكستان في زيارة رسمية برفقة وزير الخارجية عباس عراقجي، في إطار مشاورات إقليمية تتعلق بمرحلة ما بعد الحرب ومستقبل الترتيبات الأمنية في المنطقة.

 

وفي المقابل، يستعد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو لجولة خليجية تشمل الإمارات والبحرين والكويت، بهدف تنسيق المواقف مع الحلفاء الإقليميين ومتابعة التطورات المرتبطة بالمفاوضات مع إيران.

 

كما واصل المسؤولون الإيرانيون اتصالاتهم مع سلطنة عمان التي لعبت دورًا محوريًا في إدارة تداعيات الحرب وتأمين الملاحة البحرية في الخليج.