لو سألت أي مواطن في مصر حول السياسات العامة للحكومات المتعاقبة منذ الانقلاب على الرئيس المنتخب محمد مرسي، لقال لك مثلما قال في الخمر، لأنه بطبيعة الحال هو الذي دفع ثمن تلك السياسات التي أنهكته ماديًا وأثرت عليه معيشيًا، وجعلته في سباق غير متكافئ مع التضخم والارتفاعات اليومية في الأسعار.

 

فالمواطن في مصر، لا يملك حتى أن يعبر عن معارضته لتلك السياسات التي قصمت ظهره ولا يجرؤ أن يصوب سهام نقده إلى الحكومة المنوط بها حماية مصالحه والعمل من أجل تحقيق رفاهيته، وإلا كان متهمًا بالانتماء إلى جماعة إرهابية، والتواطؤ ضد مصلحة البلد العليا.


 
حتى البرلمان أصبح في أفضل الأحوال ديكوريًا من أجل تجميل الصورة الباهتة للنظام، ودرء الاتهامات عن نفسه، دون أن يعر المواطن اهتمامًا، أو يستجيب لمطالبه، ويخفف عنه وطأة السياسات التي يرى الجميع أنها كانت سببًا رئيسًا فيما وصلت مصر إليه.


غياب المشاركة الشعبية 

 

وبالتالي كان غياب أدوات المشاركة الشعبية في صنع القرار الاقتصادي والسياسي سببًا في حالة من العضب المكتوم، القابل للانفجار في أي لحظة، نتيجة تحمل المواطنين العبء الأكبر لتداعياتها، وهو ما تبرزه النقاشات العامة حول إدارة أزمات الديون وغلاء المعيشة، والتي تتلخص الأبعاد الرئيسة لهذا الواقع في الآتي:

 

غياب المشاركة والمساءلة: تُدار القرارات الاقتصادية الكبرى مثل (سياسات الاقتراض، الإصلاحات الهيكلية، ورفع الدعم) عبر دوائر حكومية مركزية، بينما يُستبعد المواطنون من المشاركة المسبقة في إقرارها أو تقييم مساراتها عبر قنوات ديمقراطية ونيابية فاعلة.

 

تكلفة المعيشة الباهظة: يدفع المواطن الفاتورة المباشرة لهذه السياسات من خلال تآكل القوة الشرائية، التضخم المستمر، ورفع الدعم عن الخدمات الأساسية، في حين تبرر الحكومة هذه الإجراءات بأنها ضرورية للعبور بالاقتصاد نحو مسار إصلاحي مستدام على المدى الطويل. 

 

 الجدل حول عوائد المشاريع: في الوقت الذي تدافع فيه الحكومة عن برامج "إشراك القطاع الخاص" وإعادة هيكلة الكيانات الاقتصادية بأنها تهدف لتعظيم عوائد الدولة، يرى الكثيرون أن هذه التوجهات لا تنعكس إيجاًبً على مستوى الخدمات المقدمة للفرد، بل تزيد من أعباء الرسوم والضرائب. 

 

قروض بمليارات الدولارات


ولجأت الحكومة إلى الحصول على قروض من صندوق النقد الدولي، وسحبت حتى الآن حوالي 5.2 مليار دولار من إجمالي قيمة القرض بقيمة 8 مليارات دولار بعد تمام المراجعات الدورية. فضلاً عن الاقتراض من العديد من الدول لتوفير السيولة اللازمة للمشاريع الضخمة التي توسعت في تنفيذها، على الرغ من الانتقادات حول جدواها.

 

وفقًا للتقديرات الرسمية، تبلغ ديون مصر الخارجية نحو 155 إلى 161 مليار دولار، وتتضمن ديونًا طويلة وقصيرة الأجل مستحقة لعدة مؤسسات مالية دولية (مثل البنك وصندوق النقد الدوليين) ودول دائنة.

 

بينما يُقدر الدين العام المحلي بنحو 11 تريليون جنيه مصري. ويشمل الديون المستحقة للحكومة والجهات المحلية، إلى جانب استثمارات الأجانب في أدوات الدين الحكومية. 

 

بيع حصص وأصول مملوكة للدولة


خلال السنوات الأخيرة، لجأت حكومة الانقلاب إلى بيع حصص متفاوتة في عدد كبير من الأصول والشركات المملوكة للدولة، وذلك ضمن "برنامج الطروحات الحكومية" من أجل العمل لتوفير السيولة الدولارية، وخفض الدين العام.


وتشمل هذه العمليات صفقات بيع كامل أو جزئي، أو شراكات استثمارية ضخمة تضمنت حقوق تطوير وإدارة وأسهم في كيانات استراتيجية.


وكانت أبرز الصفقات بيع أرض مدينة رأس الحكمة بالساحل الشمالي لصالح شركة "القابضة" (ADQ) الإماراتية مقابل 35 مليار دولار، مع احتفاظ الحكومة المصرية بحصة 35% من أرباح المشروع المستقبلي.


وكانت تلك الصفقة بمثابة نقطة تحول كبرى ساهمت في إنقاذ الاقتصاد المصري من أزمة طاحنة، حيث وفرت سيولة دولارية ضخمة بقيمة 35 مليار دولار عبر استثمارات أجنبية مباشرة، مما أدى إلى وقف الصعود المنتالي في سعر الدولار أمام الجنيه، والسيطرة على التضخم، وإنعاش الخزانة العامة للدولة بفضل الشراكة الاستراتيجية مع دولة الإمارات. 


كما تم بيع العديد من حصص الحكومة في بنوك مختلفة، مثل البنك التجاري الدولي (CIB)، حيث باعت الحكومة حصة تصل إلى 18% من أسهم البنك لصالح صندوق أبوظبي السيادي (ADQ).


وتم استكمال بيع الحصة المتبقية للحكومة والبالغة 20% ببنك الإسكندرية لصالح مجموعة إنتيزا سان باولو الإيطالية التي كانت تمتلك بالفعل 80% من البنك.


فضلاً عن بيع حصة 25% من أسهم شركة مصر لإنتاج الأسمدة (موبكو) لصالح الشركة السعودية المصرية للاستثمار (التابعة لصندوق الاستثمارات العامة السعودي). كما جرى طرح حصص من محطات الطاقة الضخمة التي نفذتها شركة سيمنس (مثل محطة بني سويف أو العاصمة الإدارية) أمام المستثمرين الدوليين لإعادة الهيكلة وتوفير السيولة.


وتم طرح حصص من شركة وطنية لبيع وتوزيع المنتجات البترولية للإدارة والتشغيل والبيع لمستثمرين استراتيجيين.