كشفت صفقات يونيو 2026 في القاهرة عودة الاستحواذ الإماراتي على أصول الطاقة المصرية، بعد صفقة غاز في البحر المتوسط وصفقة رياح جبل الزيت بقيمة 420 مليون دولار، لتصبح النتيجة تحويل الطاقة إلى سيولة لسداد الدين.
وتضع هذه الصفقات حكومة مصطفى مدبولي في موقع المتصرف في مرافق تمس 109 ملايين مصري، لأن السلطة لا تبيع شركة عادية، بل تنقل تشغيل الغاز والكهرباء إلى مستثمر خارجي بينما يعاني المواطن من الغلاء وانقطاعات الطاقة.
غاز المتوسط يدخل سوق البيع تحت ضغط الدولار
بدأت الموجة الجديدة من ملف الغاز، بعدما استحوذت أركيوس إنرجي على 5 امتيازات بحرية من حصص أعمال بي بي في مصر، لتدخل أبوظبي عبر ذراع أدنوك إلى قلب إنتاج الغاز المصري.
ثم ضمت الصفقة امتياز شمال دمياط المنتج، وحصة في شروق البحري الذي يضم حقل ظهر، إلى جانب شمال الفيروز وبيلاتريكس وشمال الطابية، مع فتح تفاوض حول امتياز شمال الإسكندرية المنتج.
وبذلك لا تتحرك الإمارات حول هامش اقتصادي محدود، بل تدخل منطقة تمثل عصب الكهرباء والصناعة والعملة الأجنبية، لأن الغاز المصري صار مرتبطا بتشغيل المحطات وبخفض الاستيراد وبسداد مستحقات الشركات الأجنبية.
في هذا المحور، يرى الباحث في العلاقات الدولية الدكتور محمد الصاوي أن الاستثمار الإماراتي في الطاقة لم يعد مجرد أموال داخلة، بل أداة نفوذ في قطاعات ترتبط بالأمن الطاقوي والعائد طويل الأجل.
ويخدم رأي الصاوي جوهر الصفقة، لأن التوقيت جاء مع ضغط الديون وحاجة القاهرة للطاقة والدولار، وهي عوامل تجعل الحكومة أضعف تفاوضيا أمام مستثمر يشتري في لحظة اضطرار لا في لحظة قوة.
غير أن الحكومة تسوق الصفقة باعتبارها ثقة دولية، بينما يكشف الواقع أن شركة أجنبية خرجت من حصص منتجة لمصلحة منصة مدعومة من أدنوك، فيما اكتفت القاهرة بمنحة توقيع لا تكشف عدالة التقييم.
كما تسمح الصفقة بوجود إماراتي داخل إنتاج قائم واستكشاف جديد في الوقت نفسه، وهذا يمنح المستثمر قدرة على قراءة السوق المصري من الداخل، بينما يظل الرأي العام خارج تفاصيل العقود والملاحق والشروط.
ومن ثم، لا تصبح المشكلة في جنسية المستثمر، بل في أن الحكومة حولت الغاز إلى أصل قابل للتنازل تحت ضغط العجز، ثم أخفت الأسئلة الأساسية حول التسعير والسيطرة وحصة الدولة المستقبلية.
وبالتوازي، أعلنت دراغون أويل الإماراتية خطة لضخ ملياري دولار في مصر خلال 4 أو 5 سنوات، مع استهداف إنتاج 200 ألف برميل يوميا بحلول 2030، بما يعمق الحضور الإماراتي في النفط والغاز.
لذلك يبدو ملف الغاز بوابة تمهيدية لا صفقة منفردة، لأن أكثر من ذراع إماراتي يتحرك داخل الطاقة التقليدية، بينما تقدم الحكومة المشهد كاستثمار طبيعي كي تخفي حقيقة الارتهان المالي المتصاعد.
جبل الزيت يكشف بيع الأصل ثم شراء إنتاجه بالدولار
وجاءت صفقة جبل الزيت كاشفة أكثر من الغاز، بعدما منحت الحكومة شركة ألكازار إنرجي حق تشغيل وإدارة وتطوير محطة رياح بقدرة 580 ميجاوات لمدة 25 عاما مقابل 420 مليون دولار.
وبحسب الاتفاق، تشتري الشركة المصرية لنقل الكهرباء كامل الطاقة المنتجة من المحطة بتعريفة تبلغ نحو 3 سنتات لكل كيلووات ساعة، على أن يسدد الجزء الأكبر من المدفوعات بالدولار طوال مدة العقد.
لكن الغضب الشعبي جاء من أصل المحطة نفسه، لأنها افتتحت عام 2018 بعد تمويل خارجي كبير من جهات ألمانية ويابانية وإسبانية، ثم عادت الحكومة لتسليم تشغيلها لمستثمر إماراتي بعقد طويل.
في هذا الموضع، يقدم الباحث الاقتصادي مجدي عبد الهادي إطارا واضحا لفهم الصفقة، لأنه وصف بيع الأصول المصرية بأنه شراء وقت لنموذج اقتصادي غير مستدام، لا إصلاحا يعالج جذور الأزمة.
ويفضح هذا التوصيف منطق الحكومة، لأنها تبيع أصلا مولدا للكهرباء كي تحصل على دولار عاجل، ثم تشتري كهرباء الأصل نفسه عبر عقد طويل، بما يجعل المواطن ممولا للخسارة مرتين.
كما قال مصطفى مدبولي إن عائد صفقة جبل الزيت سيوجه إلى وزارة المالية للمساهمة في خفض الدين الخارجي، وهذا التصريح وحده يحسم أن الهدف ليس تطوير الطاقة بل سد فجوة ديون.
وعلى الرغم من حديث الحكومة عن ضخ 250 مليون دولار لتطوير التوربينات المتوقفة، فإنها لم تنشر تقريرا تفصيليا يوضح أسباب التوقف، ولا تكاليف الصيانة، ولا القيمة الحالية للتدفقات المتوقعة.
وبسبب هذا الغياب، يصبح الحديث عن عدالة السعر ناقصا ومريبا، لأن الحكومة تطالب الناس بتصديقها بينما تحجب أسس التقييم، وتخفي تفاصيل عقد يمتد 25 عاما في مرفق كهربائي استراتيجي.
ثم تزيد خطورة الصفقة لأنها لا تخص قطعة أرض معطلة، بل محطة عاملة داخل أكبر مجمعات الرياح في أفريقيا، أي أن الدولة سلمت إدارة أصل منتج لا مجرد مشروع يحتاج إلى إنقاذ.
وعليه، لا يظهر جبل الزيت كاستثمار بريء، بل كدليل على أن الحكومة عجزت عن إدارة ما بنته بالقروض، ثم باعت التشغيل لمستثمر خارجي، ثم ربطت الشراء المستقبلي بالدولار.
احتكار طويل الأجل يبنطلق من فشل الحكومة لا من قوة المستثمر
وتتسع خريطة ألكازار داخل مصر بعيدا عن جبل الزيت، إذ دخلت الشركة مشروعات رياح وشمس في نيات والزعفرانة وخليج السويس وبنبان، بما يجعلها لاعبا ضخما في الطاقة المتجددة المصرية.
كما وقعت الشركة في نوفمبر 2024 مذكرة تفاهم لتطوير مشروع رياح برية بقدرة 2 جيجاوات، إلى جانب مشروع نيات بقدرة 500 ميجاوات، ومشروع الزعفرانة بإجمالي 3.1 جيجاوات.
وبذلك يصبح الحديث عن احتكار مشروعا، لأن الشركة لا تشتري مشروعا واحدا ثم تغادر، بل تبني حضورا متسلسلا في الإنتاج والشراء والتشغيل، بينما تقف الدولة كضامن ومشتر ودافع بالدولار.
في هذا السياق، يخدم الخبير الاقتصادي ممدوح الولي محور الديون، لأنه حذر مبكرا من بيع أصول حكومية لسداد ديون خليجية، وربط ذلك بغياب الحوار العام وتراجع شروط البيع.
ويكشف رأي الولي أن الأزمة ليست مفاجئة، لأن الحكومة صنعت مسارا متكررا يبدأ بالاقتراض، ثم العجز عن السداد، ثم بيع أصل عام، ثم إعلان الصفقة كإنجاز لجذب الاستثمار الأجنبي.
ولذلك لا يجب فصل صفقات الطاقة عن تأجيل طرح بنك القاهرة إلى سبتمبر، لأن تعثر بيع بنك حكومي تزامن مع تمرير صفقات أكثر حساسية في الغاز والرياح، وسط حاجة عاجلة للدولار.
كما جاء التوقيت مع توتر إقليمي وارتفاع محتمل في أسعار الطاقة، ما منح قطاع الغاز والرياح قيمة استراتيجية أكبر، بينما اختارت الحكومة لحظة الضعف المالي لتوقيع عقود تمس مستقبل الكهرباء.
ومن زاوية المواطن، ستظهر تكلفة هذه السياسة لاحقا في الفواتير والأسعار، لأن العقود الدولارية لا تبقى داخل دفاتر الشركات، بل تنتقل إلى الموازنة ثم إلى جيب المصري عبر التضخم ورفع الدعم.
كذلك يضع الصحفي ناجي عباس المسألة في صيغة تحذيرية مباشرة، إذ يرى أن بيع الشركات والبنوك والأراضي لسد الالتزامات الحالية لا يحل الأزمة، بل يؤجلها ويضخمها ويترك الدولة بلا موارد.
وبناء على ذلك، يصبح السؤال الحقيقي ليس لماذا تشتري الإمارات، بل لماذا تبيع الحكومة بهذا الإلحاح، ولماذا تختار أصول الطاقة تحديدا، ولماذا تغيب الشفافية عندما يتعلق الأمر بمرافق ممولة من المال العام.
ولأن السلطة ترفض الإفصاح الكامل، تتراكم الشكوك حول كل صفقة جديدة، فالمواطن لا يعرف شروط التقييم ولا حق الانتفاع ولا آلية شراء الكهرباء ولا حدود سيطرة المستثمر على التشغيل.
وفي النهاية، تكشف طفرة الاستحواذ الإماراتي أن حكومة الديون نقلت الأزمة من دفتر المالية إلى قلب الطاقة، وباعت مفاتيح الغاز والرياح كي تسدد اليوم، بينما تترك المصريين أمام فاتورة الغد بلا حماية ولا رقابة.

