كشفت دراسة حديثة صادرة في يونيو 2026 عن توسع حاد في نزع ملكية الأراضي والعقارات بمصر، بعدما شملت القرارات نحو 88 ألفا و769 فدانا لصالح 525 مشروعا خلال الفترة من 2021 إلى 2025.

 

ويدفع هذا التوسع أكثر من 136 ألف أسرة، بإجمالي يتجاوز 546 ألف مواطن، إلى مواجهة مباشرة مع مشروعات ترفع لافتة المنفعة العامة، بينما يتأخر التعويض أو يفقد قيمته أمام التضخم وارتفاع الأسعار.

 

http://https://www.instagram.com/reel/DZIhNIjSpyd/

 

مشروعات كبرى تقضم الملكيات الخاصة

 

اتسعت قرارات نزع الملكية خلال السنوات الأخيرة مع اندفاع الحكومة في تنفيذ الطرق والمحاور والمشروعات القومية، وهو توسع حوّل الملكية الخاصة إلى مساحة ضغط دائم أمام المواطنين المتضررين من مسارات التنفيذ.

 

وبحسب الدراسة، لم تقف القرارات عند مشروعات محدودة، بل امتدت إلى 525 مشروعا خلال 5 سنوات، بما يعكس حجما غير مسبوق من تدخل الدولة في أراضي وعقارات الأفراد باسم المنفعة العامة.

 

وتكشف الأرقام أن الأزمة لا تخص ملاكا كبارا فقط، لأن عدد الأسر المتضررة تجاوز 136 ألف أسرة، وهو ما يعني أن الملف يمس بيوتا ومصادر رزق ومدخرات عمر كاملة.

 

كما يظهر رقم 546 ألف مواطن حجم الأثر الاجتماعي لنزع الملكية، لأن القرار الإداري لا يزيل أرضا أو عقارا فقط، بل يغير حياة أسر كاملة ويعيد ترتيب مستقبلها قسرا.

 

وتطرح هذه الأرقام سؤالا مركزيا حول معنى المنفعة العامة، لأن توسع المشروعات لا يمنح الحكومة حقا مفتوحا في انتزاع الملكيات دون ضمان تعويض عادل وسريع ومناسب للسوق.

 

وفي هذا السياق، تخدم قراءة الباحث العمراني يحيى شوكت محور تعريف المنفعة العامة، بعدما انتقد اتساع النصوص التي تمنح الحكومة قدرة واسعة على إعلان النفع العام دون رقابة كافية.

 

وتكشف هذه القراءة أصل المشكلة، لأن الحكومة توسع قائمة المشروعات التي تندرج تحت المنفعة العامة، ثم تضع المواطن أمام أمر واقع، بينما يظل الطعن أو الاعتراض مسارا شاقا وبطيئا.

 

وبذلك تتحول المنفعة العامة من شرط استثنائي إلى بوابة واسعة لنزع الملكية، خصوصا عندما لا يحصل السكان على مشاركة حقيقية أو معلومات مبكرة أو تقييم واضح للأضرار.

 

ولا تنفصل هذه الأزمة عن مشروعات الطرق والكباري، التي استحوذت على نصيب كبير من التعويضات المقدرة، وفق بيانات مرصد عمران، بما يجعل البنية التحتية أكبر محرك لنزع الملكية.

 

ومن هنا يظهر الخلل الأول في منظومة التعويضات، لأن الدولة تقرر المشروع ومساره وسرعة تنفيذه، بينما يدخل المواطن لاحقا في رحلة إثبات حقه ومراجعة قيمة التعويض وتحصيله.

 

تعويضات تتآكل قبل أن تصل لأصحابها

 

تنص المادة 35 من الدستور المصري على أن الملكية الخاصة مصونة، وأن نزعها لا يجوز إلا للمنفعة العامة ومقابل تعويض عادل يدفع مقدما وفق القانون.

 

غير أن واقع الشكاوى يكشف فجوة مباشرة بين النص الدستوري والتطبيق، لأن متضررين كثيرين يشكون من تأخر الصرف، أو انخفاض قيمة التعويض مقارنة بالسعر السوقي الفعلي للأرض أو العقار.

 

وتزداد الأزمة مع التضخم وارتفاع الأسعار، لأن التعويض الذي تحدده جهة إدارية في توقيت معين قد يصبح عاجزا بعد شهور عن شراء بديل مماثل أو تعويض الخسارة الحقيقية.

 

كما يفاقم تأخر الصرف الضرر الواقع على الأسر، لأن المواطن يفقد العقار أو الأرض أولا، ثم ينتظر إجراءات إدارية وقانونية طويلة للحصول على مبلغ تقل قيمته بمرور الوقت.

 

وتخدم رؤية المحامي الحقوقي خالد علي محور الحماية الدستورية، لأنه دافع في ملفات حقوقية عديدة عن أولوية النصوص الدستورية عندما تتعارض السلطة التنفيذية مع حقوق المواطنين الأساسية.

 

وتظهر وظيفة هذه الرؤية هنا في ربط التعويض بحق الملكية، لأن نزع الملكية دون دفع فعلي ومسبق وعادل لا يمثل إجراء تنظيميا عاديا، بل يمس جوهر الضمانة الدستورية.

 

كما أن قانون نزع الملكية نظم إجراءات الإيداع والتقدير، لكنه لا يحل وحده مشكلة العدالة إذا ظلت لجان التقييم بعيدة عن أسعار السوق أو غير محدثة مع المتغيرات الاقتصادية.

 

وتؤكد الشكاوى أن بعض التعويضات المقدرة لا تتوافق مع الواقع، خاصة في المناطق التي ترتفع فيها الأسعار سريعا بعد إعلان المشروع أو بسبب تغيرات عمرانية كبيرة حول الموقع.

 

وبسبب ذلك، لا يكفي أن تقول الحكومة إنها خصصت أو أودعت قيمة التعويض، لأن معيار العدالة الحقيقي يبدأ من حصول المواطن على المبلغ المناسب في الوقت المناسب.

 

وتكشف دراسة مرصد عمران أن إجمالي التعويضات المقدرة بلغ نحو 35 مليار جنيه خلال فترة الرصد، وهو رقم كبير ظاهريا، لكنه يحتاج إلى مراجعة أمام عدد الأسر المتضررة وحجم الأراضي المنزوعة.

 

وتصبح المشكلة أكثر حدة عندما لا تشمل التعويضات كل الأضرار المباشرة وغير المباشرة، مثل فقدان مصدر الدخل أو تكلفة الانتقال أو خسارة شبكة اجتماعية ارتبطت بالمكان لسنوات طويلة.

 

وفي هذه النقطة، لا يجب أن تظل الدولة هي الخصم والحكم، لأن الجهة صاحبة المشروع تملك نفوذا تنفيذيا واسعا، بينما يقف المواطن أمام تقدير إداري يصعب تعديله بسرعة.

 

المواطن يدفع ثمن تنمية بلا عدالة

 

تربط الحكومة بين نزع الملكية ومشروعات التنمية والبنية التحتية، لكنها تتجاهل أن التنمية التي تبدأ بانتزاع بيت أو أرض دون تعويض عادل تتحول إلى عبء على أصحاب الحق.

 

وتخدم رؤية الناشطة منال الطيبي، مسؤولة مبادرة الحق في السكن، محور العدالة الاجتماعية، لأنها تؤكد أن إخلاء المواطنين أو إزالة مساكنهم لا يجوز دون تفاوض وضمان بدائل مناسبة.

 

وتكشف هذه الرؤية أن جوهر الأزمة لا يقف عند مبلغ التعويض فقط، بل يمتد إلى طريقة التعامل مع السكان، وحقهم في المعرفة والتفاوض والاعتراض والحصول على بديل يحفظ حياتهم.

 

كما أن الأسر المتضررة لا تخسر حجرا أو فدانا مجردا، لأنها تفقد أحيانا قربها من العمل والمدرسة والعائلة والسوق، وهي عناصر لا تدخل غالبا في التقييم المالي الضيق

.

وبذلك ينتج نزع الملكية ضررا مركبا، لأن الدولة تربح مسارا لمشروعها، بينما يدفع المواطن تكلفة الانتقال والانتظار والتقاضي وتآكل التعويض وفقدان الاستقرار النفسي والاجتماعي.

 

وتتضح المشكلة أكثر في القرى والمناطق الطرفية، حيث تمثل الأرض مصدر دخل أساسي، ولا يستطيع صاحبها تعويضها بسهولة حتى لو حصل على مبلغ نقدي بعد شهور أو سنوات.

 

كما يفتح غياب الشفافية بابا واسعا للغضب، لأن المواطن يحتاج إلى معرفة سبب النزع وقيمة التقييم وموعد الصرف والجهة المسؤولة وآلية التظلم قبل أن تصله المعدات إلى أرضه.

 

وعلى هذا الأساس، تبدو المطالبة بمراجعة آليات التقييم والصرف ضرورة عاجلة، لأن استمرار المنظومة الحالية يعني تكرار نفس الشكاوى مع كل محور وطريق ومشروع جديد.

 

ويجب أن تبدأ المعالجة بتحديث قيم التعويضات وفق أسعار السوق وقت الصرف الفعلي، لا وقت القرار فقط، لأن التضخم يحول التأخير الإداري إلى خصم مباشر من حق المواطن.

 

كما تحتاج الدولة إلى نشر قاعدة بيانات واضحة لقرارات نزع الملكية، تشمل المشروع والمساحة وعدد المتضررين وقيمة التعويض وموعد الصرف، حتى يستطيع الرأي العام مراقبة التنفيذ.

 

ولا يكتمل الإصلاح دون آلية طعن سريعة ومستقلة، تسمح للمتضررين بمراجعة قيمة التعويض قبل إخلاء الأرض أو العقار، لأن التقاضي اللاحق يترك المواطن أضعف من الجهة النازعة.

 

وتتحمل الحكومة المسؤولية الأكبر في هذا الملف، لأنها اختارت توسيع المشروعات بوتيرة سريعة، لكنها لم تطور بنفس السرعة منظومة تعويض عادلة تحفظ حقوق الناس قبل تنفيذ الجرافات.

 

وفي النهاية، تكشف أرقام نزع 88 ألفا و769 فدانا أن أزمة التعويضات لم تعد حالات فردية متناثرة، بل أصبحت ملفا اجتماعيا ضخما يضع حق الملكية في مواجهة دولة توسعت بلا إنصاف كاف.

 

وتبقى الخلاصة أن التنمية التي لا تدفع تعويضا عادلا ومقدما لا تصنع عدالة عمرانية، بل تنقل تكلفة المشروعات إلى المواطنين، وتترك أكثر من نصف مليون متضرر يطاردون حقوقهم خلف قرارات المنفعة العامة.