عاد ملف الأحوال الشخصية إلى واجهة النقاش البرلماني في مصر بعد طرح مقترحات جديدة تستهدف تعديل عدد من أكثر مواده إثارة للنزاع، وفي مقدمتها إلغاء جنحة تبديد المنقولات الزوجية واستبدالها بدعوى مدنية، إلى جانب مراجعة قواعد الحضانة والرؤية والاستضافة.

 

ويعكس هذا التحرك اتجاهًا داخل بعض الدوائر البرلمانية لإعادة النظر في فلسفة القانون نفسها، لا في إجراء جزئي فقط، خصوصًا مع تصاعد الشكاوى من أن النزاعات الأسرية بعد الانفصال تتحول سريعًا إلى مسارات جنائية معقدة تزيد التوتر ولا تنهيه.

كما يأتي هذا الجدل في لحظة تشير فيها البيانات الرسمية إلى استمرار ارتفاع حالات الطلاق في مصر، بما يضع ملف الأسرة تحت ضغط اجتماعي وقضائي متواصل. وقد أظهرت بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أن عدد إشهادات الطلاق الموثقة بلغ 273892 حالة في 2024 بزيادة 3.1% عن 2023، بينما انخفض عدد عقود الزواج 2.5% إلى 929428 عقدًا.

 

هذا النقاش لا يدور في فراغ تشريعي، لأن البرلمان كان قد شهد خلال الشهور الأخيرة جلسات مرتبطة بملفات الأسرة، من بينها مناقشات تخص زواج القاصرات وسد الثغرات القانونية المرتبطة به، ما يدل على أن ملف الأحوال الشخصية كله عاد ليُطرح باعتباره ساحة تحتاج إعادة ترتيب شاملة.

 

وفي هذا السياق، برز مقترح النائب أحمد الحمامصي بشأن إلغاء جنحة تبديد المنقولات الزوجية كأكثر البنود إثارة للجدل، لأنه يمس واحدة من أكثر الأدوات استخدامًا في نزاعات ما بعد الطلاق. ووفق ما نقلته وسائل إعلام مصرية اليوم، فإن المقترح يقوم على نقل النزاع من المسار الجنائي إلى المسار المدني، بحيث تصبح استعادة المنقولات أو التعويض عنها مسألة حقوق مالية لا مسألة حبس وعقوبة جنائية.

 

إلغاء جنحة التبديد يفتح باب تغيير فلسفة التعامل مع النزاع الأسري

 

يقوم جوهر المقترح المطروح على أن تبديد المنقولات الزوجية لا يجب أن يبقى جريمة يعاقب عليها بالحبس، بل نزاعًا مدنيًا يمكن التعامل معه عبر التعويض أو الغرامة أو استرداد الحق عينيًا. وقد أعلن عاطف المغاوري، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب التجمع وعضو لجنة الشؤون التشريعية، تأييده لهذا الاتجاه، معتبرًا أن تقليل اللجوء إلى الحبس في النزاعات الأسرية قد يحد من التصعيد بين الزوجين بعد الطلاق، وأن المسار المدني يتيح بدائل قانونية أقل تدميرًا للعلاقات العائلية.

 

ويستند مؤيدو هذا التعديل إلى أن عددًا من قضايا المنقولات يتحول بعد الانفصال إلى وسيلة ضغط متبادل أكثر من كونه طريقًا سريعًا لاسترداد الحقوق. ولذلك يرى أصحاب المقترح أن بقاء النزاع داخل المحكمة المدنية قد يخفف من التهديد المباشر بالحبس، ويقلل من استخدام البلاغات الجنائية كسلاح تفاوضي بين الطرفين. كما نقلت وسائل إعلام مصرية عن أحمد الحمامصي نفسه أن الهدف هو الحد من تصعيد الخصومات وحماية مصلحة الطفل من أن تتحول إلى ضحية في معركة قانونية مفتوحة بين الأبوين.

 

لكن هذا الطرح لا يمر من دون حساسية، لأن نقل الملف إلى القضاء المدني يثير تلقائيًا سؤال الضمانات الفعلية لحق الزوجة في استرداد منقولاتها أو قيمتها، خاصة إذا طال أمد التقاضي أو تعذر التنفيذ. وحتى الآن، ما ظهر في الساحة هو دعم برلماني وتصريحات صحفية ومطالبات بتغيير الفلسفة القانونية، لا مشروع قانون أُقر نهائيًا أو دخل حيز التنفيذ. وهذا يعني أن النقاش ما زال في مرحلة الضغط والترويج السياسي، وأن معركة الصياغة التفصيلية ستحدد لاحقًا ما إذا كان التعديل سيقلل الظلم أم سينقل مركزه فقط من باب إلى آخر.

 

الحضانة والرؤية والاستضافة تعود إلى قلب الجدل التشريعي

 

لا يقف الحراك الحالي عند ملف المنقولات، بل يمتد إلى منظومة أوسع ترتبط بالحضانة والرؤية والاستضافة، وهي ملفات ظلت لسنوات من أكثر أبواب الأحوال الشخصية إثارة للنزاع الاجتماعي والقانوني. وتشير المواد الصحفية المتداولة حول المقترحات الجديدة إلى طرح أفكار تتعلق بإعادة ترتيب أولوية الحضانة بحيث يأتي الأب بعد الأم مباشرة، إلى جانب توسيع أدوات التواصل بين الطفل والطرف غير الحاضن عبر صيغ مثل الرؤية الإلكترونية، وتنظيم الاستضافة لفترات أطول وفق ضوابط قانونية محددة.

 

أهمية هذا المسار لا تنبع فقط من حساسيته الأسرية، بل من كونه يمس التوازن بين حق الطفل في الاستقرار وحق كل من الأبوين في استمرار العلاقة به بعد الانفصال. ولذلك فإن أي تعديل في هذه المواد لن يُقاس فقط بمدى استجابته لمطالب أحد الطرفين، بل بمدى قدرته على إنتاج صيغة أقل صدامًا وأكثر قابلية للتنفيذ العملي. وحتى الآن، لا توجد صيغة رسمية نهائية منشورة تجمع هذه البنود كلها في مشروع واحد معروض علنًا، لكن الواضح أن البرلمان يناقش تغييرًا أوسع من مجرد مادة واحدة أو جنحة منفصلة.

 

كما أن عودة هذه الملفات إلى الطاولة التشريعية تأتي في مناخ سياسي شهد حساسية واضحة تجاه أي حديث علني عن تعديل قانون الأحوال الشخصية. ففي 1 أبريل 2026، قالت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية إن محمد مجدي حسن الشامي تعرض للحبس على خلفية مطالبته بتعديل قانون الأحوال الشخصية، قبل أن يتم إخلاء سبيله لاحقًا، وهو ما يكشف أن النقاش حول هذا القانون لا يجري فقط في ساحة البرلمان، بل أيضًا في مساحة عامة شديدة التوتر والانقسام. وهذه الخلفية تضيف وزنًا سياسيًا للنقاش الحالي، لأنها تُظهر أن القانون لم يعد مجرد ملف فني، بل صار ملفًا عامًا تمس تبعاته المجتمع والدولة معًا.

 

ارتفاع الطلاق يضغط على البرلمان ويدفع نحو إعادة الصياغة

 

السبب الأكثر وضوحًا وراء تسارع هذا الجدل هو أن أرقام الطلاق تواصل الضغط على الخطاب الرسمي والتشريعي. فبحسب النشرة السنوية للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عن عام 2024، ارتفع عدد حالات الطلاق الموثقة إلى 273892 حالة، منها 158201 في الحضر و115691 في الريف، بينما سجلت القاهرة أكبر عدد من حالات الطلاق بعدد 32716 حالة. وتكشف هذه الأرقام أن الأزمة لم تعد قابلة للتعامل معها بصفتها حالات فردية متناثرة، بل باعتبارها مسارًا اجتماعيًا مستمرًا يفرض على البرلمان إعادة النظر في بنية القانون وآليات فض النزاع.

 

كما أن ارتفاع الطلاق تزامن مع تراجع الزواج، وهو ما يجعل صورة الاستقرار الأسري أكثر هشاشة من قبل. وعندما تنخفض عقود الزواج وترتفع حالات الطلاق في الوقت نفسه، يصبح النقاش التشريعي مضغوطًا من ناحيتين، الأولى تتعلق بكيفية تقليل النزاعات بعد الانفصال، والثانية تتعلق باستعادة الثقة في الإطار القانوني الذي ينظم العلاقة الأسرية من البداية. ولهذا يبدو أن البرلمان يتجه الآن إلى مراجعة مواد كانت لسنوات تُترك للتراكم والتأجيل، قبل أن يعود إليها تحت ضغط الأرقام والاحتقان الاجتماعي معًا.

 

في النهاية، يكشف الجدل الحالي أن ملف الأحوال الشخصية دخل مرحلة مراجعة جديدة قد تكون أوسع مما تبدو عليه الآن. فالمطروح ليس فقط إلغاء جنحة تبديد المنقولات، بل مراجعة طريقة تدخل القانون نفسه في النزاع الأسري، وحدود العقوبة الجنائية، وترتيب الحضانة، وآليات الرؤية والاستضافة. وحتى تصير هذه المقترحات نصوصًا نافذة، سيبقى السؤال مفتوحًا حول ما إذا كان البرلمان سيتجه فعلًا إلى قانون أكثر توازنًا وأقل تصعيدًا، أم أن النقاش سينتهي إلى تعديلات جزئية تترك جوهر الأزمة كما هو.