حسم مجلس النواب العراقي، ملف رئاسة الجمهورية بانتخاب نزار آميدي رئيساً جديداً للعراق، في جلسة اتسمت بحضور واسع ومقاطعة لافتة من قوى سياسية رئيسية، ما يكرّس صورة الانقسام داخل البيت السياسي العراقي مع دخول البلاد مرحلة جديدة من الاستحقاقات الدستورية.

 

وشهدت جلسة البرلمان مشاركة 252 نائباً من أصل 329، حيث جرى انتخاب آميدي بعد جولتين من التصويت تنافس خلالهما مع عدد من المرشحين، أبرزهم وزير الخارجية فؤاد حسين، قبل أن يتمكن من حصد الأغلبية النيابية التي أهلته لتولي المنصب، منهياً بذلك حالة الجمود التي رافقت شغور رئاسة الجمهورية خلال الفترة الماضية.

 

وجاءت عملية الانتخاب وسط مقاطعة كتل سياسية وازنة، من بينها ائتلاف دولة القانون بزعامة نوري المالكي، والحزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة مسعود بارزاني، في مؤشر يعكس عمق الخلافات بين القوى الفاعلة، سواء على المستوى الشيعي أو الكردي، وتداعياتها المباشرة على مسار العملية السياسية.

 

ويمثل انتخاب رئيس الجمهورية خطوة دستورية تمهيدية لبدء مرحلة جديدة، إذ يُنتظر أن يتولى الرئيس المنتخب تكليف مرشح الكتلة النيابية الأكبر، المتمثلة بتحالف "الإطار التنسيقي"، بتشكيل الحكومة المقبلة خلال مدة لا تتجاوز 30 يوماً، وفقاً للدستور العراقي.

 

غير أن هذا المسار لا يزال يواجه تحديات سياسية معقدة، في ظل استمرار الخلافات داخل مكونات "الإطار التنسيقي" نفسها، وعدم التوصل إلى اتفاق نهائي بشأن مرشح رئاسة الوزراء، ما يضع البلاد أمام اختبار جديد يتعلق بقدرة القوى السياسية على إدارة التوازنات وتجاوز الانقسامات المتراكمة.

 

وتشير معطيات سياسية إلى أن حسم موقع رئاسة الجمهورية قد يفتح الباب أمام إعادة ترتيب المشهد التنفيذي، إلا أن التباينات داخل القوى الرئيسية قد تعرقل الوصول إلى توافق سريع بشأن الحكومة المقبلة، خصوصاً في ظل تداخل الحسابات السياسية والحزبية.

 

وقال عضو في الإطار التنسيقي إن المرحلة الحالية تمثل "منعطفاً دستورياً مهماً"، لكنها في الوقت ذاته تتطلب توافقات دقيقة لضمان استكمال الاستحقاقات المقبلة ضمن الأطر القانونية، مؤكداً أن المشاورات لا تزال مستمرة لاختيار شخصية قادرة على قيادة الحكومة في المرحلة المقبلة.

 

نزار آميدي رئيساً للعراق في ظل شبكة توازنات سياسية دقيقة

 

مع وصول نزار آميدي إلى منصب رئاسة الجمهورية، يدخل العراق مرحلة سياسية جديدة تتسم بالحساسية والتعقيد، في ظل نظام قائم على التوافق بين المكونات، وتوازنات دقيقة تحكم توزيع المناصب العليا في الدولة.

 

ويُعد آميدي، الذي ينحدر من إقليم كردستان، واحداً من الشخصيات السياسية التي برزت داخل مؤسسات الدولة العراقية خلال السنوات الماضية، حيث تنقل بين مواقع حزبية وتنفيذية متعددة، ما منحه خبرة واسعة في إدارة الملفات المشتركة بين بغداد وأربيل.

 

وينتمي الرئيس الجديد إلى الاتحاد الوطني الكردستاني، وهو أحد أبرز الأحزاب الفاعلة في الساحة الكردية والعراقية، والتي لعبت دوراً محورياً في الترتيبات السياسية الخاصة بمنصب رئاسة الجمهورية خلال الدورات السابقة.

 

وقد شغل آميدي خلال مسيرته السياسية مناصب حكومية وإدارية، من بينها وزارة البيئة في الحكومة الاتحادية، إضافة إلى موقعه في إدارة مكتب رئاسة الجمهورية خلال فترات رئاسية سابقة، وهو ما أكسبه اطلاعاً مباشراً على طبيعة التوازنات بين المركز والإقليم.

 

ويُنظر إلى هذه الخلفية على أنها عنصر أساسي في قدرته على إدارة موقع الرئاسة، الذي يُفترض أن يقوم بدور "الضامن الدستوري" للتوازن بين القوى السياسية، أكثر من كونه طرفاً في الصراع السياسي.

 

ويتولى آميدي منصبه في وقت يواجه فيه العراق تحديات متعددة، تشمل أزمات اقتصادية مرتبطة بالإنفاق العام والبطالة، إضافة إلى ملفات أمنية لا تزال تشكل ضغطاً على الاستقرار الداخلي، فضلاً عن استمرار التنافس السياسي بين الكتل الكبرى.

 

ويرى مقربون من الحزب الذي ينتمي إليه أن توليه المنصب قد يسهم في تخفيف التوتر داخل الساحة السياسية، خصوصاً في ما يتعلق بالعلاقات بين بغداد وأربيل، وكذلك في تقليل حدة الخلافات داخل المكونات السياسية المختلفة، من خلال شخصية توصف بأنها تميل إلى الحلول التوافقية.

 

كما يعوّل داعمون للرئيس الجديد على دوره في تعزيز الحوار بين القوى السياسية، والعمل على إعادة الاعتبار لمؤسسات الدولة بوصفها إطاراً جامعاً، في مرحلة تتطلب إدارة مرنة قادرة على احتواء الأزمات بدل تعميقها.

 

وعلى الصعيد الخارجي، يتمتع آميدي بعلاقات سياسية متوازنة مع عدد من الأطراف الإقليمية والدولية، ما قد يتيح له هامشاً أوسع في دعم سياسة العراق الخارجية القائمة على التوازن وعدم الانحياز.