يشهد قطاع غزة أزمة نقل غير مسبوقة، بعد الدمار الواسع الذي أصاب البنية التحتية خلال الحرب المستمرة، ما أدى إلى انهيار شبه كامل في منظومة المواصلات التقليدية، ودفع السكان إلى الاعتماد على حلول بديلة فرضتها الضرورة في ظل واقع معيشي بالغ التعقيد.
وتشير تقديرات ودراسات تحليلية حديثة إلى أن تدمير الطرق الرئيسية والفرعية، وخروج أعداد كبيرة من المركبات عن الخدمة، إضافة إلى النقص الحاد في الوقود وقطع الغيار، أسهمت جميعها في شلل واسع لحركة النقل داخل القطاع، وجعلت التنقل اليومي مهمة شاقة ترتبط بتكاليف مرتفعة ومخاطر متزايدة على السكان.
في ظل هذا الواقع، لم تتوقف حركة الحياة بشكل كامل، بل أعاد السكان تشكيلها عبر ما يمكن وصفه بمنظومة نقل بديلة نشأت بشكل عفوي وغير منظم. هذه المنظومة تعتمد على وسائل بسيطة، من بينها العربات اليدوية والمجرورة، والدراجات الهوائية، والعربات التي تجرها الحيوانات، إلى جانب مركبات “التوك توك” وبعض الشاحنات التي تحولت إلى وسائل نقل جماعي مؤقتة.
هذا التحول لم يقتصر على كونه استجابة ظرفية لأزمة المواصلات، بل امتد ليخلق أنماطًا اقتصادية جديدة داخل المجتمع. فقد ظهرت مهن مرتبطة مباشرة بوسائل النقل البديلة، مثل تشغيل العربات الصغيرة ونقل الركاب والبضائع لمسافات قصيرة، في وقت ارتفعت فيه تكاليف التنقل بشكل حاد، ما زاد من الأعباء المعيشية على السكان، وعمّق الفجوة في الوصول إلى الخدمات الأساسية.
وتكشف التحليلات أن أزمة النقل باتت عاملًا مؤثرًا في مختلف جوانب الحياة اليومية، بما في ذلك توزيع المساعدات الإنسانية والمواد الغذائية، حيث أصبح الحصول على الاحتياجات الأساسية مرتبطًا بقدرة الأفراد على تحمل تكلفة التنقل، في ظل أزمة سيولة خانقة وارتفاع غير مسبوق في أسعار الخدمات المرتبطة بالحركة داخل القطاع.
ويصف خبراء هذا الوضع بأنه “اقتصاد حركة” نشأ بفعل الانهيار، حيث أعاد السكان تنظيم أنماط تنقلهم بما يتناسب مع الواقع الجديد، لكن دون وجود إطار مؤسسي أو بنية تحتية منظمة، ما يجعل هذا النموذج هشًا ومعرضًا للتفاقم في أي لحظة.
ورغم قدرة المجتمع على التكيف وابتكار حلول بديلة، إلا أن الواقع الحالي يكشف عن تحديات عميقة تتعلق بغياب منظومة نقل آمنة ومستقرة، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على الحياة الاقتصادية والاجتماعية في مختلف مناطق القطاع.
وتؤكد التوصيات الواردة في الدراسات المتخصصة ضرورة التدخل العاجل لإعادة تأهيل قطاع النقل ضمن خطة شاملة لإعادة الإعمار، بما يضمن استعادة القدرة على التنقل بشكل آمن وعادل، ويخفف من الأعباء المتزايدة على السكان، باعتبار أن حركة الأفراد والبضائع تمثل عنصرًا أساسيًا في أي عملية تعافٍ اقتصادي وإنساني مستقبلي في غزة.

