دفع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باتجاه توسيع المشاركة الدولية في تأمين مضيق هرمز، حين قال إن الولايات المتحدة “لا تحصل على شيء” من المضيق، وإن الدول التي تحصل على النفط عبره هي التي يجب أن تشارك “بالقتال والدفاع”. هذا الموقف لا يشير إلى انسحاب أمريكي كامل، لكنه يكشف بوضوح أن واشنطن تريد نقل جزء أكبر من الكلفة العسكرية والسياسية إلى حلفاء وشركاء يعتمدون على نفط الخليج.

 

دعوة للحلفاء لا إعلان انسحاب

 

تصريحات ترامب جاءت في لحظة تصعيد حاد بعد تهديدات إيرانية بإغلاق مضيق هرمز، وهو ممر يمر عبره نحو 20 مليون برميل نفط يوميًا في الظروف العادية، ما يجعله شريانًا رئيسيًا للاقتصاد العالمي. وفي منشور على “تروث سوشيال” وتصريحات لاحقة للصحفيين، قال ترامب إن دولًا عديدة سترسل سفنًا حربية بالتنسيق مع الولايات المتحدة لإبقاء المضيق مفتوحًا وآمنًا، وذكر بالاسم دولًا مثل الصين وفرنسا واليابان وكوريا الجنوبية والمملكة المتحدة.

 

هذه الصيغة لا تعني أن ترامب ينسحب من المشهد، لأن كلامه تضمن أيضًا وعدًا بأن الولايات المتحدة ستبقى حاضرة وستساعد في المهمة، بل وواصل التهديد باستهداف الزوارق الإيرانية وقصف الساحل إذا تعرّضت الملاحة للخطر. لذلك فالأدق أن ترامب يريد تدويل الحراسة لا إنهاء الدور الأمريكي، أي البقاء قائدًا للتحالف مع تقاسم الأعباء بدل تحمّلها منفردًا.

 

ويقول جون ألترمان، مدير برنامج الشرق الأوسط في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، إن هذا النوع من التصريحات ينسجم مع نهج ترامب القائم على تحويل التحالفات إلى ترتيبات “مقابل خدمة”. فالإدارة الأمريكية، بحسب هذا المنطق، لا ترى أن حماية تجارة الطاقة العالمية يجب أن تبقى مهمة أمريكية خالصة، خصوصًا حين يكون المستفيد الأكبر منها دولًا أخرى.

 

تدويل الحرب أم تقليل الكلفة

 

السؤال الأهم ليس ما إذا كان ترامب يريد القتال، بل كيف يريد أن يُدار. فحين يقول إنه “يطلب” أو “يطالب” نحو 7 دول بالانضمام إلى ائتلاف لتأمين المضيق، فهو عمليًا يوسع دائرة الأطراف المنخرطة في الأزمة، حتى لو قدّم ذلك تحت عنوان “حماية الملاحة”. وفي بيئة مشحونة مثل الخليج، يمكن لأي قوة بحرية إضافية أن ترفع احتمالات الاحتكاك المباشر، ما يعني أن توسيع الحراسة قد يتحول سريعًا إلى توسيع للحرب نفسها.

 

لكن في الوقت نفسه، يحمل الخطاب بُعدًا آخر لا يقل أهمية. ترامب شدد مرارًا على أن الولايات المتحدة صارت أقل اعتمادًا على نفط الخليج، وأن دولًا مثل الصين تستفيد من المضيق أكثر من واشنطن. هذه الرسالة تعني أنه يريد خفض العبء الأمريكي النسبي، ماليًا وعسكريًا، من دون التخلي عن القيادة أو النفوذ أو القدرة على فرض الشروط.

 

الخبير في شؤون الطاقة روجر ديوان يرى أن جوهر المعركة هنا اقتصادي بقدر ما هو عسكري. فواشنطن تدرك أن اضطراب هرمز يضرب أسواق النفط ويصيب حلفاءها الآسيويين والأوروبيين بسرعة أكبر مما يصيبها مباشرة، ولذلك تحاول دفع هؤلاء إلى تحويل اعتمادهم على الممر إلى مساهمة أمنية فعلية.

 

بين الابتزاز السياسي والردع البحري

 

لهجة ترامب ذهبت أبعد من مجرد طلب مساعدة. فقد لوّح، بحسب تقارير إعلامية، بأن واشنطن “ستتذكر” من يرفض المساعدة، كما ربط الأمر بمستقبل العلاقات مع الحلفاء وحتى بحلف شمال الأطلسي. هذه اللغة تجعل المسألة أقرب إلى ضغط سياسي خشن منها إلى تنسيق متكافئ بين شركاء، وتكشف أن الإدارة الأمريكية تنظر إلى المضيق كساحة لفرض التزامات جديدة على الحلفاء، لا فقط لحماية ناقلات النفط.

 

من هنا يمكن فهم التناقض الظاهري في موقف ترامب. فهو لا يريد انسحابًا أمريكيًا بالمعنى الحرفي، لأن الولايات المتحدة ما زالت تقود الحرب على إيران وتحتفظ بالقدرة البحرية الأكبر في المنطقة. لكنه أيضًا لا يريد استمرار النموذج القديم الذي تتحمل فيه واشنطن وحدها كلفة حماية النظام النفطي العالمي. لذلك يدفع في اتجاه معادلة جديدة: قيادة أمريكية، مشاركة دولية، وابتزاز سياسي لمن يتردد.

 

ويقول الباحث في العلاقات الدولية طارق فهمي إن ترامب يتصرف هنا بعقلية “المقاول السياسي” لا بعقلية التحالف التقليدي. فهو لا ينسحب من المعركة، لكنه يعيد توزيع فاتورتها على الآخرين، ويحوّل أمن الممرات البحرية إلى ورقة مساومة مع الحلفاء والخصوم معًا. ووفق هذا الفهم، فإن المطلوب ليس إنهاء الدور الأمريكي، بل تعويمه داخل مظلة أوسع تتحمل جزءًا من الكلفة وتمنحه في الوقت نفسه شرعية دولية أكبر.

 

في المحصلة، لا يبدو أن ترامب يريد الانسحاب من حرب هرمز، ولا أن يترك الممر لإيران أو للفوضى. ما يريده، وفق تصريحاته وسياقها، هو توريط دول أكثر في الحراسة والمواجهة، حتى لا تبقى الولايات المتحدة وحدها في الواجهة. وبذلك يصبح السؤال الأدق ليس: هل ينسحب ترامب؟ بل: إلى أي مدى يستطيع أن يجرّ الآخرين إلى حرب يديرها هو ويطالبهم هم بدفع ثمنها؟