انطلقت فعالية إطلاق "أسطول الصمود العالمي" من برشلونة، اليوم الأحد 13 إبريل، في مشهد أراد منظموه أن يبدو أكبر من مجرد رحلة بحرية جديدة نحو غزة. فالأسطول، الذي يضم عشرات السفن وآلاف المشاركين، خرج هذه المرة تحت عنوان سياسي وإنساني مزدوج: كسر الحصار الإسرائيلي المستمر على القطاع، وكسر ما يصفه المنظمون بصمت الحكومات الغربية والمؤسسات الدولية أمام التجويع والحصار والانهيار الصحي المتواصل في غزة.
لكن البداية نفسها حملت إشارة مبكرة إلى حجم التعقيد الذي يواجه المهمة، إذ أعلن المنظمون أن السفن لن تتجه فورًا إلى المياه الدولية بسبب سوء الأحوال الجوية، وأن جزءًا من المسار سيبدأ باتجاه موانئ وسيطة قبل مواصلة الرحلة.
هذه الانطلاقة تأتي بعد أقل من عام على محاولة سابقة تعرضت خلالها سفن مشاركة في الأسطول للاعتراض والاحتجاز من جانب إسرائيل، وهو ما جعل نسخة 2026 محملة بمعنى أوسع من مجرد تسليم مساعدات. فالمنظمون يتحدثون عن "أكبر مهمة مدنية في التاريخ" تتحدى الحصار البحري على غزة، بينما تقول منظمات حقوقية إن القضية لم تعد مرتبطة فقط بحرية الملاحة أو حق النشطاء في الاحتجاج، بل بحق أكثر من مليوني فلسطيني في الوصول إلى الغذاء والدواء والعلاج في ظل استمرار القيود الإسرائيلية على دخول المساعدات وتكرار استهداف البنية الصحية والإنسانية منذ بداية الحرب.
الأسطول يبدأ من برشلونة لكن رسالته تتجاوز البحر
قال عضو اللجنة التنظيمية تياجو أفيلا إن 39 سفينة كان من المتوقع أن تغادر من ميناء مول دي لا فوستا في برشلونة في المرحلة الأولى باتجاه صقلية، على أن تنضم سفن أخرى في الطريق، بينما تتحدث بيانات المنظمين عن أكثر من 70 قاربًا وآلاف المشاركين من أنحاء مختلفة من العالم. وبذلك يحاول المنظمون تقديم المهمة بوصفها أكبر من كل المحاولات السابقة للوصول إلى غزة مجتمعة، لا من حيث عدد السفن فقط، بل من حيث حجم التعبئة الدولية التي تراكمت حولها منذ شهور.
هذا الاتساع في الحجم والتنظيم لا ينفصل عن إدراك واضح لدى القائمين على الحملة بأن المساعدات وحدها لم تعد كافية لصياغة الرسالة. لذلك شدد أفيلا خلال مؤتمر صحفي في برشلونة على أن الهدف هو حشد مزيد من القوارب وبناء أسطول أكبر من كل المحاولات السابقة، بما يعني أن المعركة تدور أيضًا في ساحة الرأي العام العالمي، وأن الرحلة صممت لتكون حدثًا سياسيًا ضاغطًا بقدر ما هي تحرك إنساني. رويترز نقلت أيضًا أن المهمة تهدف إلى إنشاء ممر إنساني يسمح بوصول الإغاثة إلى غزة، في وقت تقول فيه منظمات دولية إن الاحتياجات الأساسية لا تزال بعيدة عن التغطية الكافية رغم وعود سابقة بزيادة تدفق المساعدات.
إلى جانب المسار البحري، أعلن المنظمون عن قافلة برية موازية في شمال أفريقيا تستهدف الوصول إلى معبر رفح، من دون كشف مسارها الكامل. هذا الإعلان يوضح أن الحملة لا تريد حصر نفسها في البحر المتوسط، بل تسعى إلى توزيع الضغط على أكثر من جبهة، خصوصًا بعدما أظهرت محاولات سابقة أن إغلاق طريق واحد يكفي لإفشال المهمة كلها. كما أن الإشارة إلى تضييقات أمنية في تونس وإلى سوابق منع مصر محاولات مشابهة تعني أن التحديات التي تواجه الأسطول لا تأتي فقط من إسرائيل، بل من شبكة إقليمية كاملة من الإغلاقات والقيود والحسابات السياسية.
منظمات حقوقية وبيئية تدخل على الخط وتزيد الضغط
المهمة هذا العام حظيت بدعم علني من منظمة العفو الدولية، التي قالت في بيان صدر يوم 11 إبريل إن الدول يجب أن تضمن المرور الآمن لأسطول الصمود العالمي بوصفه مهمة مدنية غير مسلحة تتحدى الحصار المستمر على غزة. وأكدت المنظمة أنه يجب ألا تتكرر الاعتراضات غير القانونية والاعتقالات التعسفية التي تعرضت لها سفن سابقة في عام 2025، بما في ذلك احتجاز سفينة "مادلين" وغيرها، وسوء معاملة بعض النشطاء خلال احتجازهم. هذا الموقف منح الأسطول غطاء حقوقيًا مهمًا، ونقل القضية من نطاق التضامن السياسي إلى نطاق المساءلة القانونية الدولية.
كذلك أعلنت جرينبيس انضمامها إلى المهمة عبر إرسال سفينتها "آركتيك صنرايز" لتقديم دعم فني ولوجستي في البحر المتوسط. ووصفت المنظمة الخطوة بأنها استجابة مباشرة لنداء فلسطيني من غزة، مؤكدة أن السفينة سترافق مهمة مدنية سلمية تطالب بوصول إنساني آمن وغير معرقل. دخول جرينبيس، وهي منظمة معروفة بثقلها الرمزي والإعلامي، وسع من قاعدة الدعم للأسطول ورفع كلفة أي اعتراض محتمل عليه، لأن إسرائيل لن تكون في مواجهة نشطاء متضامنين فقط، بل في مواجهة ملف يضم الآن منظمات حقوقية وبيئية عالمية ذات حضور واسع.
هذا الدعم الخارجي يرتبط مباشرة بحدة الأزمة الإنسانية داخل غزة. رويترز ذكرت أن سكان القطاع الذين يتجاوز عددهم مليوني شخص يواجهون نقصًا حادًا ومطولًا في الغذاء، بينما أشارت المنظمات الدولية إلى مستويات كارثية من الجوع وسوء التغذية والأمراض. وفي السياق نفسه، قالت اليونيسف إن أعداد الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية في غزة ارتفعت بشكل مقلق، وهو ما يجعل أي حديث عن قوافل أو أساطيل أو ممرات إنسانية جزءًا من سباق مع التدهور الصحي والغذائي، لا مجرد نشاط تضامني رمزي.
غزة في قلب المهمة وحسابات الاعتراض تظل مفتوحة
يربط منظمو الأسطول بين الرحلة الحالية وبين ما يعتبرونه اتساعًا في دائرة الإفلات الإسرائيلي من العقاب. ولذلك لا يقدمون المهمة فقط باعتبارها وسيلة لإيصال مساعدات، بل باعتبارها محاولة لفرض تحرك دولي أوسع وكسر حالة الشلل السياسي التي سمحت باستمرار الحصار والقصف والتجويع. وقالت عضوة لجنة الأسطول سوزان عبد الله خلال فعالية الإطلاق إن الإبادة الجماعية في غزة تفرض على من يعيشون في الخارج أن يرفعوا أصواتهم ويوحدوا جهودهم، وهو تصريح يكشف بوضوح أن الخطاب الذي يحكم الحملة لم يعد خطاب إغاثة محدود، بل خطاب مواجهة سياسية مفتوحة مع ما يراه المنظمون عجزًا عالميًا متواطئًا.
في المقابل، تبقى احتمالات الاعتراض الإسرائيلي حاضرة بقوة، خصوصًا مع وجود سوابق مباشرة من العام الماضي. رويترز أشارت إلى أن محاولة سابقة في أكتوبر 2025 انتهت بإيقاف نحو 40 قاربًا واعتقال أكثر من 450 ناشطًا، من بينهم شخصيات معروفة دوليًا. كما أن العفو الدولية استندت في تحذيرها الأخير إلى هذا السجل نفسه، ما يعني أن مهمة 2026 تبدأ وهي تعرف أن الخطر الحقيقي ليس في سوء الطقس وحده، بل في احتمال أن تتحول الرحلة مرة أخرى إلى مواجهة مباشرة مع البحرية الإسرائيلية قبل الوصول إلى غزة.
وتتعقد هذه الحسابات أكثر لأن المنظمين لا يخفون أن الأسطول هذه المرة يريد أن يتجاوز غزة كحدث جغرافي إلى فلسطين كقضية مركزية تربط نضالات أخرى في المنطقة. الناشط سيف أبو كشك قال إن اللجنة عملت منذ العام الماضي على بناء حركة دولية شعبية تتجاوز فكرة المهمة البحرية التقليدية، عبر جمع الناس حول فلسطين بوصفها مركزًا للمقاومة وتوسيع الحراك ليشمل نضالات أخرى. هذه اللغة توضح أن الأسطول لا يتحرك في مساحة إنسانية محايدة، بل في مساحة سياسية واعية، وهو ما يزيد من حساسية ردود الفعل الإسرائيلية والغربية عليه.
لذلك لا تبدو انطلاقة برشلونة مجرد حدث تضامني عابر يمكن إدراجه في أخبار اليوم ثم تجاوزه. فالأسطول ينطلق في لحظة يتداخل فيها الجوع مع الحصار، وتتداخل فيها المساعدات مع السياسة، ويتحول فيها البحر نفسه إلى ساحة اختبار بين نشطاء يريدون كسر الإغلاق وبين قوة احتلال تريد إبقاء غزة تحت السيطرة والمنع. وإذا كان سوء الطقس قد أبطأ الانطلاق نحو المياه الدولية في الساعات الأولى، فإن الخطر الأكبر ما زال أمام السفن لا خلفها، لأن العقبة الأساسية ليست الأمواج بل القرار الإسرائيلي بشأن ما إذا كان هذا الأسطول سيُترك يمر أم سيُعاد اعتراضه كما حدث من قبل.

