بعد يومين فقط من تطبيق قرار غلق المحال التجارية في التاسعة مساءً بدأت آثار القرار تظهر بوضوح في الشارع المصري حيث تتحمل قطاعات واسعة من التجار والمواطنين كلفة مباشرة بينما تراهن الحكومة على تحقيق وفر في استهلاك الطاقة في ظل أزمة عالمية متصاعدة دفعت أسعار النفط إلى مستويات قياسية تجاوزت 115 دولارًا للبرميل خلال مارس متأثرة بتداعيات الحرب وهو ما دفع الحكومة إلى تطبيق إجراءات عاجلة دون طرح بدائل واضحة تقلل من أثر القرار على النشاط الاقتصادي اليومي.

 

ويواصل القرار تطبيقه لليوم الثالث على التوالي وسط تراجع ملحوظ في حركة الأسواق وتغير واضح في نمط الحياة اليومية للمواطنين حيث ألزمت الحكومة المحال العامة والمراكز التجارية والمطاعم بالإغلاق المبكر ضمن خطة لتقليل استهلاك الكهرباء دون تقديم آليات تعويض واضحة للمتضررين وهو ما يعكس اتجاهًا رسميًا لتحميل التكلفة المباشرة للفئات الأكثر ارتباطًا بالنشاط التجاري والاستهلاك اليومي.

 

تراجع مبيعات المحلات

 

في هذا السياق يؤكد عضو بمجلس إدارة اتحاد الغرف التجارية أن قرار الغلق المبكر أدى إلى تراجع واضح في مبيعات المحال التجارية خلال اليومين الأولين بنسبة تراوحت بين 15 و20 بالمئة حسب طبيعة النشاط وهو ما يعكس تأثيرًا مباشرًا على حجم التداول اليومي داخل الأسواق خاصة في الأنشطة التي تعتمد على الفترة المسائية لتحقيق الجزء الأكبر من مبيعاتها.

 

وبناء على ذلك يوضح نفس المصدر أن محال الملابس تعتمد بشكل أساسي على المبيعات الليلية وهو ما يجعلها الأكثر تضررًا من القرار مقارنة بمحال قطع غيار السيارات أو الأدوات الصحية التي تنشط خلال ساعات النهار وهو ما يؤدي إلى تفاوت الخسائر بين القطاعات المختلفة وفق طبيعة النشاط التجاري لكل منها.

 

ثم يشير المصدر إلى أن بعض التجار حاولوا تبكير مواعيد فتح المحال لتعويض ساعات الغلق إلا أن هذه المحاولات لم تحقق نتائج ملموسة بسبب عدم اعتياد المستهلكين على التسوق في الصباح وهو ما يضاعف من حجم الخسائر اليومية ويؤكد أن تغيير سلوك المستهلك يحتاج إلى وقت أطول من فترة تطبيق القرار الحالية.

 

وفي هذا الإطار يقول الدكتور رشاد عبده الخبير الاقتصادي إن فرض قيود زمنية على النشاط التجاري دون دراسة كافية لتوزيع الطلب يؤدي إلى خسائر مباشرة في الإيرادات ويضيف أن تقليص ساعات العمل يقلل من حجم التداول اليومي دون ضمان تحقيق وفر مكافئ في استهلاك الطاقة وهو ما يضعف من جدوى القرار اقتصاديًا.

 

مواطنون يشكون الظلام

 

في المقابل ينعكس القرار بشكل مباشر على تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين حيث تروي مواطنة من منطقة اللبيني بحي الهرم أنها فوجئت بإغلاق المحال وتراجع الإضاءة قبل التاسعة مساءً وهو ما دفعها إلى مغادرة الشارع بسرعة بسبب انخفاض مستوى الأمان نتيجة الظلام المفاجئ في المنطقة.

 

كما تشير نفس المواطنة إلى أن تزامن غلق المحال مع تخفيض إضاءة الشوارع جعل الحركة المسائية أكثر صعوبة وهو ما سيدفعها إلى تقليل الخروج ليلًا خلال الفترة المقبلة وهو ما يعكس تأثير القرار على نمط الحياة اليومية وليس فقط على النشاط التجاري.

 

وفي سياق متصل يظهر مشهد مشابه في حي دار السلام بالقاهرة حيث أغلقت المحال والمقاهي بشارع الفيوم أبوابها مع حلول التاسعة مساءً بالتزامن مع إطفاء أعمدة الإنارة وهو ما أدى إلى غرق الشارع المزدحم في ظلام شبه كامل رغم استمرار وجود المارة في المنطقة.

 

وبناء على ذلك يقول الدكتور سعيد صادق أستاذ علم الاجتماع إن تقليل الإضاءة العامة مع فرض الغلق المبكر يخلق بيئة غير آمنة للمواطنين ويضيف أن أي قرار يؤثر على الحركة الليلية يجب أن يراعي الجوانب الاجتماعية والأمنية وليس فقط الجوانب الاقتصادية أو المتعلقة بالطاقة.

 

مكاسب حكومية

 

في هذا الإطار تراهن الحكومة على تحقيق وفر كبير في استهلاك الكهرباء حيث يصرح مصدر بوزارة الكهرباء أن الخطة تستهدف خفض الاستهلاك بنحو 8 آلاف ميجاوات من إجمالي 29.4 ألف ميجاوات يتم استهلاكها يوميًا وهو ما يعكس حجم الاعتماد على إجراءات الترشيد في مواجهة الأزمة الحالية.

 

كما يوضح المصدر أن الوزارة تستهدف توفير 3 آلاف ميجاوات من خلال ترشيد الاستهلاك داخل المؤسسات الحكومية والعمل بنظام العمل من المنزل يوم الأحد من كل أسبوع بالإضافة إلى تحقيق وفر يومي يبلغ 5 آلاف ميجاوات نتيجة تطبيق قرار الغلق المبكر للمنشآت والمحال التجارية.

 

وفي المقابل يرجح مصدر بوزارة البترول أن إجمالي الوفر الفعلي قد لا يتجاوز 5 بالمئة من استهلاك المواد البترولية سواء في الوقود أو إنتاج الكهرباء وهو ما يعكس فجوة محتملة بين الأهداف المعلنة والنتائج المتوقعة من تطبيق الخطة الحكومية.

 

ثم يضيف المصدر أن الهدف الأساسي من هذه الإجراءات يتمثل في الاستعداد لزيادة الاستهلاك خلال فصل الصيف مع احتمال استمرار الأزمة العالمية لفترة أطول حيث يبلغ متوسط الاستهلاك اليومي نحو 42 ألف طن سولار و27 ألف طن بنزين و6.3 مليار قدم مكعب من الغاز وهو ما يرتفع إلى 7.3 مليار قدم مكعب مع تشغيل أجهزة التكييف.

 

وفي الختام ينقل قرار الغلق المبكر كلفة أزمة الطاقة إلى التجار والمواطنين بشكل مباشر بينما تعتمد الحكومة على تحقيق وفر محدود في الاستهلاك دون ضمانات واضحة لتعويض الخسائر أو تحسين الظروف المعيشية وهو ما يجعل القرار محل انتقاد واسع في ظل تأثيره المباشر على النشاط الاقتصادي والحياة اليومية واستمرار تطبيقه دون مراجعة يفتح الباب لمزيد من الضغوط على الأسواق والمجتمع.