تدفع الحكومة نفسها إلى مسار متسارع من بيع أصول الدولة تحت ضغط صندوق النقد الدولي الذي يربط صرف الشريحتين السابعة والثامنة من قرض الـ 8 مليارات دولار بتنفيذ خطة خصخصة واسعة تشمل شركات وبنوك ومؤسسات حساسة في توقيت اقتصادي وإقليمي بالغ الاضطراب حيث تقبل السلطة التنفيذية شروطًا تمس بنية الاقتصاد العام دون طرح نقاش علني حول كلفة هذه الإجراءات أو آثارها طويلة المدى على السيادة الاقتصادية
وتنفذ الحكومة هذه الشروط رغم طلبها تأجيل برنامج الطروحات بسبب التوترات المرتبطة بالحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وهو ما رفضه الصندوق بشكل قاطع لتجد نفسها مضطرة إلى الالتزام بجدول زمني ضيق يفرض بيع الأصول في ظروف غير مواتية وهو ما يكشف حجم الارتهان للتمويل الخارجي مقابل التخلي التدريجي عن ملكية الدولة في قطاعات رئيسية
خصخصة قسرية تشمل شركات الجيش والبنوك
في هذا السياق يفرض صندوق النقد على الحكومة طرح 10 شركات حكومية للبيع بينها 5 شركات تابعة للقوات المسلحة إلى جانب بنكين حكوميين قبل نهاية مايو وهو ما يحول ملف الخصخصة من خيار اقتصادي إلى شرط إلزامي لصرف التمويل
وبناء على ذلك يؤكد مصدر بوزارة المالية أن تنفيذ هذه الطروحات شرط أساسي لإتمام المراجعتين السابعة والثامنة وهو ما يعني أن الحكومة تربط استمرار تدفق القروض ببيع أصولها وهو مسار يضع الاقتصاد تحت ضغط مباشر من الدائنين
ثم يوضح الدكتور فخري الفقي رئيس لجنة الخطة والموازنة أن إدراج شركات عسكرية وبنوك ضمن برنامج الطروحات يعكس عمق الأزمة التمويلية ويضيف أن هذا التوسع لم يعد مجرد إصلاح اقتصادي بل تحول إلى إعادة توزيع قسري للملكية تحت ضغط الالتزامات الخارجية
ضغوط زمنية تفرض قرارات متسرعة
في ضوء ذلك يحدد صندوق النقد منتصف يونيو موعدًا للمراجعة السابعة لصرف 1.65 مليار دولار مع تحديد نوفمبر للمراجعة الأخيرة وهو ما يضع الحكومة أمام سباق زمني لتنفيذ الشروط دون أي مساحة لإعادة التقييم
كما يفرض هذا الجدول الزمني اتخاذ قرارات سريعة في ملف الطروحات دون مراعاة لحالة السوق أو ظروف التوتر الإقليمي وهو ما يعرض الأصول للبيع في توقيت غير مناسب قد يؤدي إلى خسائر في قيمتها
وفي هذا الإطار يؤكد الدكتور وائل النحاس الخبير الاقتصادي أن ربط التمويل بجدول زمني صارم يدفع الحكومة إلى التفريط في أصولها بسرعة ويضيف أن هذا النمط من البرامج لا يترك مجالًا لتقدير القيمة الحقيقية للأصول بل يركز فقط على سرعة التنفيذ
توسيع البيع ليشمل المطارات ورفض أي تأجيل
في امتداد للضغوط يطالب الصندوق بطرح إدارة المطارات ضمن خطة التخارج الكامل للدولة من الأنشطة الاقتصادية مع وقف إنشاء أي كيانات حكومية جديدة وهو ما يوسع نطاق البيع ليشمل قطاعات استراتيجية
ثم يكشف مصدر حكومي أن الحكومة طلبت تأجيل البرنامج بسبب التوترات الإقليمية إلا أن الصندوق رفض بشكل واضح وهو ما يعكس غياب أي اعتبار للظروف السياسية أو الاقتصادية المحيطة
وفي هذا السياق يشير الدكتور مدحت نافع إلى أن طرح أصول استراتيجية مثل المطارات تحت ضغط خارجي يفقد الدولة السيطرة على قطاعات حيوية ويضيف أن البيع في ظل اضطرابات إقليمية يضعف القدرة على تحقيق تقييم عادل لهذه الأصول
تراجع المستهدفات وفشل جذب الاستثمار
في المقابل تخفض الحكومة مستهدفها من برنامج الطروحات إلى 5 مليارات دولار بدلًا من 6.5 مليار دولار بسبب ضعف الإقبال الاستثماري وهو ما يعكس تراجع الثقة في السوق المحلي
كما تخطط الحكومة لطرح بنكي القاهرة والإسكندرية إلى جانب شركات مثل صافي ووطنية خلال أبريل ومايو في محاولة للالتزام بالشروط رغم ضعف الظروف الاقتصادية وهو ما يوضح الفجوة بين التزامات الحكومة وقدرتها الفعلية على التنفيذ
وفي السياق ذاته يوافق صندوق النقد خلال مارس على صرف 2.273 مليار دولار بعد المراجعتين الخامسة والسادسة رغم استمرار تحذيراته من تباطؤ الخصخصة وتصاعد الدين العام وهو ما يكشف استمرار الأزمة دون حلول حقيقية
كما يكرر رئيس الوزراء مصطفى مدبولي التزام الحكومة بالخصخصة مع طرح قطاعات جديدة لكن الواقع يكشف رفض الحكومة لعروض شراء بسبب انخفاض قيمتها وهو ما يعكس اضطرارها للبيع في سوق ضعيف لا يمنحها شروطًا عادلة
وفي إطار أوسع يرتبط هذا المسار باتفاق 2022 الذي تعثر بسبب سياسات سعر الصرف قبل أن تعود الحكومة لتعويم الجنيه في مارس 2024 مقابل زيادة القرض إلى 8 مليارات دولار وهو ما يعمق ارتباط السياسات الاقتصادية بشروط الصندوق
ثم يضيف الصندوق في مارس 2025 قرضًا جديدًا بقيمة 1.3 مليار دولار ضمن برنامج المرونة والاستدامة وهو ما يربط استمرار التمويل بمزيد من التنازلات في إدارة الاقتصاد وتقليص دور الدولة
وفي الختام فإن الحكومة تدفع البلاد إلى مسار يعتمد على بيع الأصول تحت ضغط التمويل الخارجي دون معالجة أسباب الأزمة الاقتصادية وهو ما يحول الخصخصة إلى أداة لسد العجز وليس لإصلاح الاقتصاد ومع استمرار هذا النهج تتراجع قدرة الدولة على التحكم في مواردها بينما تزداد التبعية لشروط الدائنين

