لم تكن ليلة الزفاف في مركز بني مزار بمحافظة المنيا مجرّد مناسبة عائلية عابرة، بل لحظة انتظرها أهل القرية طويلاً كي يشيّعوا عروسًا إلى بيتها الجديد وسط الزغاريد والفرح.

لكن دقائق قليلة كانت كافية لقلب المشهد رأسًا على عقب؛ سيارة تقل العروسين في طريقهما إلى «عش الزوجية» تنقلب بشكل مروّع، فتسقط العروس وشقيقتها جثتين هامدتين، ويُنقل العريس والسائق في حالة خطرة إلى المستشفى، قبل أن يلفظ العريس أنفاسه الأخيرة ويلحق بعروسه في الليلة نفسها.

حفل زفاف تحوّل إلى مأتم جماعي، وقرية كاملة غرقت في الصدمة، بينما يواصل نزيف الطرق في مصر حصد الأرواح بهدوء قاتل، بلا محاسبة حقيقية ولا تغيير جذري في منظومة المرور والطرق والطوارئ.

 

من الزغاريد إلى الصرخات… لحظات ما قبل الكارثة وما بعدها

 

حسب ما تداوله أهالي مركز بني مزار، كان كل شيء يسير بشكل طبيعي حتى لحظات مغادرة موكب العروسين قاعة الزفاف في اتجاه منزل الزوجية.

سيارة خاصة تقل العروسين، تجلس بجوارها شقيقتها، وإلى جوارهم السائق الذي يفترض أن يقودهم إلى بداية حياة جديدة، لا إلى نهايتها.

على الطريق، انقلبت السيارة لأسباب لم يُعلن عنها بعد بشكل رسمي؛ البعض يتحدّث عن سرعة، وآخرون عن سوء الإضاءة أو حال الطريق، لكن النتيجة واحدة: حطام سيارة، وأجساد مضرّجة بالدماء، وليل ريفي هادئ اخترقته صرخات الاستغاثة.

 

هرعت سيارات الإسعاف بعد البلاغ، لكن الفرق بين لحظة وقوع الحادث ووصولها كان كافيًا ليحسم مصير العروس وشقيقتها في الحال.

نُقلت الجثتان إلى المشرحة، بينما حُمل العريس والسائق إلى المستشفى في حالة حرجة. وفي مشهد أبكى المصريين على مواقع التواصل، ظهر والد العروس منهارًا يردد:

«ملحقتش أفرح بيكي يا بنتي… بنت أبوها حبيبتي»؛

جملة تلخّص قسوة ما جرى أكثر من أي تقرير طبي أو محضر شرطة.

 

نزيف الطرق في مصر… حوادث «قدرية» أم تركٍ ممنهج للأرواح؟

 

المأساة الأخيرة ليست استثناءً، بل حلقة جديدة في سلسلة طويلة من حوادث الطرق التي تحوّل الأفراح إلى جنائز، وتحوّل سيارات الزفاف والرحلات العائلية إلى توابيت معدنية على الأسفلت.

ورغم أن البيانات الرسمية تتحدث كل عام عن «انخفاض نسبي» في أعداد الحوادث، فإن الواقع اليومي وحجم القصص المتداولة عن فقدان أسر كاملة في لحظة واحدة يفضحان فجوة كبيرة بين الأرقام وبين إحساس الناس بما يجري على الطرق.

 

في حالة حادث المنيا، تساؤلات مشروعة تفرض نفسها:

 

هل كانت الطريق مجهّزة بإضاءة كافية وعلامات تحذيرية؟

هل جرى الالتزام بالسرعة المقررة أم أن ثقافة الإفلات من العقاب ما زالت تحكم؟

هل توجد رقابة فعلية على حالة السيارات وسلامة الإطارات والمكابح؟

 

الأخطر أن تلك الأسئلة لا تُطرح بجدية إلا لساعات قليلة على مواقع التواصل، ثم تختفي مع حادث جديد في محافظة أخرى، وكأن دماء الضحايا «تفاصيل» في مشهد أكبر من العجز والتطبيع مع الموت.

 

لا يكفي أن تُسجَّل الواقعة في محضر، وتُحال للنيابة ثم تُدرج كـ«حادث سير» معيب مجهول السبب.

ما لم تتحوّل كل كارثة من هذا النوع إلى جرس إنذار لإصلاح شامل في منظومة الطرق والمرور والإسعاف، سنظل نكرر الجملة نفسها: «حادث مروّع… ودموع جديدة على الأسفلت».

 

من المسؤول؟ بين دولة غائبة وقانون لا يحمي أحدًا

 

في العمق، حادث المنيا يفتح ملفًا أوسع من مجرد خطأ سائق أو «قَدَر محتوم».

نحن أمام منظومة كاملة تجعل حياة الناس على الطرق رهينة لثلاثة عناصر قاتلة: طرق غير آمنة، رقابة مرورية مهترئة، ونظام طوارئ لا يصل في الوقت المناسب ولا يملك الإمكانات الكافية.

 

الدولة التي تنفق مليارات على كوبري جديد فوق كوبري، وعلى حملات دعائية تتغنى بـ«الجمهورية الجديدة»، لا تستطيع – أو لا تريد – أن تضمن أن سيارة زفاف تسير في طريق داخل محافظة من محافظات الصعيد لن تنقلب بسبب حفرة أو منعطف بلا إشارة تحذيرية أو ظلام دامس في منتصف الليل.

 

القانون، من الناحية النظرية، ينص على السرعات المقررة، وعلى معايير الأمان في الطرق والسيارات، وعلى مسؤولية هيئات الطرق، وعلى محاسبة المتسبب في الحادث، سواء كان فردًا أو جهة. لكن على أرض الواقع، قلّما نسمع عن محاسبة حقيقية لمسؤولين عن طريق غير مطابق للمواصفات، أو لمشروع لم يُستكمل، أو لإهمال في صيانة أو إنارة.

دائمًا ما يختزل التحقيق في سؤال واحد: هل كان السائق مخطئًا أم لا؟ وكأن الطريق مجرد خلفية صامتة لا دور لها في الجريمة.

 

في حادث المنيا، لن تعيد التحقيقات العروس أو شقيقتها أو عريسها إلى الحياة، لكن أقل ما يمكن أن يطالب به الناس هو:

 

  • كشف كامل وشفاف لظروف الحادث وأوجه القصور،
  • محاسبة كل من ثبت تقصيره في صيانة الطريق أو تأمينه،
  • مراجعة عاجلة لطرق الصعيد التي تحولت إلى شبح يطارد سكانها ليل نهار.

 

إلى أن يحدث هذا، سيبقى حفل زفاف المنيا – الذي تحوّل إلى مأتم – رمزًا موجعًا لبلد يتحدث كثيرًا عن المشروعات الكبرى، لكنه يفشل في أبسط اختبار: أن يضمن لمواطنيه أن يصلوا أحياء من قاعة الفرح إلى بيت الزوجية.