مع مطلع عام 2026 لم يعد السوري يدخل مصر بجواز سفر وتأشيرة عادية، بل بـ«شهادة حسن سير وسلوك» تصدرها الأجهزة الأمنية أولاً.

موافقة أمنية مسبقة، تشمل كل الفئات وكل المقاصد تقريبًا، لتغلق آخر منفذ كان يربط مئات الآلاف من السوريين بمصر التي استقبلتهم قبل سنوات كلاجئين ومستثمرين وشركاء في السوق، فإذا بهم يتحولون اليوم إلى «ملف أمني» تُفتح أو تُغلق أبوابه بقرار من ضابط مجهول لا يراه أحد.

 

هذا التحول لم يأتِ فجأة؛ فقد سبقه في مطلع 2025 تعميم على شركات الطيران بمنع صعود أي راكب سوري إلى الطائرات المتجهة إلى مصر إلا لفئات ضيقة جدًا، ثم تبعته سلسلة من القرارات غير المعلنة عن تشديد الإقامات، وتعليق تجديد الإقامة السياحية، وربط معظم أنواع الإقامات بالموافقات الأمنية المعقّدة.

تقارير حقوقية وثّقت هذا المسار، واعتبرته «تراجعًا متسارعًا عن الالتزامات القانونية تجاه اللاجئين السوريين، وتحويلهم إلى فئة مهددة بالطرد في أي لحظة».

 

في الخلفية، توجد سياسة مصرية جديدة تجاه سوريا ما بعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، وتولي أحمد الشرّاع إدارة المرحلة الانتقالية، وسياسة أكثر تشددًا تجاه السوريين على الأراضي المصرية أو الراغبين في دخولها، كأن القاهرة قررت أن تدفع ثمن حذرها من السلطة الجديدة في دمشق من جيوب السوريين الضعفاء لا من طاولة التفاوض السياسية.

 

من «إجراء روتيني» إلى عقاب جماعي مقنَّن

 

رسميًا، تقول السلطات إن دخول مواطني دول النزاع – ومن بينهم السوريون – صار مرهونًا بموافقة أمنية مسبقة «حفاظًا على الأمن القومي»، وإن هذا لا يختلف عما يُطبق على دول أخرى مثل ليبيا واليمن وأوكرانيا.

لكن تفاصيل التطبيق تكشف أن الأمر يتجاوز «إجراءً روتينيًا» إلى سياسة تقييد ممنهجة.

 

تقارير قانونية صادرة عن «منصة اللاجئين في مصر» تؤكد أن قرارات نهاية 2024 وبداية 2025 شملت: وقف تجديد الإقامة السياحية لآلاف السوريين، اشتراط الموافقات الأمنية حتى على أنواع الإقامات الأخرى، ومخاطبة شركات الطيران بمنع صعود السوريين إلى الرحلات المتجهة إلى مصر إلا في حالات محدودة جدًا مثل حاملي الإقامات غير السياحية سارية المفعول.

 

هذه الإجراءات خلقت واقعًا جديدًا: سوريون عالقون خارج مصر لا يستطيعون العودة إلى أسرهم، وآخرون داخل البلاد يعيشون تحت سيف انتهاء الإقامة في أي لحظة، مع تأخير أو رفض للموافقات الأمنية دون تعليل أو حق في التظلم.

تقرير «المنصة» وصف ذلك صراحة بأنه «دفع منظم للاجئين والمهاجرين إلى أوضاع مخالفة للقانون، ثم معاملتهم كـ“مخالفين” تحت التهديد الدائم بالاعتقال أو الترحيل»، في انتهاك واضح لمبدأ عدم الإعادة القسرية ولالتزامات مصر الدولية.

 

النتيجة الإنسانية فورية: أسر انقطعت صلتها بذويها، طلاب فقدوا سنوات دراسية بسبب تعليق الإقامات، مرضى عاجزون عن السفر أو العودة، ومستثمرون تجمّدت أعمالهم لأن أحد الشركاء أو المديرين لم يحصل على الموافقة الأمنية.

والرسالة الضمنية واضحة: السوري في مصر لم يعد لاجئًا يحتاج إلى حماية، ولا مستثمرًا يحتاج إلى استقرار قانوني، بل «حالة أمنية» تحتاج إلى فرز وتدقيق قبل أي شيء آخر.

 

من تحفّظ سياسي إلى عقاب للسوريين لا للنظام

 

منذ سقوط نظام الأسد، اختارت القاهرة تموضعًا حذرًا تجاه السلطة الجديدة في دمشق؛ لا قطيعة كاملة ولا احتضان دافئ.

بيانات رسمية تحدثت عن «دعم وحدة سوريا» و«الحل السياسي الشامل»، لكن دون اندفاع في احتضان القيادة الجديدة، التي لا تزال – في نظر نظام السيسي – مجهولة التوجه النهائي ومحاطة بصراعات إقليمية ودولية معقدة.

 

هذا التحفظ السياسي تُرجم عمليًا إلى تشدد متزايد في التعامل مع السوريين في مصر.

إذ يمكن قراءة اشتراط الموافقات الأمنية الشاملة كرسالة إلى دمشق تقول: «لن نكون بوابة عبور مفتوحة لكم ولا لمعارضيكم ولا لشبكاتكم الاقتصادية»، لكن ثمن هذه الرسالة لا يدفعه النظام السوري الجديد، بل يدفعه اللاجئ والمستثمر والعامل والطالب السوري المقيم في القاهرة أو الإسكندرية أو إسطنبول أو برلين ويحاول زيارة أسرته في مصر.

 

تقارير أممية حديثة تُظهر أن اللاجئين السوريين في مصر – المسجلين لدى المفوضية السامية لشؤون اللاجئين – يبلغ عددهم أكثر من 140 ألفًا، مع تقديرات غير رسمية ترفع الرقم إلى عدة مئات الآلاف إذا احتُسب غير المسجلين.

هؤلاء يواجهون اليوم، بحسب مفوضية اللاجئين ومنظمات حقوقية، موجة من القيود الإدارية والأمنية: من تعليق الإقامات السياحية، إلى صعوبات تجديد إقامات الدراسة والعمل، إلى حالات موثّقة من الترحيل القسري لسوريين رغم تمتعهم بوثائق قانونية.

 

وسط هذا المشهد، تُطرح أسئلة صعبة: إذا كانت مصر تعتبر أن سوريا لم تستقر بعد بما يسمح بعودة آمنة، فلماذا تُضيّق على السوريين عندها وتدفعهم إما للعودة القسرية أو للهجرة غير النظامية عبر طرق الموت في الصحراء والبحر؟

وإذا كانت ترى أن السلطة الجديدة في دمشق غير موثوقة، فلماذا يُعامل ضحايا النظام القديم والنزاع الطويل كخطر محتمل لا كأشخاص لهم حقوق إنسانية وقانونية واضحة؟

 

مليارات السوريين في مصر… استثمار مطلوب ومواطن مرفوض

 

منذ 2011 لعب السوريون دورًا مهمًا في الاقتصاد المصري؛ من المطاعم والمخابز وورش الملابس الصغيرة، إلى مصانع متوسطة الحجم ومشروعات عقارية وتجارية كبرى.

تقديرات خبراء اقتصاد مصريين وسوريين تشير إلى أن حجم الاستثمارات السورية التراكمي في مصر يبلغ ما بين 800 مليون وما يصل إلى عشرات المليارات من الدولارات، إذا احتُسبت الشركات غير المسجلة رسميًا باسم سوريين، والشراكات المختلطة، ورؤوس الأموال التي دخلت عبر قنوات متعددة.

 

هذه الأموال لم تكن «صدقة» لمصر، بل استثمارًا متبادلاً؛ وفرت فرص عمل لعشرات الآلاف من المصريين، وملأت فراغًا في قطاعات عدة، وساعدت على توفير سلع وخدمات بأسعار تنافسية في سوق يعاني أصلاً من التضخم وضعف الإنتاج المحلي.

لكن القرارات الأخيرة تبعث برسالة مقلقة إلى هؤلاء المستثمرين: يمكن لأمن الدولة أن يغلق الباب أمام دخول شريك أو مدير أو خبير في أي لحظة، ويمكن أن تتعطل حركة السفر والعمل لأسباب لا تُشرح ولا تُراجع.

 

خبراء الهجرة والاقتصاد يحذرون من أن هذه السياسة تُحوِّل مصر تدريجيًا من «بيئة جاذبة» للاستثمار السوري إلى ساحة محفوفة بالمخاطر القانونية.

ومع وجود بدائل في دول أخرى تقدم إقامات واضحة وقواعد شفافة، من تركيا إلى بعض دول الخليج وأوروبا، فإن رأس المال السوري – وخبراته وعلاقاته التجارية – قد يبدأ بالفعل في إعادة التموضع بعيدًا عن مصر، أو على الأقل التوقف عن ضخ استثمارات جديدة.

 

في الوقت نفسه، يعيش السوريون العاديون – ممن لا يملكون مصانع أو مطاعم كبيرة – تحت ضغط مضاعف: كلفة معيشة مرتفعة، وأجور متآكلة نتيجة التضخم، ووضع قانوني هش قابل للانهيار مع أي تغيير مفاجئ في قواعد الإقامة أو الموافقات الأمنية.

تقارير حقوقية تشير إلى أن هذه الهشاشة القانونية تفتح الباب واسعًا للاستغلال في سوق العمل، وللانتهاكات في السكن والتعليم والرعاية الصحية.

في الخلاصة، ما تفعله القاهرة اليوم هو إدارة الملف السوري بمنطق «المخاطر» لا بمنطق «الحقوق». السوري في مصر لم يعد يُرى كلاجئ هارب من حرب طويلة، ولا كشريك اقتصادي ساهم في إنعاش أسواق كاملة، بل كاحتمال خطر يحتاج إلى غربلة أمنية أولاً، ثم يُترك بعد ذلك لمواجهة سوق قاسٍ ودولة لا تقدّم له ضمانات حقيقية.

السؤال الذي يفرض نفسه: هل يمكن لنظام يرفع شعار «حماية الأمن القومي» أن يبرر إلى ما لا نهاية تقييد إنسان ضعيف هارب من حرب، وتحويله إلى رقم في كشوف الأمن، بينما لا يجرؤ على مساءلة حقيقية لفساد داخلي أو تهريب أموال أو تبديد موارد؟

ما لم تتحول سياسة مصر من منطق العقاب الجماعي إلى منطق الحقوق والشفافية، سيبقى السوريون فيها عالقين بين وطن لم يستقر بعد وبلد مضيف يغلق أبوابه الأمنية في وجوههم، ويعاملهم كملف مزعج لا كأناس لهم تاريخ وحقوق وكرامة.