تفاخر شركة العاصمة الإدارية بأن نسبة الشركات المتعثرة في تنفيذ مشروعاتها تراجعت من 30% عام 2023 إلى نحو 15% حاليًا، أي ما يعادل حوالي 75 شركة من أصل 500 شركة عاملة تمتلك نحو 600 مشروع.

الظاهر أن الصورة “طمأنة”: أقل تعثّر، معدلات تنفيذ أفضل، ومطورون “أكثر قدرة” على التسليم. لكن خلف هذه الأرقام تختبئ حقيقة أخرى: العاصمة أنقذت المطورين بسلسلة تيسيرات ضخمة (مد مهل، إسقاط غرامات، تعلية أدوار بلا مقابل) بينما تُرك المشترون وحدهم في مواجهة تأخيرات التسليم، وارتفاع الأسعار، ومخاطر تعثّر قد لا تكون انتهت بل جرى تأجيل انفجارها فقط.

 

تعثّر أقل على الورق.. لكن السوق ما زال مضغوطًا

 

بحسب المصدر داخل شركة العاصمة، تراجعت الشركات المتعثرة من نحو 130 شركة من أصل 400 شركة في نهاية 2023 إلى 75 شركة من 500 حاليًا؛ أي أن عدد المطورين ارتفع، ونسبة المتعثرين انخفضت، لكننا لا نعرف كم مشروعًا تم إنقاذه فعليًا وكم مشروعًا يعيش على أجهزة التنفس الصناعي بفعل التيسيرات.

 

التيسيرات التي كشفها المصدر تتطابق مع ما أعلنه رسميًا خالد عباس، رئيس شركة العاصمة الإدارية للتنمية العمرانية، عن حزمة حوافز شملت:

  • تخفيض غرامات التأخير حتى 50% عند السداد الفوري.
  • إعادة جدولة غرامات التنفيذ لمدة 12 شهرًا دون فائدة.
  • منح حوافز إضافية للمطورين الذين نفذوا 85% من واجهات مشروعاتهم.

 

وفي أبريل 2025 نقلت تقارير اقتصادية أن العاصمة لا تنوي سحب الأراضي من المطورين المتعثرين ما داموا “جادين”، مع استمرار تمديد التيسيرات بناءً على طلبهم.

 

المهندس محمد البستاني، رئيس جمعية مطوري القاهرة الجديدة والعاصمة الإدارية، اعترف صراحة بأن السوق ينقسم إلى ثلاث فئات: شركات قوية لديها مخزون وحدات يساعدها على امتصاص فارق التسعير، وشركات متعثرة، وأخرى “في طريقها للتعثر ولا تمتلك سيولة لاستكمال المشروعات”.

وفي تقديرات سابقة له، أشار إلى أن ما بين 10–20% من المطورين أوقفوا مشروعات نتيجة الضغوط المالية واللوجستية، ومن بينها العاصمة الإدارية.

 

هذا يعني أن تراجع نسبة التعثر إلى 15% ليس دليلًا على “عافية كاملة”، بل نتيجة سياسة متعمدة بعدم كسر أي مطور، ومد حبال قانونية ومالية إلى أقصى مدى، حتى لو تأخر التسليم لسنوات وتحوّل المشترون إلى رهائن بين يدي البنوك وشركات التطوير.

 

تيسيرات بالمليارات للمطورين.. ومن يدفع الفاتورة؟

 

التيسيرات التي منحتها شركة العاصمة خلال العامين الماضيين لم تكن بسيطة:

 

  • مد فترات تنفيذ المشروعات.
  • زيادة مهلة سداد أقساط الأراضي.
  • إعفاءات من غرامات التأخير تصل إلى 50% عند السداد الكاش.
  • في أغسطس 2024، سمحت لبعض المطورين بتعلية ارتفاعات المباني حتى 10 أدوار إضافية في بعض الحالات، ثم أعلنت لاحقًا عدم تحصيل رسوم مقابل هذه التعلية “تعويضًا” عن فروق الأسعار.

 

سابقًا، كشفت مصادر لـ«العربية» أن السماح بأدوار إضافية جاء أصلًا كاستجابة لأزمة ارتفاع تكلفة مواد البناء، لتوفير وحدات أكثر على نفس الأرض وتعديل الجدوى المالية للمشروعات.

 

المشكلة هنا ليست فقط في “كرم” الدولة مع المطورين، بل في غياب شفافية حول:

 

  • تأثير تعلية الأدوار على الكثافة السكانية، والمرافق، وجودة الحياة.
  • مصير العملاء الذين اشتروا وحدات وفق مخططات مختلفة تمامًا.
  • من يتحمل تكلفة التأخير: المطور، أم الدولة، أم المشتري؟

 

المهندس فتح الله فوزي، رئيس مجلس إدارة شركة “مينا” لاستشارات التطوير العقاري ورئيس لجنة التشييد بجمعية رجال الأعمال، أوضح مؤخرًا أن أكبر 10 شركات تطوير عقاري في مصر حافظت تقريبًا على مبيعاتها، بينما عانت شريحة واسعة من الشركات الأخرى من تباطؤ وتعثر، بخاصة مع خروج المضاربين وانكماش القدرة الشرائية.

 

بمعنى آخر: التيسيرات تخدم بالأساس الشركات ذات الملاءة، أو تلك التي ما زالت قادرة على التسويق وتحقيق تدفقات نقدية، بينما الشركات الأضعف تبقى على الحافة، وقد تنجو على الورق لفترة قبل أن ينفجر التعثر في وجه المشترين.

 

في يوليو 2023، قالت “غرفة التطوير العقاري” إن أغلب مطالب مطوري العاصمة الإدارية لن تخرج عن: زيادة مدة تنفيذ المشروعات، وتأجيل سداد أقساط الأراضي، وتقديم كل الآليات الممكنة لمساندة الشركات المتعثرة.

كل ذلك حدث تقريبًا، لكن دون آلية موازية لحماية حقوق الحاجزين، أو فرض تعويضات عادلة عن التأخير، أو حتى نشر قائمة شفافة بالمشروعات عالية المخاطر.

 

مطورون: الأزمة هيكلية لا تُحل بمد المهل ومسح الغرامات

 

عدد من كبار المطورين يرون أن ما يجري في العاصمة الإدارية هو عرض من أعراض أزمة أعمق في السوق العقارية، وليست “استثناءً ناجحًا” كما تروّج الدعاية الرسمية.

 

المهندس هشام شكري، المؤسس والعضو المنتدب لشركة “رؤية” ورئيس المجلس التصديري للعقار، لفت في تصريحات سابقة إلى أن السوق المصري انتقل خلال سنوات قليلة من فترات سداد قصيرة (حتى 4 سنوات) إلى خطط تقسيط طويلة جدًا، مع قفزات عنيفة في أسعار مواد البناء، ما خلق فجوة خطيرة بين تكلفة التنفيذ والأسعار التي بيعت بها الوحدات قبل التعويم.

هذه الفجوة هي بالضبط ما يدفع المطورين اليوم للمطالبة بمد المهل، وإلغاء الغرامات، وتعديل الكثافات، وإعادة تسعير ما تبقى من وحدات.

 

من جانبه، فتح طارق شكري، رئيس غرفة التطوير العقاري باتحاد الصناعات، ملف المطورين المتعثرين في أكثر من مناسبة، مؤكّدًا أن التعامل مع الأزمة يحتاج حلولًا هيكلية تشمل: إعادة تنظيم السوق، دمج أو استحواذ على الشركات غير القادرة، ووضع قواعد أكثر صرامة للتراخيص والملاءة قبل طرح أي مشروع جديد.

 

أما محمد البستاني فيعود ليؤكد أن هناك بالفعل شركات “لا تمتلك سيولة لاستكمال المشروعات”، وأن استمرار الوضع على هذا النحو بدون فرز واضح بين الجاد والمتلاعب يضر بالسوق وبالمشترين معًا.

 

كل هذه الأصوات – من مطورين ورؤساء جمعيات ومجالس تصديرية – تتفق على أن المشكلة ليست في “قوة العاصمة الإدارية” أو “ضعفها” فقط، بل في نموذج توسّع عقاري قائم على:

 

  • بيع وحدات على الورق بمدد تقسيط غير منطقية.
  • تسعير غير مستقر مع تضخم جامح وتعويمات متتالية.
  • استسهال الاعتماد على تيسيرات الدولة بدل إصلاح نموذج التمويل والتسعير وإدارة المخاطر.

 

في النهاية، تراجع نسبة الشركات المتعثرة في العاصمة الإدارية من 30% إلى 15% رقم يمكن أن يُستخدم في العناوين كدليل نجاح، لكنه دون شفافية كاملة حول أسماء المشروعات المتعثرة، وحقوق العملاء، وحجم ما تنازلت عنه الدولة من غرامات ورسوم لصالح المطورين، يظل أقرب إلى ضبط الشكل لا معالجة الجوهر.

 

العاصمة أنقذت جزءًا من المطورين مؤقتًا، نعم؛ لكن السؤال الأخطر الذي لم يُجب عنه أحد:

من سينقذ مئات الآلاف من المواطنين الذين وضعوا مدخرات عمرهم في وحدات على رمال اقتصادية متحركة، بينما تُغسل خطايا الشركات المتعثرة بتيسيرات جديدة كل عام