قرار المجلس الأعلى للطاقة في مصر بإلزام المصانع الكبرى، خصوصًا كثيفة الاستهلاك، بتدبير جزء من احتياجاتها التشغيلية عبر محطات طاقة شمسية، يبدو على السطح خطوة “خضراء” في الاتجاه الصحيح: تخفيف الضغط عن الشبكة، خفض فاتورة الغاز المستورد، وفتح باب جديد للاستثمار في الطاقة المتجددة.
لكن خلف الخطاب الرسمي عن “الاستدامة” و“التحول الأخضر” تقف أسئلة صعبة: من سيتحمّل الكلفة الحقيقية؟ وهل يصبح إلزام المصانع بالطاقة الشمسية بديلًا عن إصلاح جاد لسياسات الدعم وتسعير الطاقة وحوكمة القطاع؟
قرار تحت ضغط الوقود والدولار أكثر منه حبًا في الشمس
التصريحات الأخيرة للعضو المنتدب لشركة كايرو سولار والسكرتير العام لشعبة الطاقة المستدامة، حاتم توفيق، تكشف جانبًا مهمًا من خلفية القرار.
الرجل يرى أن توجه الدولة للتوسع في استخدام الطاقة الشمسية بالمصانع “خطوة مهمة” في ظل الدعم الكبير للكهرباء واستيراد الغاز المسال، أي أن الدافع الأساسي ليس فقط البيئة، بل محاولة تخفيف عبء العملة الصعبة التي تُنزَف على استيراد الوقود لتشغيل المحطات التقليدية.
قرارات المجلس الأعلى للطاقة، كما نُقلت في تقارير متطابقة، تُلزِم المصانع الكبيرة المتقدمة للحصول على تصديق من المجلس بتغطية جزء معتبر من استهلاكها عبر الطاقة الشمسية، في إطار خطة رسمية لدمج الطاقة المتجددة في القطاع الصناعي وتسريع التحول الأخضر.
في الخلفية، تسعى مصر إلى رفع حصة الطاقة المتجددة إلى حوالي ٤٢٪ من مزيج الكهرباء بحلول ٢٠٣٠، وهي نسبة كررتها الحكومة في أكثر من اتفاقية كبرى، منها صفقات بمليارات الدولارات مع شركات مثل Scatec النرويجية لمشروعات شمسية ورياح ضخمة.
لكن واقع الشبكة ما زال يعتمد بشكل مفرط على الغاز، مع أزمات متكررة في الوقود وتخفيف للأحمال، كما يحذّر خبراء القطاع.
بهذا المعنى، القرار ليس رفاهية بيئية، بل اعتراف ضمني بأن نموذج “كهرباء رخيصة من غاز مدعوم” لم يعد قابلًا للاستمرار، وأن الدولة تحاول نقل جزء من عبء الاستثمار في قدرات توليد جديدة مباشرة إلى المصانع.
مكاسب للمصانع القادرة… وخطر ترك الصناعات الأضعف خلف الموجة
حاتم توفيق يقدّم الوجه الإيجابي للقرار من زاوية المصنع: في معظم القطاعات يمكن لمحطات شمسية على أسطح المصانع أن تغطي ما بين ٢٥٪ و٥٠٪ من استهلاك الكهرباء، وإن كانت النسبة أقل في صناعات كثيفة مثل الحديد والأسمنت.
ويؤكد أن الاستثمار في الطاقة الشمسية “لا يشكل عبئًا” إذا تم تمويله عبر برامج مثل مبادرة «شمس مصر»، التي تقوم على إعفاءات ضريبية (خفض ضريبة القيمة المضافة من ١٤٪ إلى ٥٪) وتمويل منخفض الفائدة، بحيث تُسدَّد أقساط المحطة من الوفر في فاتورة الكهرباء.
من الناحية الحسابية، يمكن لمصنع يركّب محطة بقيمة تقارب ١.٥ مليون دولار أن يوفّر نحو ربع فاتورة الكهرباء السنوية، ما يسمح له بخدمة القرض دون خنق السيولة، خاصة إذا كان مصنعًا كبيرًا ومستقرًا في التصدير، ويحتاج أصلًا إلى خفض بصمته الكربونية حتى لا يُعاقَب عند بوابات أوروبا بقواعد الكربون (CEM / CBAM).
لكن هذه الصورة الوردية تنطبق أساسًا على شريحة محدودة: مصانع كبيرة، منظّمة، ولديها قدرة تفاوضية وائتمانية، يمكنها الدخول في برامج تمويل مع بنوك ووزارة المالية.
أما مئات المصانع المتوسطة والصغيرة، التي تعاني أصلًا من أسعار الفائدة المرتفعة وتقلبات سعر الصرف، فلا تملك دائمًا رفاهية استدانة جديدة، حتى لو كانت “خضراء”، في ظل هوامش ربح متآكلة وسوق محلي منكمش.
هنا يتحول القرار من أداة لتحسين تنافسية الصناعة، إلى خطر تعزيز فجوة جديدة بين “مصانع قادرة على ركوب موجة التحول الأخضر” و“مصانع مخنوقة قد تُقصى من السوق لأن كلفة الامتثال أعلى من قدرتها على الاحتمال”.
انتقال عادل للطاقة أم إعادة تدوير لأزمة الدعم والحوكمة؟
خارج دائرة التصريحات الاحتفالية، يلفت خبراء طاقة مصريون إلى أن إلزام المصانع بالطاقة الشمسية لن يكون كافيًا ما لم يُدمَج في استراتيجية شاملة تعالج جذور أزمة الطاقة في مصر.
الدكتور حافظ السلماوي، أستاذ هندسة الطاقة بجامعة الزقازيق والرئيس التنفيذي الأسبق لجهاز تنظيم مرفق الكهرباء، يذكّر دائمًا بأن أي تحول حقيقي يتطلب إعادة نظر في مزيج الطاقة كله وسياسات التسعير والدعم، مشيرًا في عدة مناسبات إلى أن النفط والغاز ما زالا يشكلان النسبة الأكبر من مزيج الطاقة، وأن استمرار الاعتماد عليهما مع أزمات الوقود يعني مزيدًا من تخفيف الأحمال واستيراد الغاز عند كل موجة حر أو طلب مرتفع.
من جانبه، يؤكد الدكتور محمد السبكي، الرئيس السابق لهيئة الطاقة الجديدة والمتجددة، أن الدولة بالفعل أنشأت إطارًا تشريعيًا يدعم الطاقات المتجددة وجذب الاستثمارات إليها، لكن التحدي الآن هو تنفيذ متسق لا يترك “التحول الأخضر” حكرًا على مشروعات كبرى أو صفقات مع مستثمرين أجانب، بينما تبقى الصناعات المحلية الصغيرة والمتوسطة على هامش اللعبة.
أما حاتم توفيق نفسه، الذي يرحب بقرار إلزام المصانع بالطاقة الشمسية، فقد حذّر في أوقات سابقة من أن القرارات المتناقضة – مثل وقف أو تعطيل ربط بعض محطات الطاقة الشمسية بالشبكة دون إعلان واضح – تخلق حالة عدم يقين تضرب ثقة المستثمرين والعاملين في القطاع، وتهدد استدامة نموه.
في ضوء هذه الآراء، يصبح السؤال الأهم: هل نرى تحولًا منضبطًا ومدروسًا في هيكل الطاقة والصناعة، أم مجرد محاولة لإطفاء حريق الغاز والدولار عبر تحميل المصانع جزءًا أكبر من عبء الاستثمار، دون إصلاح جذري للدعم، أو تحسين كفاءة الشبكة، أو تمكين حقيقي للمصانع الأضعف؟
القرار بإلزام المصانع الكبرى باستخدام الطاقة الشمسية خطوة لا يمكن رفضها من حيث المبدأ؛ فهي منطقية من زاوية المناخ والأمن الطاقي.
لكن الحدة الحقيقية ليست في نص القرار، بل في ما يحيط به: غياب نقاش عام شفاف حول الأعباء والتكاليف، ضعف آليات حماية المصانع الصغيرة، وغياب رؤية واضحة لربط هذه السياسات بأهداف اجتماعية وعدالة في توزيع كلفة التحول.
بمعنى آخر: ألواح الشمس على أسطح المصانع قد تكون بداية جيدة، لكن إذا لم تُصَحَّح طريقة إدارة ملف الطاقة كله، فقد نجد أنفسنا بعد سنوات أمام مشهد مألوف: قلة مستفيدة من “صفقات خضراء” مربحة، وغالبية صناعية ومجتمعية تدفع فاتورة انتقال طاقي لم تُستشَر فيه أصلًا.

