في مشهد يعكس عمق التوتر بين طهران والعواصم الغربية، أعلنت إيران، اليوم الاثنين، استدعاء جميع سفراء دول الاتحاد الأوروبي المعتمدين لديها، احتجاجًا على قرار الاتحاد إدراج الحرس الثوري الإيراني على قائمة التنظيمات الإرهابية. يأتي ذلك بينما تتحدث تسريبات إعلامية، نقلتها وكالة «تسنيم»، عن ترتيبات لمحادثات مرتقبة بين مسؤولين إيرانيين وأمريكيين رفيعي المستوى خلال الأيام المقبلة، في محاولة لاحتواء التصعيد الذي بات يهدد بانفجار إقليمي جديد في الشرق الأوسط، وسط وجود عسكري أمريكي متزايد وحسابات معقدة داخل واشنطن وطهران على حد سواء.
استدعاء سفراء أوروبا.. رد دبلوماسي على تصعيد «إرهابي»
قرار طهران استدعاء جميع سفراء دول الاتحاد الأوروبي بدأ، بحسب المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، يوم الأحد واستمر حتى اليوم الاثنين، في خطوة تهدف إلى توجيه احتجاج رسمي حاد على قرار أوروبي غير مسبوق، تمثل في إدراج الحرس الثوري الإيراني جماعة إرهابية. الاتحاد الأوروبي كان قد تبنى الخطوة الأسبوع الماضي، مبررًا قراره بدور الحرس الثوري في «القمع الدموي» للاحتجاجات التي شهدتها إيران في يناير الماضي، والتي أسفرت – وفق ما نقلته شبكة ABC NEWS – عن مقتل الآلاف واعتقال عشرات الآلاف من المتظاهرين.
إيران ردت سياسيًا وإعلاميًا على هذا التصنيف؛ إذ أعلن رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف أن طهران باتت تعتبر «جميع جيوش الاتحاد الأوروبي جماعات إرهابية» في خطوة رمزية تعكس تبني خطاب «المعاملة بالمثل»، لكنها لا تغيّر عمليًا من موازين القوى على الأرض. في المقابل، تضيف الخطوة الأوروبية ضغطًا اقتصاديًا وسياسيًا جديدًا على إيران، خاصة أن الحرس الثوري يمتلك نفوذًا واسعًا داخل الاقتصاد الإيراني، ما يعني أن أي عقوبات أو قيود إضافية ستطال شبكات تمويل واستثمار واسعة ترتبط به.
بين حاملات الطائرات وخطوط ترامب الحمراء
التوتر لا يقف عند حدود البيانات الدبلوماسية؛ فحسب ABC NEWS نقلت الولايات المتحدة حاملة الطائرات USS Abraham Lincoln وعدة مدمرات صواريخ موجهة إلى الشرق الأوسط، في رسالة قوة واضحة مفادها أن الخيار العسكري يبقى مطروحًا، حتى لو لم يُتخذ قرار نهائي باستخدامه بعد. إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تحاول، وفق مركز «سوفان» للأبحاث في نيويورك، «تحديد رد على عمليات القتل الجماعي للمتظاهرين في إيران بحيث يعاقب القادة الإيرانيين دون توريط الولايات المتحدة في صراع مفتوح جديد في المنطقة».
المركز أشار أيضًا إلى أن بعض مساعدي ترامب يسعون لاستغلال «ضعف طهران» لانتزاع تنازلات كبيرة من النظام الإيراني، لكن الشروط التي يضعها ترامب للتسوية الدبلوماسية تبدو أقرب إلى قائمة إملاءات لا يمكن لطهران قبولها بسهولة. ترامب رسم ما وصفه بـ«خطين أحمرين» لأي عمل عسكري مباشر ضد إيران: استمرار قتل المتظاهرين السلميين، أو المضي في تنفيذ إعدامات جماعية بحق المعتقلين. في الوقت نفسه، عاد الملف النووي الإيراني إلى الواجهة، خاصة بعد الحرب التي شنتها إسرائيل على إيران واستمرت 12 يومًا في يونيو الماضي، والتي شاركت فيها الولايات المتحدة بغارات جوية قالت إنها تستهدف «ردع طهران عن تطوير برنامجها النووي»، قبل أن ترد إيران بقصف قاعدة العديد الأمريكية في قطر، ثم يُعلن ترامب إنهاء الحرب باتفاق.
هذا التصعيد المتدرج يقابله خطاب حاد من داخل إيران؛ فالمرشد الأعلى علي خامنئي حذّر، أمس الأحد، من أن أي هجوم أمريكي على بلاده سيشعل «حربًا إقليمية» في الشرق الأوسط، في رسالة لا تُوجّه لواشنطن وحدها، بل أيضًا لحلفائها الأوروبيين والإقليميين. ومع تصنيف الحرس الثوري إرهابيًا، ووجود حاملات الطائرات في مياه المنطقة، يبدو أن لغة التهديد المتبادل أصبحت جزءًا ثابتًا من المشهد.
مفاوضات مرتقبة أم جولة جديدة من حافة الهاوية؟
على الضفة الأخرى من المشهد، كشف مصدر مطلع لوكالة «تسنيم» الإيرانية عن احتمال بدء مفاوضات بين إيران والولايات المتحدة في الأيام المقبلة، بحضور مسؤول رفيع من كل طرف، مرجحًا أن تُعقد على مستوى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، ومبعوث ترامب للشرق الأوسط ستيف ويتكوف. حتى الآن، لم يُحسم مكان وزمان اللقاء، لكن مجرد تسريب الخبر يعكس رغبة لدى بعض الدوائر في طهران وواشنطن في اختبار مسار دبلوماسي جديد، ولو من باب إدارة الأزمة لا حلها جذريًا.
المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية تحدث، اليوم الاثنين، عن أن طهران «تدرس مجموعة واسعة من المسارات الدبلوماسية لخفض التوتر مع الولايات المتحدة»، مع توقع «تحقيق تقدم خلال الأيام المقبلة». هذه اللغة الأكثر هدوءًا من جانب الخارجية تأتي في توازٍ مع الخطاب المتشدد لخامنئي وقاليباف، ما يعكس الانقسام التقليدي في توزيع الأدوار داخل النظام الإيراني بين الخطاب الثوري المتشدد وخطاب التفاوض البراغماتي.
في المقابل، لا يزال من غير الواضح كيف ستوازن واشنطن بين ضغوط الداخل الأمريكي، ورغبتها في تجنب حرب جديدة في الشرق الأوسط، وبين رغبة ترامب في الظهور بمظهر من «يعاقب النظام الإيراني» دون أن يغرق في مستنقع عسكري مفتوح. وزيادة التعقيد أن الاتحاد الأوروبي – الذي صنّف الحرس الثوري إرهابيًا – لا يزال يحاول لعب دور الوسيط أو الشريك في أي ترتيبات دبلوماسية قادمة، ما يضع علاقاته مع طهران على حافة قطيعة سياسية، في الوقت الذي تحتاج فيه كل الأطراف لقنوات اتصال خلفية.
بين استدعاء سفراء أوروبا، وتصعيد ترامب العسكري واللغوي، وتهديد خامنئي بحرب إقليمية، وحديث «تسنيم» عن مفاوضات وشيكة، يقف الشرق الأوسط مرة أخرى أمام معادلة مألوفة: تصعيد على الحافة، مع محاولات متأخرة لتجنب الانفجار. السؤال المفتوح الآن ليس ما إذا كانت المفاوضات ستُعقد أم لا، بل ما إذا كانت قادرة فعلاً على كبح مسار تراكمي من العقوبات والاغتيالات والحروب القصيرة، قبل أن ينفلت إلى مواجهة أوسع لا تُبقي ولا تذر.

