تواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي خروقاتها اليومية في قطاع غزة، ما أسفر عن سقوط شهداء جدد، بينهم طفل، في وقت تتراكم فيه المؤشرات الإنسانية والديموغرافية على كارثة غير مسبوقة، وسط تحذيرات دولية من انهيار منظومة القانون الدولي الإنساني، في مشهد يعكس هشاشة اتفاق وقف إطلاق النار.
شهداء جدد في خان يونس وجباليا
استشهد ثلاثة مواطنين، اليوم الاثنين، جراء قصف وإطلاق نار من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي في مناطق متفرقة من قطاع غزة، في استمرار مباشر للخروقات الإسرائيلية لوقف إطلاق النار لليوم الـ114 على التوالي.
وأكدت مصادر طبية استشهاد المواطن أحمد أيمن محمود خميس (40 عامًا) بعد إصابته برصاص قوات الاحتلال في منطقة مواصي مدينة خان يونس، ليكون الشهيد الثاني في المنطقة منذ ساعات الصباح.
وقبل ذلك، أفاد مصدر محلي باستشهاد المواطن رمضان خير محمد دردونة إثر قصف إسرائيلي استهدف منطقة الجرن في جباليا البلد شمالي القطاع.
كما أعلن مصدر طبي في وقت مبكر من اليوم وصول جثمان الشهيد الطفل إياد أحمد نعيم الربايعة (3 سنوات) إلى مستشفى ناصر، بعد استهداف الزوارق الحربية الإسرائيلية خيام النازحين في منطقة الإقليمي جنوبي مواصي خان يونس، في جريمة جديدة تطال الأطفال والنازحين بشكل مباشر.
أرقام دامية رغم “وقف النار”
يأتي ذلك بعد يوم واحد فقط من استشهاد مواطنين وإصابة آخرين في غارات إسرائيلية متفرقة، ما يؤكد استمرار العدوان رغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار.
ومنذ بدء العمل بالاتفاق، قتلت قوات الاحتلال 527 فلسطينيًا وأصابت 1,443 آخرين، وفق معطيات رسمية، في خروقات متكررة شملت القصف الجوي، وإطلاق النار، واستهداف مناطق مدنية ومخيمات نازحين.
أما منذ بدء حرب الإبادة في 7 أكتوبر 2023، فقد ارتفعت حصيلة الشهداء إلى أكثر من 71,795 شهيدًا، إضافة إلى 171,551 مصابًا، في ظل دمار واسع طال نحو 90% من البنية التحتية المدنية، بينما قدّرت الأمم المتحدة تكلفة إعادة الإعمار بنحو 70 مليار دولار.
وزارة الصحة: آلاف الضحايا بعد الهدنة
وأعلنت وزارة الصحة الفلسطينية في قطاع غزة، في تقريرها الإحصائي اليومي، وصول 26 شهيدًا و68 إصابة إلى مستشفيات القطاع خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية فقط، نتيجة العدوان الإسرائيلي المستمر.
وأشارت الوزارة إلى أن عددًا من الضحايا لا يزالون تحت الأنقاض وفي الطرقات، في ظل عجز طواقم الإسعاف والدفاع المدني عن الوصول إليهم بسبب القصف واستمرار المخاطر الميدانية.
وبحسب الوزارة، بلغ إجمالي عدد الشهداء منذ وقف إطلاق النار في 11 أكتوبر نحو 523 شهيدًا، إضافة إلى 1,433 إصابة، و715 حالة انتشال، فيما تواصل قوات الاحتلال خروقاتها لليوم الـ115 منذ سريان الاتفاق.
نزيف سكاني خطير
وفي مؤشر خطير على عمق الكارثة، كشفت صحيفة الجارديان البريطانية عن انخفاض عدد سكان قطاع غزة بنحو 254 ألف نسمة، أي ما يعادل 10.6% من إجمالي السكان، خلال عامين من الحرب، في واحدة من أخطر النتائج الديموغرافية في تاريخ القطاع.
وأرجع التقرير هذا التراجع الحاد إلى القتل واسع النطاق، والنزوح القسري، والانهيار المعيشي، رغم التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، والذي لم يوقف العدوان بشكل كامل.
وبحسب البيانات، بلغ عدد الشهداء الأطفال حتى نهاية عام 2025 نحو 18,592 طفلًا، إضافة إلى قرابة 12,400 امرأة، ما يعكس الحجم غير المسبوق للخسائر في صفوف المدنيين.
القانون الدولي عند حافة الانهيار
وفي سياق متصل، حذرت دراسة دولية أعدّتها أكاديمية جنيف للقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، ونشرتها الغارديان، من أن القانون الدولي الإنساني وصل إلى “نقطة انهيار حرجة”، بعد مقتل أكثر من 100 ألف مدني في نزاعات عامي 2024 و2025 حول العالم.
ووثّقت الدراسة، التي شملت 23 نزاعًا مسلحًا، ارتكاب جرائم حرب جسيمة، بينها استهداف المدنيين، والتعذيب، والعنف الجنسي، في ظل إفلات شبه كامل من العقاب.
وأكد ستيوارت كيسي-ماسلين، المؤلف الرئيسي للتقرير، أن غياب المحاسبة هو السبب الرئيسي لتكرار الفظائع، محذرًا من أن استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى تلاشي فعلي لمنظومة الحماية الدولية.
غزة في قلب الكارثة العالمية
ووصفت الدراسة ما يجري في غزة بأنه أحد أوضح الأمثلة على انهيار القانون الدولي، في ظل القتل الواسع للأطفال، وتدمير البنية التحتية، والنزوح الجماعي، والانخفاض الحاد في عدد السكان، مؤكدة أن ما يحدث يتجاوز مفهوم “الأضرار الجانبية” ليعكس نمطًا منهجيًا من استهداف المدنيين.
ودعت الدراسة إلى إجراءات عاجلة، من بينها حظر تصدير الأسلحة عند وجود خطر استخدامها ضد المدنيين، وتقييد استخدام القنابل غير الموجهة والطائرات المسيّرة، ودعم المحكمة الجنائية الدولية لضمان ملاحقة مرتكبي جرائم الحرب.
ترتيبات إدارية لمستقبل غزة
على الصعيد السياسي، أعلنت حركة حماس اكتمال الترتيبات الحكومية والإدارية لتسليم إدارة قطاع غزة إلى اللجنة الوطنية لإدارة القطاع، وهي هيئة مستقلة غير سياسية تتولى إدارة الشؤون المدنية اليومية.
وأكد المتحدث باسم الحركة حازم قاسم أن عملية التسليم ستكون “شفافة وشاملة”، بإشراف لجنة عليا تضم فصائل فلسطينية وقيادات عشائرية وممثلين عن المجتمع المدني، تمهيدًا لبدء تعافي القطاع بعد عامين من حرب الإبادة.

