في مشهد يلخِّص طبيعة الحكم في مصر بعد انقلاب يوليو 2013، لم يعد يكفي قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي أن يكون القضاء شريكًا في شرعنة القمع وإصدار أحكام الإعدام والسجن بالجملة، بل يتجه اليوم إلى خطوة أبعد: تحويل الوزارات والهيئات المدنية ـ وعلى رأسها السلطة القضائية ـ إلى أذرع تابعة للأكاديمية العسكرية، تخضع لتفتيشها وتقييمها ودوراتها و«اختبار الولاء» فيها.

 

ما يجري ليس تطويرًا إداريًا ولا «رقمنة» كما يروَّج، بل استكمال لمسار بدأ بحل البرلمان المنتخب، ومرّ بتطعيم القضاء بعشرات القوانين الاستثنائية، لينتهي بقاضٍ يُعامل كموظف صغير في إدارة تابعة لمعسكر، لا كسلطة مستقلة يفترض أنها تحكم بين الناس والسلطة نفسها.

 

من حلّ البرلمان إلى قضاء يُستدعى للتحية لا للحكم

 

غضب القضاة اليوم ليس حادثًا عابرًا، بل حصاد مسار طويل بدأ مع الثورة المصرية نفسها.

فبعد أن كان تيار «استقلال القضاء» جزءًا من روح يناير، انقلب المشهد منذ 2012؛ خرج أحمد الزند، رئيس نادي القضاة، محاربًا للثورة، مُحرِّضًا على الإخوان، ومهاجمًا الرئيس الشهيد محمد مرسي، وفتحت المحكمة الدستورية العليا نيرانها على السلطة المنتخبة حتى أصدرت حكم حلّ مجلس الشعب، في خطوة اعتبرها كثيرون تمهيدًا لتفريغ المجال السياسي من أي شرعية انتخابية.

 

ثم جاء دور القضاة في 3 يوليو؛ نادي القضاة، المجلس الأعلى للقضاء، والمحكمة الدستورية، كلهم قدموا الغطاء اللازم للانقلاب، وقبل رئيس المحكمة الدستورية عدلي منصور أن يلعب دور «الرئيس المؤقت»، بينما كان السيسي هو الحاكم الفعلي.

الشارع منح منصور لقب «طرطور» لأنه لم يفعل سوى توقيع ما يُملى عليه من قرارات: من إعلان دستوري مفصّل على مقاس العسكر، إلى ترقية السيسي نفسه لرتبة «مشير» في مخالفة صريحة للقانون العسكري الذي يشترط خوض حرب للحصول على هذه الرتبة.

 

على مدى سنوات، كان القضاء شريكًا في إعدام الثورة وسحق المعارضين، من محاكمات رابعة والنهضة، إلى مئات أحكام الإعدام والسجن المؤبد، إلى تكريس الحبس الاحتياطي التعسفي «عقوبة بلا حكم».

ومع ذلك، لم يتردد السيسي اليوم في اتهام القضاة بالصلف والغرور، ملوّحًا بأن زمن استقلالهم ـ حتى في صورته الشكلية ـ قد انتهى.

 

الأكاديمية العسكرية.. بوابة إخضاع القضاء لا تطويره

 

الزيارة المفاجئة التي قام بها السيسي فجرًا للأكاديمية العسكرية بالعاصمة الإدارية كشفت ملامح المشروع بوضوح.

الرجل تحدث عن ضرورة أن تتم التعيينات في الوظائف الحكومية «وفق معايير موضوعية حيادية مجردة»، وعن حرصه الشخصي على منع «المجاملة»، وقدّم الأكاديمية بوصفها النموذج الذي يجب تعميمه على أجهزة الدولة، بما فيها القضاء والنيابة.

 

وراء هذه اللغة الناعمة يقف واقع أشد قسوة: اشتراط المرور عبر دورات الأكاديمية العسكرية للتعيين والترقي في القضاء، وربط مستقبل القاضي المهني بتقارير «التفتيش العسكري» لا بتقييمه القضائي.

قضاة كُثر يرون أن جوهر الأزمة ليس في التدريب ولا في التحديث، بل في إخضاع السلطة القضائية لمعايير خارج بنيتها، تُدار بالكامل من مكتب الحاكم العسكري.

 

لا أحد يعترض على تحسين الكفاءة أو إدخال التكنولوجيا، لكن السؤال: لماذا تكون بوابة التطوير هي «الأكاديمية العسكرية» تحديدًا؟ ولماذا لا يكون مركزًا قضائيًا مستقلًا يخضع لمجلس القضاء وحده؟

الإجابة يعرفها الجميع: المطلوب قاضٍ يحمل «عقيدة» المؤسسة العسكرية أولًا، قبل أن يحمل نصوص القانون في يده.

المطلوب أن يتعلّم في قاعات المحاضرات أن الدولة «عزبة» يملكها الحاكم، وأن وظيفته حماية هذا الوضع، لا مراجعته أو تحديه.

 

غضب مكتوم وامتيازات صامتة.. هل يجرؤ القضاء على التمرد؟

 

إزاء هذا المشروع الفج، تحرك نادي قضاة مصر على استحياء؛ اجتماعات مغلقة، وقرار بعقد جمعية عمومية طارئة في 4 فبراير، ثم تعليق مفاجئ بعد لقاء مع المجلس الأعلى للقضاء.

التراجع فسّره كثيرون بأنه صفقة جديدة: غضب محدود في البيانات، مقابل الحفاظ على الامتيازات المالية والاجتماعية وعدم فتح ملفات قديمة. آخرون رأوه مناورة لكسب الوقت في مواجهة اندفاع السيسي نحو عسكرة كل شيء.

 

على السوشيال ميديا، كان المشهد مختلفًا: قضاة سابقون ومحامون وناشطون صبّوا غضبهم بلا مواربة.

كتب أحدهم: «القضاء الذي شرعن الانقلاب يُكافأ اليوم بوضعه تحت وصاية التفتيش العسكري»، وقال ناشط حقوقي: «السيسي لا يريد قضاءً مستقلاً ولا تابعًا… بل يريد ضابطًا بزي قاضٍ».

وعلّق آخر بسخرية: «بعد الطب والهندسة والإعلام، جاء دور القضاء في طابور الأكاديمية».

 

السؤال الآن: هل يكتفي القضاة بالهمس في الغرف المغلقة، أم يملكون شجاعة الوقوف العلني دفاعًا عن ما تبقّى من كرامة مهنية؟ التجربة تقول إن أغلبهم اختار الصمت عندما كانت الدماء تسيل في الشوارع، ومن يصمت على قتل الناس لن يثور غالبًا لمجرد المساس بامتيازاته.

لكن التاريخ أيضًا يعلّم أن الأنظمة الفردية عندما تبالغ في الإهانة تصنع خصومها بيدها؛ والقاضي الذي يُجبر غدًا على تأدية التحية العسكرية قبل دخول قاعة الحكم قد يكتشف، ولو متأخرًا، أنه خسر كل شيء: هيبته، واستقلاله، واحترام الناس.

 

في النهاية، ما يفعله السيسي اليوم ليس إصلاحًا للمؤسسات بل إعادة تشكيل للدولة باعتبارها «إدارة عملاقة للأكاديمية العسكرية المصرية».

الوزارات والهيئات والقضاء والإعلام كلها وحدات في معسكر واحد، رأسه قائد واحد لا يرى في الدستور إلا ورقة يتلاعب بها، ولا في القانون إلا عصا يُلوح بها للخصوم.

أما المواطن فعليه أن يتعامل مع قاضٍ يعرف أن ترقيته ووجوده نفسه مرهونان برضا الجنرال، لا بنص العدالة ولا بضمير القانون.