حذرت دراسة حديثة من أن التعرض لمستويات منخفضة من مادة كيميائية تستخدم في تصنيع البلاستيك في الرحم، يمكن أن يعطل نمو الجنين، مما يؤدي إلى تأنيث الذكور وتذكير الإناث.
والأسوأ من ذلك، أن الباحثين وجدوا أن هذه التغيّرات التي تحدث قبل الولادة قد تُغيّر بشكل دائم عملية التمثيل الغذائي والمناعة وخطر الإصابة بالأمراض- مما قد يُمهّد الطريق للإصابة بالسرطان ومجموعة واسعة من الأمراض المزمنة في وقت لاحق من الحياة.
مادة البيسفينول أ (BPA)
وتشير أبحاث سابقة إلى أن مادة البيسفينول أ (BPA)- مادة كيميائية مُصنّعة تستخدم عادة لجعل البلاستيك أكثر صلابة ومقاومة للحرارة - قد تتسرب إلى الأطعمة والمشروبات من عبواتها، متسللةً إلى أجسامنا دون أن نشعر.
وبمجرد دخولها، تعمل هذه المادة كمُعطّل للغدد الصماء، حيث تحاكي الهرمونات الطبيعية للجسم وتخل بتوازن وظائفها الطبيعية- وبخاصة هرمون الاستروجين- الهرمون الجنسي الأنثوي الأساسي، على الرغم من وجوده أيضًا عند الرجال.
وتشير بعض الدراسات إلى أن الرُّضع والأطفال هم الأكثر عرضة لمخاطر التعرض لمادة البيسفينول أ.
ولطالما ربط الباحثون هذه المادة الكيميائية بقائمة طويلة من مشاكل النمو والصحة، بما فيها اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط، والقلق، والاكتئاب، والبلوغ المبكر، واضطرابات الجهاز المناعي، والسكري، والسمنة، وأمراض القلب.
وعلى الرغم من حظر استخدام هذه المادة في بعض المنتجات، إلا أنه لا يزال من الممكن العثور عليها في عبوات الأطعمة والمشروبات وغيرها من السلع الاستهلاكية، وفقًا لصحيفة "نيويورك بوست".
وتؤكد إدارة الغذاء والدواء الأمريكية، استنادًا إلى الأدلة الحالية، أن الكميات الضئيلة التي تتسرب من هذه المنتجات لا تكفي لإحداث أي ضرر.
تأثير التعرض لمادة BPA قبل الولادة
مع ذلك، تساءل الباحثون في جامعة أوبسالا في السويد عن تأثير التعرض لمادة BPA قبل الولادة. وأجروا تجربة شملت إعطاء الفئران الحوامل مياه شرب تحتوي على هذه المادة. واختبر الفريق جرعتين: إحداهما مطابقة للتعرض البشري المعتاد (0.5 ميكروجرام لكل كيلوجرام من وزن الجسم يوميًا) وجرعة أعلى اعتبرت آمنة في عام 2015 (50 ميكروجرام لكل كيلوجرام يوميًا).
وعندما بلغ النسل سن البلوغ، قام الباحثون بتحليل التعبير الجيني في نخاع عظامهم وفحصوا علامات الدم لمعرفة ما إذا كان التعرض لمادة BPA في الرحم له آثار طويلة المدى.
وقال توماس ليند، المؤلف الأول للدراسة، في بيان صحفي: "لقد لاحظنا آثارًا دائمة في الفئران البالغة. حتى الجرعات المنخفضة جدًا غيرت طريقة التعبير الجيني. فقد أصبحت الإناث أكثر تذكيرًا، والذكور أكثر تأنيثًا".
ولم تكن تلك التغييرات تجميلية فحسب. إذ أظهر كلا الجنسين تحولات أيضية، ولكن في اتجاهات مختلفة تمامًا. اتجهت إناث الفئران نحو حالة بيولوجية تشبه السرطان، بينما أظهر الذكور علامات متلازمة التمثيل الغذائي ، وهي حالة مرتبطة بارتفاع مخاطر الإصابة بمرض السكري وأمراض القلب.
كما تضرر الجهاز المناعي أيضًا، فقد ازداد نشاط الخلايا التائية - وهي خلايا دم بيضاء تساعد في مكافحة العدوى - لدى الذكور، بينما انخفض لدى الإناث، مما يعكس نتائج أبحاث سابقة تربط التعرض لمادة BPA بخلل في الجهاز المناعي.
تغيرات خاصة بكل جنس
وعندما حلل الفريق دم الفئران، وجدوا المزيد من التغيرات الخاصة بكل جنس.
أظهر الذكور اضطرابًا في مستوى الدهون، إلى جانب علامات زيادة التمثيل الغذائي وفرط النشاط المرتبط بالغدة الدرقية.
أما الإناث، فقد كان لديهن مستويات جلوكوز أقل، ومستويات أنسولين أعلى، وعلامات على زيادة نشاط هرمون التستوستيرون، وهو نمط مشابه لمتلازمة تكيس المبايض.
وأوضح ليند قائلاً: "تؤكد النتائج أيضًا الدراسات البشرية السابقة، حيث أظهرت النساء المصابات باضطراب تكيس المبايض مستويات أعلى من مادة بيسفينول أ في الدم، وهو ما يرتبط بزيادة تأثير الهرمونات الجنسية الذكرية".
وأشار إلى أن "هذا يعزز نتائج دراسات أخرى تربط التعرض لمادة بيسفينول أ بانخفاض الخصوبة لدى النساء".
ويقول الباحثون إن نتائجهم تعزز الحجة القائلة بضرورة إزالة مادة BPA من عبوات الأطعمة والمشروبات.
وفي العام الماضي، حظر الاتحاد الأوروبي استخدام هذه المادة في جميع المواد الملامسة للأغذية تقريبًا، وسمح بفترة انتقالية لازالت جارية.
فبينما حظرت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية استخدام هذه المادة الكيميائية في زجاجات الرضاعة وأكواب الشرب وعبوات حليب الأطفال، إلا أنه لا يوجد حظر على مستوى البلاد.

