أعلنت الهيئة الوطنية للانتخابات، برئاسة المستشار حازم بدوي، أن نسبة المشاركة في انتخابات مجلس النواب 2025، داخل مصر وخارجها، بلغت 32.41%، وفقًا للأرقام الرسمية التي كُشف عنها خلال مؤتمر صحفي عقدته الهيئة.
ووفق هذه البيانات، بلغ إجمالي عدد الناخبين المقيدين في قاعدة بيانات الناخبين 69 مليونًا و891 ألفًا و913 ناخبًا، أدلى منهم بأصواتهم 22 مليونًا و657 ألفًا و211 ناخبًا، بينما بلغ عدد الأصوات الصحيحة 21 مليونًا و150 ألفًا و656 صوتًا، مقابل أكثر من 1.5 مليون صوت باطل.
هذه الأرقام، على دقتها الإجرائية، لا تغلق باب التساؤل، بل تفتحه على مصراعيه. فالسؤال الأساسي ليس: كم شخصًا صوّت؟ بل: هل تعكس هذه النسبة مشاركة حقيقية أم مجرد حضور عددي؟ غياب مراقبة دولية مستقلة واسعة النطاق، واعتماد العملية الانتخابية على إشراف محلي بالكامل، يجعل أي نقاش حول “الواقع الفعلي” للمشاركة نقاشًا مشروعًا، لا تشكيكًا مجانيًا.
وتشير د. سالي صلاح، أستاذة العلوم السياسية، إلى أن الأرقام الرسمية في أي عملية انتخابية يجب أن تُقرأ في سياقها السياسي، لا بمعزل عنه. فالمشاركة، من وجهة نظرها، لا تُقاس فقط بفتح اللجان وإغلاقها وعدّ الأصوات، بل بمدى شعور المواطن أن لصوته وزنًا حقيقيًا، وأن الاختيارات المعروضة أمامه تعكس تنوعًا سياسيًا وبرامجيًا حقيقيًا، لا مجرد أسماء مختلفة داخل الإطار نفسه.
ثلث صوّت… وثلثان غابوا
حتى إذا سلّمنا بصحة الأرقام المعلنة بالكامل، فإن نسبة 32.41% تعني ببساطة أن ما يقرب من ثلث الناخبين فقط شاركوا في اختيار مجلس النواب، مقابل عزوف قرابة ثلثي الكتلة التصويتية. هذه الحقيقة الرقمية تضع شرعية “التمثيل الشعبي” تحت المجهر. فبرلمان يُنتخب بأصوات أقل من نصف من يحق لهم التصويت، يواجه دائمًا سؤالًا عن مدى تعبيره عن الإرادة العامة.
وتلفت د. عالية المهدي، أستاذة الاقتصاد والعلوم السياسية، إلى أن ضعف المشاركة ليس ظاهرة تقنية، بل نتيجة تراكمية لعوامل سياسية واقتصادية واجتماعية. فالمواطن، من وجهة نظرها، لا يقاطع الانتخابات لأنه “كسول سياسيًا”، بل لأنه لا يرى رابطًا واضحًا بين صوته وتحسن أوضاعه المعيشية أو قدرته على التأثير في السياسات العامة.
ومع تراجع الثقة في فعالية البرلمان، ومحدودية صلاحياته الفعلية في مواجهة السلطة التنفيذية، يصبح الامتناع عن التصويت سلوكًا عقلانيًا لدى قطاعات واسعة، لا موقفًا سلبيًا بالضرورة.
كما تشير قراءات غير رسمية إلى أن نسب المشاركة تكون أعلى نسبيًا بين الفئات المرتبطة بالجهاز الإداري للدولة، أو المستفيدة من شبكات المصالح المحلية، في مقابل عزوف واضح من الشباب والطبقات الوسطى. وهي مفارقة لافتة، لأن هذه الفئات الأخيرة يُفترض أن تكون الأكثر اهتمامًا بالسياسات العامة والتشريع والرقابة، لكنها في الواقع الأكثر ابتعادًا عن صناديق الاقتراع.
أصوات باطلة وتمثيل ناقص
وجود أكثر من 1.5 مليون صوت باطل لا يمكن اعتباره تفصيلًا هامشيًا. فهذه النسبة من الأصوات، مقارنة بعدد المشاركين، تمثل مؤشرًا إضافيًا على وجود خلل ما في العملية الانتخابية. الخلل هنا لا يقتصر بالضرورة على الإجراءات، بل يمتد إلى مستوى الاقتناع بالمرشحين أنفسهم، أو وضوح البرامج، أو حتى الرغبة في إرسال رسالة احتجاج صامت عبر إبطال الصوت.
ويرى د. مراد علي، الباحث في الشؤون السياسية، أن ارتفاع عدد الأصوات الباطلة يعكس في جزء كبير منه أزمة تمثيل، لا أزمة وعي فقط. فحين لا يجد الناخب مرشحًا يعبر عنه، أو يشعر أن النتائج محسومة سلفًا بفعل المال السياسي أو النفوذ العائلي أو الترتيبات المسبقة، يصبح إبطال الصوت وسيلة للتعبير عن الرفض دون الدخول في مواجهة مباشرة مع النظام السياسي.
السؤال الأعمق، إذن، لا يتعلق فقط بحجم المشاركة، بل بنوعيتها. هل من شاركوا يمثلون فعلًا “الناخب المؤهل للاختيار”؟ أم أن العملية أنتجت برلمانًا عبر مشاركة محدودة التأثير السياسي؟ في ظل غياب تنافس حقيقي، وضعف البرامج الحزبية، وتحجيم المعارضة، يصبح البرلمان نتاج معادلة عددية صحيحة، لكنها سياسيًا ناقصة.
في النهاية، نسبة 32.41% قد تكون صحيحة حسابيًا، لكنها لا تكفي وحدها للإجابة عن سؤال الشرعية والتمثيل. فالديمقراطية ليست رقمًا يُعلن في مؤتمر صحفي، بل علاقة ثقة متبادلة بين المواطن وصندوق الاقتراع. وهذه العلاقة، كما تشير الوقائع، ما زالت تعاني من تصدعات عميقة.

