طالبت النقابة العامة للأطباء حكومة الانقلاب في القاهرة بإجراء تعديل عاجل وشامل للأوضاع المالية للكوادر الطبية وزيادة دخولهم بما يتماشى مع أعبائهم الجسيمة، مؤكدة أن النهوض بالقطاع الصحي لا يمكن فصله عن توفير أجر عادل يحفظ كرامة الطبيب ويلبي متطلبات معيشته الأساسية وسط تفاقم الأزمات الاقتصادية.
وجاء هذا التحرك النقابي الحاسم في أعقاب صدور حزمة قرارات مالية وصفتها الجمعية العمومية بغير المجدية، مشيرة إلى أن حوافز الأداء وبدلات النوبتجيات التي أقرها رئيس مجلس وزراء الانقلاب مؤخراً تبتعد كلياً عن تلبية الاحتياجات المعيشية الفعلية، ولا تعكس حجم التضحيات المتواصلة داخل المستشفيات الحكومية في محافظات الجمهورية.
فجوة الأجور وانهيار الحوافز الحكومية
وبناءً على الموقف الرسمي للنقابة، اعتبر الأطباء أن القرارات الصادرة عن رئاسة الوزراء تمثل التفافاً على جوهر الأزمة المعيشية، لافتين إلى أن الإجراءات الحكومية لم تستجب للتحذيرات المتكررة بشأن تآكل القوة الشرائية، في ظل تصاعد معدلات التضخم التي جعلت تلك الزيادات المحدودة عديمة الأثر الواقعي على حياة الكوادر وأسرهم.
وفي السياق ذاته، شدد البيان النقابي على أن إقرار حوافز مشروطة بتقييمات بيروقراطية يعكس انفصالاً تاماً عن واقع المنشآت الطبية، مؤكداً أن ساعات العمل الإضافية والنوبتجيات الليلية التي يؤديها الأطباء وسط ظروف بالغة الصعوبة ونقص المستلزمات، تقابل بمكافآت رمزية للغاية تسلب الفريق الطبي أبسط حقوقه العادلة في التعويض المتكافئ.
وعلاوة على ذلك، يؤكد الدكتور إيهاب الطاهر، عضو مجلس النقابة العامة للأطباء واستشاري الأنف والأذن والحنجرة، أن المسكنات المالية الجزئية تفشل دوماً في وقف نزيف هجرة الأطباء إلى الخارج، موضحاً أن السياسات الحكومية الراهنة تدفع الكفاءات الوطنية الشابة إلى مغادرة المستشفيات الحكومية نتيجة غياب الأمان الاقتصادي واستمرار تدني الدخول.
ومن هذا المنطلق، اعتبرت الأوساط الطبية أن التجاهل الرسمي لمطالب الأطباء يهدد بتفريغ المرافق العلاجية من كوادرها المؤهلة، لافتة إلى أن استمرار العمل بنظام المكافآت المحدودة يعمق شعور العاملين بالإحباط، في وقت تتزايد فيه الضغوط النفسية والبدنية الواقعة على الأطقم العاملة على مدار 24 ساعة دون أي غطاء تأميني ملائم.
واتصالاً بذلك، أوضحت المذكرات النقابية المرفوعة للجهات المعنية أن بيئة العمل الحالية أصبحت طاردة بصورة غير مسبوقة، مشيرة إلى أن غياب الحماية القانونية بالتوازي مع العجز المالي يضع الطبيب بين مطرقة المساءلة المجتمعية وسندان الفقر الوظيفي، الأمر الذي يسرع من وتيرة استقالات شباب الأطباء من وزارة صحة الانقلاب سنوياً.
وبالتوازي مع ذلك، أظهرت بيانات نقابية متطابقة أن المنظومة فقدت آلاف الأطباء خلال السنوات الأخيرة بسبب الرواتب الهزيلة، مبينة أن بقاء الوضع الراهن يلقي بأعباء مضاعفة على من تبقى من الكوادر الطبية الملتزمة بالخدمة العامة، مما ينعكس سلباً على كفاءة تقديم الرعاية الصحية للمواطنين في مختلف الأقسام والمراكز الحيوية.
ضرورة إصلاح هيكل أجور المنظومة
واستناداً إلى المطالب النقابية المستمرة، جدد مجلس النقابة دعوته لتبني استراتيجية جذرية وشاملة لإصلاح هيكل الأجور المتهالك، مؤكداً أن الحلول الترقيعية المؤقتة القائمة على منح بدلات طفيفة لم تعد مقبولة، حيث تتطلب الأزمة صياغة سلم رواتب عادل يضمن زيادة دورية وحقيقية توازي مستويات الغلاء المتسارعة في البلاد بصورة دائمة.
وفي هذا الإطار، طالبت النقابة بأن تراعي المنظومة المالية الجديدة سنوات الدراسة الشاقة والتدريب التخصصي والمسؤوليات الطبية الجسيمة، مشددة على ضرورة تعويض الأطباء العاملين في أقسام الطوارئ والرعاية المركزة ووحدات الحالات الحرجة بتعويضات مجزية، تتناسب مع حجم المخاطر الصحية والمهنية المحدقة بهم يومياً أثناء ممارسة واجبهم الإنساني الصعب داخل المستشفيات.
ومن جهته، يرى الدكتور علاء غنام، استشاري السياسات الصحية ومدير برنامج الحق في الصحة، أن العدالة الاجتماعية تبدأ من توحيد اللوائح المالية داخل القطاع العام، موضحاً أن تجزئة المنظومة بين هيئات متعددة خلق تفاوتاً وظيفياً فادحاً يضر بوحدة العمل الطبي، مما يستوجب تعميم المزايا المالية للرعاية الصحية على جميع المنشآت.
وتأكيداً على هذا الطرح، شددت النقابة على وجوب سريان اللائحة المالية للهيئة العامة للرعاية الصحية على أطباء وزارة صحة الانقلاب والتأمين الصحي، معتبرة أن ذلك يمثل المدخل الحقيقي للمساواة المهنية بين رفقاء المهنة الواحدة، ويضع حداً لسياسات التمييز المالي غير المبررة بين أطباء يتحملون أعباء علاجية ورقابية متماثلة تماماً.
وبالإضافة إلى ذلك، حذرت الأمانة العامة للنقابة من استمرار تجاهل تطبيق اللائحة الموحدة على المستوى الوطني في كافة المحافظات، لافتة إلى أن استمرار العمل بنظامين ماليين متناقضين داخل القطاع الواحد يولد احتقاناً متراكماً بين الأطباء، ويفاقم من أزمة توزيع القوى البشرية الطبية بين مختلف المستشفيات الحكومية والمراكز المتخصصة.
وترسيخاً للعدالة الوظيفية، لفتت القيادات النقابية إلى أن الاستثمار الحكومي في الطبيب يشكل الضمانة الجوهرية لنجاح أي مشروع لإصلاح التأمين الصحي، معتبرة أن بناء المنشآت الفاخرة وشراء الأجهزة الحديثة دون توفير أجر ملائم للعنصر البشري يفرغ المنظومة من قيمتها الحقيقية، ويهدر المليارات المخصصة لتطوير الخدمة العلاجية المقدمة لعموم الشعب.
فوارق الدخل وتهديد استقرار الكوادر
وبالنظر إلى الإحصاءات الرسمية، تبرز فجوة مالية ساحقة بين القطاعات، حيث يتراوح الحد الأدنى لدخل الطبيب المقيم بالتأمين الشامل بين 12 و14 ألف جنيه، في حين يتقاضى زميله بوزارة صحة الانقلاب نحو 8 آلاف جنيه فقط، مما يكرس تفاوتاً شاسعاً بين أطباء يؤدون المهام الوظيفية والسريرية ذاتها يومياً.
ويتسع هذا التباين المجحف على مستوى درجة الأخصائي، حيث يتراوح الدخل الشهري في التأمين الصحي الشامل بين 16 و20 ألف جنيه وفقاً للأقدمية وقد يصل إلى 24 ألف جنيه، في حين لا يتعدى راتب الأخصائي في وزارة صحة الانقلاب نحو 8700 جنيه، وهو ما يجسد خللاً هيكلياً يعصف بالعدالة الوظيفية.
وتصل الهوة المالية ذروتها عند درجة الاستشاري، حيث يبلغ الدخل بالتأمين الشامل نحو 30 ألف جنيه، بينما يتراوح دخل نظيره بوزارة صحة الانقلاب بين 9 آلاف و10 آلاف جنيه فقط، ما يمثل فارقاً يبلغ 3 أضعاف، ويدفع كبار الأطباء وأصحاب الخبرات الطويلة إلى ترك المستشفيات الحكومية واللجوء للقطاع الخاص.
وفي هذا الصدد، يوضح الدكتور خالد سمير، أستاذ جراحة القلب بكلية الطب بجامعة عين شمس، أن هذا التمييز في الأجور يهدد بانهيار المستشفيات التابعة لوزارة الصحة، مبيناً أن استمرار حرمان الأطباء من حقوقهم ينسف استقرار الكوادر الطبية، ويفقد الدولة رصيدها البشري الذي أنفقت على تأهيله سنوات طويلة داخل الجامعات.
واختتمت النقابة موقفها بالتأكيد على أن تحسين أجور الأطباء لا يمثل مطلباً فئوياً أو امتيازاً خاصاً، بل هو ركيزة أساسية لحماية الأمن الصحي المجتمعي، مشيرة إلى أن حماية الكوادر وتحسين جودة الخدمة الطبية للمواطنين يظلان مرهونين بقرارات سياسية تعيد صياغة سلم الرواتب وتضمن حياة كريمة للأطباء في مصر.

