أصدرت إدارات تعليمية تابعة لوزارة التربية والتعليم قرارات مفاجئة بالاستغناء النهائي عن خدمات معلمي الحصة بمحافظة الشرقية ومناطق أخرى بدءا من أول نوفمبر الجاري، متجاهلة العجز المتراكم بالمدارس وسط أزمة اقتصادية طاحنة تضرب فئات واسعة من المجتمع المصري.
​
​
وجاءت هذه التوجيهات الرسمية تزامنا مع تسكين الدفعة الـ 5 من مسابقة المعلمين وإعادة توزيع أصحاب التظلمات، تاركة مئات العاملين بنظام الأجر في مواجهة مصير مجهول بعد أسابيع قليلة من اعتماد الإدارات عليهم لسد الفراغ بالمنظومة التعليمية المتردية.
​
​


تخبط إداري يضرب المنظومة التعليمية
​
​
وعلاوة على ذلك، استهدفت القرارات الصادرة عن مكتب مدير عام إدارة ههيا التعليمية إنهاء عمل الكوادر الجديدة بتخصصات اللغة العربية والدراسات الاجتماعية والعلوم، متذرعة بتوفير آليات بديلة لتغطية الشواغر داخل الفصول بعيدا عن هؤلاء المؤقتين.
​
​
وفي السياق ذاته، شمل الإجراء التعسفي كافة العاملين القدامى والجدد بمادة اللغة الإنجليزية، مبررة ذلك بتغطية العجز القائم عبر مسارات التعيين الجديدة والنقل الداخلي، ضاربة عرض الحائط بالاستقرار الوظيفي لمن حملوا عبء العمل خلال الفترات الماضية.
​
​
من جانبه، يرى الخبير التربوي الدكتور كمال مغيث أن هذه التوجيهات المفاجئة تعكس غياب التخطيط الاستراتيجي داخل مؤسسات الدولة، مؤكدا على تفاقم الأزمات المعيشية للمعلمين المبعدين بعد استهلاك جهودهم في بداية العام الدراسي دون توفير ضمانات حقيقية لحمايتهم.
​
​
وبناء على ذلك، حملت الخطابات الرسمية الممهورة بتوقيعات الشؤون القانونية والمتابعة لهجة تحذيرية شديدة لمديري المدارس، متوعدة كل من يخالف تعليمات الاستبعاد بتحمل المسؤولية الكاملة أمام جهات التحقيق لعدم تطبيق القواعد الإدارية والمالية.
​
​
وامتدادا لهذا النهج، يواجه مديرو المؤسسات التعليمية ضغوطا هائلة لتنفيذ الإخلاء الفوري للمستهدفين، محذرين من عواقب الإبقاء عليهم داخل الفصول، مما يهدد بتعطيل الجداول الدراسية التي استقرت بصعوبة بالغة خلال الأسابيع الأولى من الفصل الدراسي.
​
​
فضلا عن ذلك، تتجاهل الوزارة التداعيات النفسية والاجتماعية الواقعة على عاتق هذه الشريحة، تاركة إياهم بلا غطاء نقابي أو تعويض مالي عادل يعينهم على مواجهة الأعباء اليومية المتزايدة في ظل الانهيار المستمر للقدرة الشرائية للمواطنين.
​


​
غضب واسع بين صفوف المعلمين المستبعدين
​
​
وتزامنا مع هذه الإجراءات، تفجرت موجة عارمة من الاستياء المكتوم بين المتضررين الذين عبروا عبر منصات التواصل الاجتماعي عن صدمتهم الشديدة إزاء سرعة التخلص منهم، لافتين إلى تحملهم مشقة التدريس وسط بيئة عمل تفتقر لأدنى مقومات الاستقرار.
​
​
وإلى جانب ذلك، تبخرت آمال هؤلاء الشباب في تأمين دخل ثابت يعين أسرهم، معتبرين القرار تجاهلا متعمدا لجهودهم في سد العجز الصارخ الذي عانت منه المدارس الحكومية طوال الأشهر الماضية قبل وصول الدفعات الجديدة.
​
​
بدورها، تؤكد الباحثة في شؤون التعليم الدكتورة محبوبة حلمي أن استغلال حاجة الخريجين للعمل ثم الإطاحة بهم يعمق أزمة الثقة بين المواطن والجهات التنفيذية، مشيرة إلى ضرورة استيعاب كوادرهم بإدارات مجاورة لا تزال تعاني من نقص فادح.
​
​
وفي هذا الصدد، أطلق المئات من المتضررين مناشدات عاجلة لمسؤولي وزارة التربية والتعليم مطالبين بإعادة النظر في أوضاعهم المأساوية، محذرين من تدمير مستقبلهم المهني بعد حرمانهم من فرص بديلة كانوا ليلتحقوا بها لولا وعود العمل بالحصة.
​
​
وبالمثل، تتصاعد المطالب بضرورة حصر الاحتياجات الفعلية للإدارات القروية والنائية وتوجيه هذه الكوادر المدربة إليها بدلا من تسريحهم، موضحين أن الاستغناء العشوائي يضر بمصلحة الطلاب الذين اعتادوا على طرق تدريس هؤلاء المعلمين منذ انطلاق العام الحالي.
​
​
وتأكيدا لذلك، يشعر الكثيرون بالخذلان التام نتيجة غياب أي تشريعات تحمي حقوق العاملين بنظام الأجر اليومي، تاركين عرضة لقرارات إدارية متقلبة لا تراعي الأبعاد الإنسانية أو الاقتصادية الطاحنة التي يعاني منها أغلب أبناء الشعب المصري حاليا.
​


​
تعيينات جديدة وسط تساؤلات حول الجدوى
​
​
وعلى صعيد متصل، أصدر وزير التربية والتعليم محمد عبد اللطيف قرارا وزاريا يحمل رقم 225 لسنة 2026 يقضي بتعيين 15 ألف معلم جديد، مدخلا تعديلات واسعة على هيكل التوزيع الجغرافي للمقبولين في مسابقات التوظيف المتتالية.
​
​
وبالتوازي مع ذلك، شمل القرار استيعاب القوائم المؤجلة من أصحاب التظلمات التابعين للدفعات الـ 4 السابقة، مجبرا الإدارات على إعادة تسكينهم فورا وتفعيل القرار رقم 165 الخاص بتسوية أوضاع الموظفين الحاصلين على مؤهلات عليا أثناء فترات خدمتهم.

ومن هذا المنظور، يوضح الخبير الاقتصادي الدكتور وائل النحاس أن هذه السياسات الترقيعية لا تعالج جذور الأزمة الهيكلية بموازنة التعليم، مبينا أن الاستغناء عن العمالة المؤقتة جاء هربا من الاستحقاقات المالية المتراكمة في ظل تراجع الإنفاق الحكومي.
​
​
ونتيجة لذلك، تبرر الجهات الرسمية هذا الاستبعاد بانتفاء الحاجة القانونية والمالية لاستمرار المؤقتين بعد تسكين الدفعة الـ 5 واستيفاء نسبة 5 بالمئة المخصصة لذوي الإعاقة، متجاهلة الكثافات الطلابية المرتفعة التي تتطلب أضعاف هذه الأعداد لضمان سير العملية.
​
​
وفي غضون ذلك، يرى مراقبون أن توقيت هذا القرار يثير تساؤلات مشروعة حول التخطيط المسبق للوزارة التي تعاقدت مع الخريجين، محملين السياسات العامة تحت إدارة قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي مسؤولية تدهور أوضاعهم المعيشية وعدم استقرارهم الوظيفي.
​
​
وختاما، تبقى أزمة المعلمين المبعدين شاهدا حيا على الخلل الإداري وغياب الرؤية الشاملة في التعامل مع الملفات الحيوية، تاركة جرحا غائرا في نفوس الآلاف ممن ظنوا أن فصول المدارس ستكون طوق نجاة لهم من شبح البطالة.