أعلنت القاهرة والخرطوم تشكيل لجنة مشتركة لحصر الأضرار الناجمة عن سد النهضة الإثيوبي، في تحول استراتيجي ينهي أكثر من 15 عاماً من المفاوضات المتعثرة، بهدف نقل النزاع من أروقة السياسة العقيمة إلى ساحات التقاضي الدولي لمساءلة أديس أبابا عن إجراءاتها الأحادية المستمرة.
ويستهدف هذا التحرك الثنائي إعداد ملف قانوني متكامل يوثق الخسائر المائية والاقتصادية لدولتي المصب، تمهيداً للمطالبة بتعويضات مالية دولية، ومواجهة سياسة فرض الأمر الواقع التي انتهجتها إثيوبيا طوال سنوات الملء والتشغيل المنفرد دون التوصل إلى اتفاق ملزم يحمي الحقوق التاريخية المهددة.
تحول استراتيجي من التفاوض إلى التقاضي
وتأتي هذه الخطوة في ظل انسداد سياسي استمر أكثر من 15 عاماً عبر جولات تفاوضية غير مجدية، متجاوزة وساطات الاتحاد الأفريقي العقيمة التي استغلتها أديس أبابا لفرض سياسة الأمر الواقع دون التوصل إلى اتفاق ملزم، وموجهة البوصلة نحو آليات التحكيم الدولي لردع الانتهاكات.
ويشير التحول الراهن إلى تراجع التعويل على البيانات الدبلوماسية ومناشدات مجلس الأمن، بعدما أثبتت التجربة عجز تلك الأدوات عن كبح الإجراءات الأحادية، متجهاً صوب تثبيت وقائع الضرر بالأدلة الرسمية لإدانة انتهاك قواعد القانون الدولي المنظمة للمجاري المائية المشتركة بصورة قاطعة.
ويوضح وزير الموارد المائية والري الأسبق الدكتور محمد نصر الدين علام، أن تشكيل هذه اللجنة يمثل خطوة بالغة الأهمية على المستويات الفنية والسياسية والقانونية، مؤكداً إمكانية بناء تحرك دولي رصين استناداً إلى مبادئ القانون وإعلان المبادئ الموقع في عام 2015.
ويهدف هذا التوجه إلى تفكيك أسلوب المماطلة الذي فرضته إثيوبيا لسنوات طويلة، واضعاً ملف السد في إطار النزاع القانوني الواجب الفصل فيه دولياً، ومؤكداً أن استمرار التحركات التقليدية السابقة لم يعد مجدياً في حماية الأمن المائي لدولتي المصب أمام التجاهل الإثيوبي المستمر.
واستناداً إلى تلك المقاربة الجديدة، تتحول الدبلوماسية من تقديم التنازلات دون عائد إلى ممارسة الضغوط الممنهجة، جاعلة من خيارات القضاء والتحكيم أداة فاعلة، ومظهرة رغبة العاصمتين في انتزاع اعتراف قضائي بانتهاكات إثيوبيا المتكررة على مدار سنوات البناء والتخزين غير المنسق نهائياً.
فضلاً عن ذلك، تمهد هذه الإجراءات لتبني نهج حاسم يحمل أديس أبابا التبعات السيادية كاملة، متخلية عن لهجة التبرير والمطالبة البروتوكولية المجردة، ومقدمة أوراق الضغط الفعلي لإعادة التوازن المفقود بعد سنوات من المساس بحصص شعوب حوض النيل ومواردهم الحيوية الأساسية.
توثيق الأضرار وحسابات التعويض المالي الدولي
وفي إطار رصد الخسائر، شدد وزير الموارد المائية والري هاني سويلم على وصف السد بغير الشرعي، مؤكداً أن اللجنة المشتركة تكرس جهودها لتقييم التداعيات الفنية والاقتصادية بدقة تمهيداً للمطالبة الرسمية بتعويضات مالية شاملة وفق القواعد الدولية المستقرة لحماية الحقوق المائية المكتسبة.
ويعكس الحديث عن التعويضات تجاوز مرحلة التحذيرات النظرية من مخاطر الملء والتشغيل الأحادي، منتقلاً إلى حصر الخسائر التي وقعت على الأرض بالفعل، ومحاسبة الجانب الإثيوبي على اقتطاع حصص التدفق والتأثيرات البيئية والزراعية المعقدة الواقعة على دولتي المصب طوال الفترات السابقة.
ويؤكد مساعد وزير الخارجية الأسبق السفير حسين هريدي، أن القيمة الفعلية للجنة تتجسد في صياغة ملف موثق بالأدلة والبراهين والتقييمات المعتمدة، لافتاً إلى جاهزية هذا التوثيق للاستخدام المباشر أمام الهيئات والمحاكم الدولية لتثبيت حقوق البلدين ووضع الطرف الآخر أمام مسؤولياته القانونية الملزمة.
ويتضمن حصر الأضرار تدقيقاً فنياً في معدلات تدفق النهر وحجم التراجع المائي المترتب على القرارات الانفرادية، مبرزاً الأعباء الاقتصادية الباهظة التي تكبدها القطاع الزراعي ومنظومات الطاقة، ومحاصراً الرواية الإثيوبية الزاعمة عدم إلحاق أذى ملموس بدولتي الحوض الشريكتين في شريان النيل الأزرق.
وبناءً على إعداد ملفات التعويض المالي، تتسع البدائل المتاحة لفرض تسوية عادلة تحت طائلة المساءلة الحقوقية، موفرة أسانيد تجبر المجتمع الدولي على مغادرة مربع السلبية، وتضع حداً للسياسات التي أضرت بمصالح الملايين دون اكتراث بقواعد حسن الجوار أو التعهدات الدولية السابقة.
ويسعى هذا الإجراء إلى وضع تكلفة حقيقية أمام المفاوض الإثيوبي، لافتاً إلى أن التوثيق العلمي الدقيق للانتهاكات يمنع تكرار التهرب الدبلوماسي، ويهيئ لمرحلة تجعل أي تصرف إثيوبي أحادي خاضعاً لأحكام جبر الضرر ودفع المستحقات المالية عن كل قطرة مياه تم احتجازها تعسفياً.
تكتل القاهرة والخرطوم لمواجهة التعنت الإثيوبي
وعلى صعيد التنسيق الثنائي، جددت الاجتماعات المشتركة التشديد على أن الأمن المائي لمصر والسودان يمثل جسماً واحداً لا يقبل التجزئة، معيدة تفعيل الهيئة الفنية الدائمة لمياه النيل، ومطلقة تكتلاً استراتيجياً يمنح التحركات القانونية القادمة وزناً مضاعفاً يتفوق على أي تحركات فردية سابقة.
ويعزز هذا الاصطفاف تصحيح السياسات المشتركة لمواجهة استراتيجية الانفراد الإثيوبية، متيحاً للعاصمتين توحيد أدوات الرصد المائي وتبادل القياسات الفنية باستمرار، ومجهضاً محاولات التعتيم الإثيوبي على مراحل تخزين وتشغيل التوربينات المائية التي أضرت بالمنظومات النهرية المشتركة في البلدين.
ويتكامل دور الهيئة الفنية المشتركة لضمان مراقبة دقيقة لمناسيب الفيضان وتأثيرات التخزين المفاجئ على السدود السودانية والمنشآت المائية المصرية، موفراً غطاءً علمياً موثقاً يدعم المطالبات الحقوقية، ويدحض المزاعم المتكررة التي تروجها حكومة أديس أبابا بشأن انتفاء الأضرار الهيدرولوجية لدولتي المصب.
ورغم توفير أوراق ضغط ملموسة عبر توثيق الأضرار والتلويح بالمقاضاة، لا يلغي هذا التحرك خيارات الحل الدبلوماسي بصورة كاملة، بل يهدف إلى إرغام الجانب الإثيوبي على استئناف المفاوضات بجدية، والالتزام بإبرام اتفاق قانوني منصف وشامل يضمن حقوق الأجيال القادمة في مياه النهر.
ويختتم هذا التحول سنوات طويلة من المماطلة وإهدار الوقت، واضعاً حداً لسياسات التهدئة التي استنزفت الموقف التفاوضي، ومرسخاً نهجاً يعتمد على الأرقام الدقيقة وفرض المسؤولية القانونية، لضمان حماية شريان الحياة القومي لشعبي وادي النيل أمام مخاطر الاستفراد والتعنت الإثيوبي.

