توجه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى أذربيجان، الأحد، في زيارة تحمل أبعاداً تتجاوز المشاركة في احتفالات ذكرى النصر الأذربيجاني، إذ تأتي وسط توتر دبلوماسي بين أنقرة وباكو على خلفية الخلاف بشأن قواعد الزي المدرسي وارتداء الحجاب، في أزمة أثارت تساؤلات حول مستقبل العلاقات الوثيقة بين البلدين.
وتأتي الزيارة في محاولة لاحتواء تداعيات الخلاف وإعادة العلاقات إلى مسارها المعتاد، بعدما تصاعدت حدة الانتقادات المتبادلة، واتخذت الأزمة أبعاداً سياسية ودبلوماسية انعكست على مستوى التواصل بين الرئيسين التركي رجب طيب أردوغان والأذربيجاني إلهام علييف.
وكان أردوغان قد أعلن عزمه زيارة أذربيجان في 8 نوفمبر، بالتزامن مع الاحتفال بذكرى النصر في حرب قره باغ عام 2020، مؤكداً أن العلاقات بين البلدين تتجاوز حدود العلاقات الدبلوماسية التقليدية، وأن الروابط التاريخية والثقافية التي تجمع الشعبين قادرة على تجاوز الخلافات.
ورافق الرئيس التركي في الزيارة عقيلته أمينة أردوغان، ووزير الخارجية هاكان فيدان، ووزير الزراعة والغابات إبراهيم يوماقلي، ورئيس جهاز الاستخبارات إبراهيم قالن، ورئيس دائرة الاتصال بالرئاسة برهان الدين دوران، إلى جانب عدد من البرلمانيين ومسؤولي حزب العدالة والتنمية.
وكان من المقرر أن يعقد أردوغان لقاء ثنائياً مع علييف، يتناول العلاقات الثنائية وسبل تعزيز التعاون بين البلدين، إلى جانب تبادل وجهات النظر بشأن التطورات الإقليمية والدولية.
الحجاب يفجر خلافاً بين أنقرة وباكو
بدأت الأزمة عقب اعتماد السلطات الأذربيجانية قواعد جديدة تتعلق بالزي المدرسي، تتضمن قيوداً على الملابس التي لا تتوافق مع الضوابط المعتمدة والطابع العلماني للدولة، وهو ما أثار جدلاً واسعاً بشأن وضع الحجاب داخل المؤسسات التعليمية.
ورغم أن اللوائح لم تتضمن حظراً صريحاً للحجاب، تحدثت تقارير عن منع بعض المدارس فتيات محجبات من دخول الفصول الدراسية، الأمر الذي أثار انتقادات من شخصيات سياسية ودينية في تركيا، وطالب أعضاء بحزب العدالة والتنمية الحاكم السلطات الأذربيجانية بمراجعة الإجراءات المتخذة.
وتصاعدت الأزمة بعدما وجه أوكتاي سارال، كبير مستشاري أردوغان آنذاك، انتقادات حادة إلى القرار عبر حسابه على منصة «إكس» في 13 أكتوبر، معتبراً أن الإجراءات المتعلقة بالزي المدرسي تستهدف حرية ارتداء الحجاب.
ولم تتعامل باكو مع التصريحات باعتبارها مجرد انتقادات عابرة، إذ اعتبرها حزب الرئيس إلهام علييف تدخلاً تركياً في الشؤون الداخلية لأذربيجان، خصوصاً أن السلطات هناك تتمسك بحقها في تحديد القواعد المنظمة للحياة العامة والتعليمية وفقاً لقوانين البلاد.
وأكد علييف أن أذربيجان لن تقبل فرض أسلوب حياة معين عليها من أي طرف خارجي، في موقف عكس حساسية القيادة الأذربيجانية تجاه أي انتقادات تركية تتعلق بالسياسات الداخلية.
وفي محاولة لاحتواء التصعيد، أقال أردوغان مستشاره أوكطاي سارال في 26 أكتوبر، بعدما أثارت تصريحاته أزمة سياسية مع باكو، إلا أن الخطوة لم تنهِ التوتر بصورة فورية.
إجراءات أذربيجانية ضد أتراك
اتخذت الأزمة منحى أكثر حدة في 21 أكتوبر، عندما أعلنت الحكومة الأذربيجانية اعتبار 31 مواطناً تركياً أشخاصاً غير مرغوب فيهم، ومنعتهم من دخول البلاد.
وضمت القائمة شخصيات سياسية وبرلمانية وإعلامية، من بينها فاتح أربكان، رئيس حزب الرفاه من جديد، إلى جانب نواب وصحافيين وناشطين على منصات التواصل الاجتماعي، في خطوة عكست اتساع نطاق الخلاف من التصريحات المتعلقة بالحجاب إلى إجراءات دبلوماسية مباشرة.
وفي اليوم نفسه، أجرى أردوغان اتصالاً هاتفياً بعلييف، ووجه إليه دعوة للمشاركة في قمة منظمة الدول التركية التي استضافتها أنقرة في 30 أكتوبر، لكن الرئيس الأذربيجاني لم يحضر، واكتفى بإيفاد وزير خارجيته جيهون بيراموف ممثلاً لبلاده.
وأثار غياب علييف عن القمة اهتماماً واسعاً، بالنظر إلى مكانة أذربيجان داخل المنظمة، وإلى العلاقات الاستراتيجية التي تجمعها بتركيا، فضلاً عن أن المناسبة كانت فرصة لإظهار استمرار التنسيق بين البلدين.
وكشف أردوغان عن إجراء اتصالات مباشرة مع نظيره الأذربيجاني، إلى جانب إيفاد رئيس جهاز الاستخبارات إبراهيم قالن ووزير الخارجية هاكان فيدان إلى باكو، للمساهمة في معالجة الخلاف.
وأشار كذلك إلى استمرار الاتصالات الدبلوماسية بين الجانبين، بما في ذلك التواصل بين عقيلتي الرئيسين، أمينة أردوغان ومهريبان علييفا، في إشارة إلى محاولة الاستفادة من الروابط الشخصية والعائلية لتعزيز فرص تجاوز الأزمة.
خلافات أعمق من قضية الحجاب
لا ينحصر التوتر التركي الأذربيجاني في الخلاف بشأن ارتداء الحجاب داخل المدارس، إذ يرى محللون أن الأزمة كشفت عن تباينات أعمق تتعلق بطبيعة الشراكة بين البلدين، وحدود النفوذ التركي في باكو، ورغبة القيادة الأذربيجانية في تأكيد استقلال قرارها السياسي.
وقال إلخان شاهين أوغلو، مدير مركز «أطلس» للأبحاث في باكو، لوكالة فرانس برس، إن أذربيجان لا تنظر إلى نفسها باعتبارها الطرف الأصغر في علاقتها مع تركيا، وتتمسك بأن تقوم الشراكة بين البلدين على أساس المساواة والاحترام المتبادل.
وتعكس هذه الرؤية حساسية متزايدة لدى القيادة الأذربيجانية تجاه التصريحات التركية المتعلقة بالشؤون الداخلية، رغم التحالف السياسي والعسكري الوثيق بين البلدين، والذي تعزز خلال السنوات الماضية.
من جانبها، اعتبرت غونول تول، المحللة في معهد الشرق الأوسط بواشنطن، أن الخلاف بشأن الحجاب يعكس انقسامات أوسع تتعلق بسيادة أذربيجان ونفوذ أنقرة في باكو، إلى جانب اختلافات في المواقف السياسية تجاه إسرائيل وأرمينيا.
إسرائيل وأرمينيا في حسابات الخلاف
تتمتع أذربيجان بعلاقات وثيقة مع إسرائيل، التي تعد أحد أبرز موردي الأسلحة لباكو، وقدمت لها دعماً عسكرياً خلال الحرب مع أرمينيا عام 2020، التي استمرت نحو ستة أسابيع وانتهت باستعادة القوات الأذربيجانية السيطرة على مناطق في إقليم قره باغ.
وفي المقابل، يتبنى أردوغان موقفاً شديد الانتقاد للعمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة، ويتهم إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية بحق الفلسطينيين، كما ترتبط أنقرة بعلاقات سياسية مع حركة حماس.
ويمثل هذا التباين أحد أوجه الاختلاف بين البلدين، إذ لا تتطابق حسابات أنقرة الإقليمية مع توجهات باكو في جميع الملفات، رغم استمرار التعاون الاستراتيجي بينهما.
وتبرز أرمينيا كذلك باعتبارها نقطة اختلاف مهمة، في ظل مساعي تركيا لتطبيع العلاقات معها، بينما لا تزال العلاقات بين يريفان وباكو محكومة بإرث الصراع والتوترات الحدودية والسياسية.
ورغم التحولات التي شهدتها منطقة جنوب القوقاز، لا تزال الملفات المتعلقة بالأمن والحدود والتوازنات الإقليمية تمثل عوامل مؤثرة في حسابات الدولتين، وقد تجعل أي خلاف سياسي عرضة للتوسع خارج نطاقه المباشر.
مصالح استراتيجية تحد من التصعيد
على الرغم من التوتر السياسي، تظل العلاقات التركية الأذربيجانية قائمة على مصالح استراتيجية يصعب تجاوزها، خصوصاً في المجالات العسكرية والاقتصادية والطاقة والنقل.
وتحظى تركيا بموقع مهم في حركة صادرات النفط والغاز الأذربيجانية إلى الأسواق الغربية، إذ تمثل ممراً رئيسياً لهذه الإمدادات، كما يشكل التعاون في البنية التحتية والطاقة أحد أعمدة الشراكة بين البلدين.
وتعززت العلاقات العسكرية بين أنقرة وباكو خلال السنوات الماضية، خصوصاً مع الدعم التركي لأذربيجان خلال حرب قره باغ عام 2020، وهو ما ساهم في ترسيخ التحالف بين البلدين.
وكانت أذربيجان قد أعلنت 8 نوفمبر من كل عام يوماً للنصر، تخليداً لاستعادة قواتها مدينة شوشة في إقليم قره باغ عام 2020، بعد معارك استمرت 44 يوماً مع القوات الأرمينية.
وفي 27 سبتمبر من العام نفسه، أطلق الجيش الأذربيجاني عملية عسكرية لاستعادة الأراضي التي كانت خاضعة للسيطرة الأرمينية، قبل التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، تضمن استعادة باكو السيطرة على عدد من المناطق.
وفي عام 2023، استعادت أذربيجان السيطرة على إقليم ناغورني قره باغ بالكامل، عقب عملية عسكرية خاطفة دفعت غالبية السكان الأرمن إلى مغادرة الإقليم.
وشكلت مشاركة أردوغان في احتفالات ذكرى النصر فرصة لإعادة تأكيد التحالف بين البلدين، وتوجيه رسالة بأن الخلاف بشأن الحجاب لن يتحول إلى قطيعة سياسية أو يهدد المصالح المشتركة.

