أغلق قصر ثقافة الفيوم أبوابه في أبريل من العام 2021، ليحرم أبناء المحافظة من منارة فنية مهمة، وذلك بعد تعثر مشروع تطويره الذي بدأ منذ 5 سنوات دون خطة إنجاز.
وفي المقابل، اضطر أدباء المحافظة ومثقفوها إلى نقل ندواتهم نحو المقاهي الشعبية، كبديل مؤقت يحمل طابع المرارة، إثر فشل الزيارات المتكررة للمسؤولين بوزارة الثقافة في إنجاز أعمال هذا الصرح.
أعمال التطوير الوهمية وتجهيزات غير مكتملة
ومن ناحية أخرى، توقفت أعمال المسرح الرئيسي تماما بعد تغيير نظام السقف من متحرك إلى ثابت، وبقيت صالة الجمهور مهجورة منذ إزالة الكراسي والأرضيات القديمة دون أي تدخل لاحق.
وعلاوة على ذلك، تعطلت تجهيزات غرف الإسقاط الخاصة بالإضاءة والصوت بشكل تام، وتجاهلت الشركات المنفذة تركيب الأجهزة الفنية، فضلا عن إهمال أعمال الكهرباء وترك خشبة المسرح القديمة ملقاة مهملة.
وبناء على ذلك، يشير المهندس المعماري طارق صبحي، أستاذ التخطيط العمراني، إلى أن ترك المبنى التاريخي بهذه الحالة الإنشائية المتردية يعكس تخبطا إداريا وغيابا للرؤية الهندسية في إدارة المرافق.
وفي السياق ذاته، يعاني المبنى الإداري من تشطيبات متوقفة، فرغم تركيب السيراميك من الطابق 7 حتى الطابق الأول العلوي، تظل الأسقف والدهانات معطلة، وسط غياب تام لأي تقدم حقيقي.
وبالمثل، توقفت أعمال السباكة نهائيا، ولم تشهد الطوابق السفلية أي تشطيبات جديدة، في حين لم تتجاوز نسبة تركيب أجهزة وأنظمة الإطفاء نحو 50 بالمئة من المستهدف الفعلي للمشروع المعطل.
وإضافة إلى ما سبق، اقتصرت أعمال الحماية المدنية على إنشاء خزان رئيسي فقط، مع إهمال تركيب الطلمبات اللازمة لتشغيله رغم وجودها الفعلي داخل أروقة القصر ملقاة بلا أي فائدة.
غياب الرقابة وتبخر الميزانيات المخصصة للمشروع
وعلى صعيد متصل، يؤدي استمرار هذا الإغلاق المتعمد طوال هذه السنوات لتساؤلات مشروعة حول مصير الميزانيات المرصودة، في ظل تكرار تغيير المواعيد المعلنة للتسليم بشكل يثير الريبة والشكوك الواسعة.
ومن هذا المنطلق، تبدو الحاجة ملحة لمعرفة الجهات المسؤولة عن متابعة التنفيذ، في ظل تقاعس حكومي واضح عن محاسبة الشركات المنفذة التي أخلت بالتزاماتها ومواعيدها المحددة في العقود الرسمية.
وفي هذا الصدد، يوضح الخبير الاقتصادي الدكتور وائل النحاس، أن إهدار الموارد المالية في مشاريع غير مكتملة يعيق التنمية المستدامة، ويهدر فرص استثمار الأصول الثابتة التي تملكها الدولة بالأساس.
وبالتوازي مع ذلك، يتطلب الوضع الراهن كشف الأسباب الحقيقية والمخفية وراء هذا التأخير الممتد لعامين إضافيين عن الموعد الأصلي منذ العام 2021، لتحديد المسؤوليات بشكل قاطع لا يقبل التبرير.
ومما لا شك فيه، أن غياب الشفافية حول التكلفة الإجمالية المعتمدة للمشروع، والمبالغ التي جرى صرفها فعليا، يزيد من تعقيد الأزمة ويضعف الثقة في قدرة مؤسسات الدولة على الإنجاز.
وبالتالي، فإن ترك شبابيك الأدوار وواجهات المبنى دون استكمال، رغم تركيب السقالات منذ فترة طويلة، يؤكد استمرار حالة اللامبالاة وإهدار المال العام في ظل غياب تام للرقابة الصارمة الرادعة.
طمس الهوية واغتيال الوعي الثقافي بالمحافظة
ومن زاوية أخرى، تتجاوز الكارثة حدود التأخير الإنشائي، لتصل إلى جريمة تعطيل مؤسسة عريقة، كان يعول عليها في اكتشاف المواهب الشابة ورعاية المبدعين وتشجيع الأطفال على حب الفنون والقراءة.
وتأسيسا على ذلك، يتجسد الخطر الأكبر في ترك الأجيال الجديدة فريسة لتدفق الشائعات وانتشار التضليل الرقمي، الذي تعززه تقنيات الذكاء الاصطناعي، في ظل غياب مؤسسات حماية الهوية الوطنية الكبرى.
وفي هذا الإطار، يؤكد أستاذ علم الاجتماع السياسي الدكتور سعيد صادق، أن تهميش المنابر الثقافية يهدد الأمن المجتمعي، ويخلق فراغا فكريا يسهل اختراقه بخطابات الكراهية والأفكار المتطرفة الهدامة سريعا.
ومصداقا لذلك، يأتي فوز طالبة واحدة بالمركز الأول بمسابقة تحدي القراءة العربي في دورتها الـ 10 كدليل ساطع على قدرة الشباب على الإبداع، متى توفرت البيئة الثقافية الحاضنة للمواهب الواعدة.
وبناء على هذه المعطيات، لا يمكن حصر المشكلة في مجرد جدران مهدمة، بل في ضرورة وضع خطة شاملة لإعادة الحياة الفنية للقصر فور افتتاحه ببرامج أدبية ومسرحية هادفة للجميع.
وفي النهاية، لا تحتاج المحافظة إلى وعود حكومية جديدة لا تسمن ولا تغني من جوع، بل إلى قرارات نافذة تنهي سنوات من المماطلة ليعود الصرح ناشرا لوعي أبناء المدينة.

