سامح راشد
باحث مصري متخصص في العلاقات الدولية والشؤون الإقليمية للشرق الأوسط
لا مفاجآت كثيرة في الانتخابات الإسرائيلية قبل أيام. إذ يظل الانقسام سيد الموقف على الساحة السياسية/ المجتمعية. وهو انقسام ظاهري وشكلي، حول الإجراءات والأدوات، لا حول المبادئ أو المبتغيات. على سبيل المثال، لم تشهد الانتخابات اختلافات حقيقية بين المعسكرين الكبيرين حاليًا في الساحة السياسية بشأن القضية الفلسطينية، فمعسكر نتنياهو وحلفائه من اليمين المتطرف يرفض وجود كيان فلسطيني يتمتع بأي درجة من الاستقلالية، ويؤمن بسيادة إسرائيلية كاملة على كل الأراضي المحتلة. فيما يعتبر ائتلاف المعارضة بقيادة أيزنكوت قيام دولة فلسطينية حلًا غير واقعي، ومن ثم يرفض مصطلح "حل الدولتين".
وبمد الخط على استقامته، تتحفّظ المعارضة على استخدام المستوطنين العنف، ولا تشجّع مشروعات الضم الأحادية والتوسّع الاستيطاني. ويلاحظ هنا أن سبب التحفظ ليس رفض الاستيطان مبدئيًا، وإنما لأن التوسّع الاستيطاني غير المقيد يُفقد تل أبيب الحاضنة الدولية، ويثير ردات فعل عالمية سلبية. وفيما يرى أيزنكوت إمكانية لتخفيف القبضة الأمنية المباشرة على قطاع غزة والتوصل إلى صيغ ملائمة وعملية لإدارة الأمن وترتيبات إعادة الإعمار، مع نزع سلاح حركة حماس أساسًا لا بد منه؛ يصر نتنياهو وحلفاؤه على السيطرة المباشرة الكاملة على القطاع.
ولا يقتصر هذا التباين المظهري على القضية الجوهرية للدولة العبرية ومكوناتها السياسية والاجتماعية؛ وإنما يمتد أيضًا إلى قضايا محض داخلية. مثلًا، التجنيد الإلزامي عند نتنياهو واليمين المتطرّف المؤتلف معه، يُستثنى منه المتديّنون (الحريديم) الذين يشكلون قاعدة الأحزاب الدينية الوازنة لحكومة نتنياهو السابقة وائتلافه الانتخابي. بينما ترى المعارضة التي تضم أطيافًا من اليسار ويمين الوسط وجوب سريان التجنيد على الجميع.
لم تخل الانتخابات التي جرت بين قوى سياسية متقاربة جوهريًا متعارضة شكليًا، من مفاجآت وظواهر جديدة. أبرزها صعود المكون العربي على مستويين متتابعين: ارتفاع نسبة الإقبال على التصويت، حتى اقتربت من 70% في البلدات الدرزية. وعدد المقاعد التي وصلت إلى 19، وهو ضعف ما حصل عليه العرب في انتخابات 2020. في سابقة لم تحدث في سجل المشاركة السياسية لعرب إسرائيل.
صحيح أن حماس الناخبين العرب للمشاركة ومواقفهم السياسية تبلورت أساسًا على وقع معاناة ممتدّة من التهميش والعنصرية، أي لأسباب ودوافع داخلية بامتياز. غير أن لمواقفهم تجاه قضية الاحتلال أهميتها وجديرة بالمتابعة والتفاعل. إن من زاوية التأثير المباشر بموجب الوزن النسبي لهم في تركيبة الكنيست الجديد، أو من زاوية التأثير غير المباشر عبر الائتلاف مع أحد المعسكرين الأساسيين (نتنياهو أو أيزنكوت). وبسبب محدودية الخيارات المتاحة أمام كل منهما، يبدو الخيار العربي مُغريًا أمامهما. وإذا كان بنيامين نتنياهو يرفض أي تقارب أو تفاهم مع الأحزاب العربية من حيث المبدأ؛ إلا أن غادي أيزنكوت لا يمانع تشكيل ائتلاف حكومي مدعوم عربيًا بشروط معينة، منها الاعتراف بيهودية الدولة، ما لا يرفضه حزب ذو خلفية إسلامية، يمثل إحدى القائمتين العربيتين الرئيسيتين اللتين فازتا بالمقاعد التسعة عشر.
يؤشّر هذا الموزاييك البرلماني إلى استمرار الانقسام الداخلي مع اختلافات نسبية ومستجدات جزئية. أهمها أن اتجاه المجتمع الإسرائيلي باطراد نحو التشدّد اليميني لم يجسر الفجوات بين اليمين واليسار، وبخاصة في ظل العوامل الشخصية مثل تطلع أيزنكوت إلى قيادة الدولة، وخشية نتنياهو من الملاحقة القضائية. ما يتيح أمام قوى كانت كامنة عقودًا (الصوت العربي) لعب دور مؤثر وقابل للتعاظم، ليس فقط في تشكيل حكومة ائتلافية حاليًا، وإنما في إدارة الدولة، وربما سياسات إسرائيل مستقبلًا.

